الحرب قادمة.. هل "يبتلع" حزب الله الضربات الإسرائيلية ترقباً لمواجهة كبرى؟

ترتفع داخل حزب الله تقديرات احتمال اندلاع جولة جديدة وأكثر عنفاً من الحرب ضد إسرائيل خلال المرحلة القريبة المقبلة، وهو ما يدفعه، وفق معلومات أمنية لبنانية، إلى تجنب استنزاف ما تبقى من قدراته العسكرية في ردود محدودة، حتى على ضربات كبيرة بحجم خسارة مرتفعات علي الطاهر.

وقال مصدر أمني لبناني مطلع على طبيعة النقاشات التي تجري داخل أروقة الحزب، لـ"إرم نيوز"، إن حزب الله بات يتعامل مع التطورات الحالية باعتبارها مرحلة استعداد بين جولتين، وإن الرهان الأساسي لديه لم يعد كيفية الرد على كل غارة أو استهداف، وإنما الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من القوة العسكرية للجولة التي يعتقد أنها قد تكون أوسع وأشد من المواجهات الحالية.

وبحسب المصدر، فإن هذا التقدير يفسر جانباً مهماً من الصمت الذي أعقب سقوط "علي الطاهر" واستمرار الضربات الإسرائيلية اليومية، إذ يفاضل الحزب بين رد تكتيكي لا يغير ميزان القوى، وبين الاحتفاظ بالصواريخ والمسيّرات والقدرات التي لا تزال لديه لمواجهة يعتبرها أكثر خطورة.


لا تفصل تقديرات الحزب، وفق المصدر، الجبهة اللبنانية عن التحولات الإسرائيلية والإقليمية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وعدم وجود مسار واضح حتى الآن يضمن بقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في السلطة.

وتظهر أحدث متوسطات استطلاعات الرأي التي جمعتها "رويترز" عدم امتلاك أي طرف طريقاً مضموناً إلى الحكم، مع تقدم حزب "ياشار" الوسطي بنحو ثلاث نقاط على الليكود، فيما تشير التقديرات إلى إمكانية حصول الأحزاب المناهضة لنتنياهو على عدد أكبر من المقاعد، من دون ضمان قدرتها على تشكيل حكومة.

ويبدو أن العامل الانتخابي دخل بالفعل في حسابات التصعيد. فقد أشارت تحليلات أمنية حديثة إلى أن زيادة الضغط على حزب الله قبيل الانتخابات تخدم الحكومة الحالية انتخابياً، بالتوازي مع محاولة إسرائيل تحسين موقعها العسكري في النبطية وشمال الليطاني.

علي الطاهر.. لماذا لم يأت الرد؟

يمثل سقوط مرتفعات علي الطاهر الاختبار الأوضح لهذه المعادلة. فقد دمرت إسرائيل شبكة أنفاق ومنشآت قيادة وتخزين تحت الأرض يزيد طولها على كيلومترين، وقالت إن الموقع احتوى على عشرات الصواريخ والمسيّرات والأسلحة المضادة للدروع ومركز قيادة تابع لوحدة "بدر".

ورغم أهمية الموقع وحجم الضربة، لم يرد الحزب بعملية تتناسب مع الخسارة. وسُجلت هجمات محدودة بالمسيّرات خلال المعركة، لكن الحزب تجنب الذهاب إلى إطلاق صاروخي واسع يمكن أن يفتح مواجهة شاملة.


ويرى المصدر الأمني أن احتواء خسارة بهذا الحجم لا يعكس فقط الرغبة في منع التصعيد، وإنما أيضاً تغيراً في حسابات الكلفة بعد الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها منشآت الحزب ومستودعاته وشبكاته العسكرية، بحيث أصبح الحفاظ على القدرة المتبقية جزءاً من الاستعداد للجولة التالية.

وتتقاطع هذه القراءة مع تقديرات حديثة لضباط في القيادة الشمالية الإسرائيلية، تحدثت عنها وسائل إعلام إسرائيلية، ومفادها أن حزب الله لن يبقى في حالة ضبط للنفس إلى ما لا نهاية، وأنه يعيد بناء قوته ويستعد للمرحلة المقبلة، فيما تراقب قيادته بصورة وثيقة ما يحدث في إيران.


