متى تتحول الهدنة في غزة من عنوان سياسي إلى حماية فعلية للناس؟
ليست الهدنة في الحروب مجرد اتفاق على تخفيض صوت المدافع، ولا بياناً دبلوماسياً تعلنه العواصم وتحتفي به وسائل الإعلام، بل إن قيمتها الحقيقية تقاس بقدرتها على حماية الإنسان، ووقف نزيف الدم، وإعادة شيء من الأمن والطمأنينة إلى حياة المدنيين.
وهنا يبرز السؤال المؤلم في غزة: متى تتحول الهدنة من عنوان سياسي إلى حماية فعلية للناس؟
لقد دفع أهل غزة ثمناً إنسانياً هائلاً خلال سنوات الحرب؛ قتلى وجرحى ومفقودون، وبيوت مهدمة، وأحياء تغيرت معالمها، ومستشفيات ومدارس وبنى تحتية أنهكتها الحرب. وحتى عندما ينخفض مستوى العمليات العسكرية الواسعة، يبقى الإنسان الفلسطيني محاصراً بآثارها: بيت آيل للسقوط، ومستشفى يعاني نقص المعدات والطاقة، وأسرة تبحث عن مأوى، وطفل يحاول العودة إلى مدرسة وسط الركام.
ومن هنا، فإن وقف إطلاق النار الذي لا يمنع سقوط مزيد من الضحايا، ولا يضمن وصول الغذاء والدواء، ولا يسمح بإعادة بناء المستشفيات والمدارس والمساكن، يبقى هدنة ناقصة مهما كانت أهميته السياسية.
الهدنة الحقيقية تبدأ عندما يشعر الأب في غزة أنه يستطيع إرسال أطفاله إلى المدرسة من دون خوف، وحين تنام الأم وهي واثقة بأن أبناءها لن يستيقظوا على صوت انفجار، وحين تصل سيارة الإسعاف إلى المصاب بلا عوائق، وحين يستطيع الطبيب أن يؤدي واجبه بما يحتاجه من دواء وكهرباء ومعدات.
وتبدأ أيضاً عندما يصبح للمدني الفلسطيني حق فعلي في الحياة والأمن، لا حقاً نظرياً تتحدث عنه المواثيق ثم يعجز المجتمع الدولي عن ضمانه على الأرض.
المشكلة الأساسية أن غزة ظلت، في كثير من مراحل الصراع، أسيرة الفجوة بين اللغة الدبلوماسية والواقع الميداني. تتحدث الأطراف عن التهدئة بينما يبقى المدني معرضاً للقتل أو النزوح، وتتحدث المؤتمرات عن الإعمار بينما يبقى الركام في مكانه، وتتكرر الدعوات إلى إدخال المساعدات بينما تبقى الاحتياجات الإنسانية أكبر بكثير مما يصل إلى السكان.
ولا يمكن أن تكون هناك هدنة مستقرة إذا تحولت المساعدات الإنسانية إلى ورقة تفاوض، أو بقيت إعادة الإعمار رهينة للصراع السياسي. فالخبز والماء والدواء والمأوى ليست امتيازات تفاوضية، بل حقوق إنسانية أساسية.
كما أن مستقبل غزة لا ينبغي أن يُبحث بمعزل عن القضية الفلسطينية في مجموعها. فغزة ليست جزيرة سياسية منفصلة عن الضفة الغربية والقدس، ولا يمكن بناء سلام مستدام عبر معالجة آثار الحرب وترك جذورها بلا حل. إن الأمن الحقيقي يحتاج إلى أفق سياسي عادل يحفظ للشعب الفلسطيني حقوقه وكرامته ويمنع تكرار دورة الحرب كل بضع سنوات.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على المجتمع الدولي. فلا يكفي إصدار بيانات القلق والإدانة، وإنما المطلوب ضمانات وآليات واضحة لمراقبة وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان دخول المساعدات بصورة كافية ومنتظمة، وتسريع إعادة الإعمار، ومنع أي سياسات تؤدي إلى التهجير القسري أو تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للقطاع.
كما أن الأطراف الفلسطينية مطالبة بإدراك أن حجم الكارثة يفرض تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات التنظيمية والفئوية. فإعادة بناء غزة يجب أن تترافق مع إعادة بناء البيت الفلسطيني نفسه، وإنهاء الانقسام، وتشكيل رؤية وطنية قادرة على حماية الحقوق الفلسطينية والتعامل مع تحديات اليوم التالي للحرب.
إن غزة لا تحتاج إلى هدنة تمنحها أياماً أقل دموية فحسب؛ بل تحتاج إلى سلام يحفظ الحياة والكرامة والأمل.
فالطفل الذي نجا من الحرب لا يكفي أن نحميه من الصاروخ، بل علينا أن نعيد إليه مدرسته ومستقبله وشعوره بالأمان. والأسرة التي خرجت من تحت الأنقاض لا يكفي أن تبقى على قيد الحياة، بل يجب أن تجد بيتاً وماءً ودواءً وحياة كريمة.
لهذا فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي هدنة ليس عدد الاجتماعات التي عقدت بشأنها، ولا عدد البيانات التي صدرت للاحتفاء بها، وإنما سؤال بسيط وواضح:
هل أصبح الإنسان في غزة أكثر أمناً؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن الطريق إلى السلام ما يزال طويلاً.
أما حين يستطيع أهل غزة أن يعيشوا يومهم من دون خوف من موت مفاجئ، وحين يبدأ الركام بالتحول إلى بيوت، والمدارس إلى أماكن للتعليم لا للإيواء، والمستشفيات إلى أماكن للعلاج لا ساحات للصراع، عندها فقط يمكن القول إن الهدنة