إيران تعيد خلط الحسابات

وتزداد أهمية العامل الإيراني مع التصعيد الحاد بين واشنطن وطهران خلال الساعات الأخيرة. فقد أعلنت القيادة العسكرية الإيرانية أنها تلقت معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة تستعد لاستئناف الضربات، وهددت بأن أي هجوم جديد سيقابل باستهداف مستمر للقواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة.

وفي المقابل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه في مرحلة اتخاذ قرار بشأن إيران، واضعاً بين الخيارات عملاً عسكرياً جديداً أو زيادة الضغط الاقتصادي أو التوصل إلى اتفاق، فيما قطع إقامته في كامب ديفيد وعاد إلى البيت الأبيض مبكراً من دون إعلان سبب رسمي.

ويحمل هذا التصعيد، بالنسبة لحزب الله، دلالة مباشرة. فالجولة السابقة في لبنان اندلعت بعدما دخل الحزب المواجهة عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما يجعل احتمال تجدد الصدام مع طهران عاملاً أساسياً في حساباته بشأن توقيت استخدام ترسانته المتبقية.

"ردع عقابي"

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد إلياس حنا أن العمليات الإسرائيلية في الجنوب انتقلت من الردع والاحتواء والضربات المتقطعة إلى ما يصفه بـ"الردع العقابي"، في محاولة لمنع حزب الله من إعادة التموضع وتنظيم صفوفه استعداداً لأي مواجهة مستقبلية.

وبحسب حنا، فإن ما جرى في "علي الطاهر" جزء من استراتيجية أوسع تستهدف البيئة العسكرية التي يستطيع الحزب استخدامها لإعادة بناء قدراته، فيما تسمح السيطرة الإسرائيلية على المرتفعات بمراقبة مساحات ومحاور أوسع وحرمان الحزب من مناطق يمكن أن يستخدمها لإعادة ترتيب انتشاره.


وتظهر تقديرات إسرائيلية حديثة في المقابل أن الحزب، رغم فقدانه جانباً مهماً من ترسانته وبنيته المحصنة وقادته الميدانيين، يعمل على استعادة جزء من قوته، مع زيادة الاعتماد على المسيّرات، بما فيها المسيّرات المرتبطة بالألياف الضوئية.

إعادة ترتيب

من جهته، يقول الباحث والكاتب السياسي علي حمادة، إن امتناع حزب الله عن الرد على الضربات الإسرائيلية المتلاحقة لا يعني بالضرورة أنه تخلّى عن خيار المواجهة، بقدر ما يمكن أن يعكس محاولة لإعادة ترتيب ما تبقى من قدراته وتجنب استنزافها في ردود محدودة لا تغير ميزان القوى.

ويشير إلى أن الحزب يدرك أن أي جولة جديدة لن تكون امتداداً للحروب السابقة، بل مواجهة أكثر قسوة في ظل التفوق الاستخباراتي والجوي الإسرائيلي والخسائر التي أصابت بنيته العسكرية والقيادية.

ويضيف أن المشكلة بالنسبة للحزب تكمن في أن انتظار "المعركة الأكبر" يحمل بدوره مخاطرة كبيرة، لأن إسرائيل تستفيد من فترة الصمت لتوسيع حرية عملها واستهداف البنية التي يحاول الحزب إعادة بنائها. لذلك فإن عدم الرد قد يحفظ للحزب بعض قدراته مؤقتاً، لكنه يمنح خصمه في الوقت نفسه فرصة لمواصلة تقليص هذه القدرات قبل الوصول إلى الجولة التي يستعد لها.


وهكذا يتحول عدم الرد، وفق قراءة المصدر الأمني، من قرار متعلق بمرتفعات علي الطاهر وحده إلى جزء من حساب أكبر؛ فحزب الله لا يعرف تماما متى تبدأ الجولة المقبلة، لكنه يرفع تقدير احتمال وقوعها ولا يريد دخولها بعدما استنزف ما تبقى لديه في سلسلة ردود محدودة لا تغير الواقع الميداني.

وبذلك، فإن السؤال الذي يشغل الحزب اليوم، بحسب المصدر، ليس كيف يرد على كل غارة إسرائيلية، وإنما كم يستطيع أن يحتفظ من قوته للحظة التي يعتقد أن إسرائيل وإيران والمنطقة كلها قد تعود فيها إلى الحرب.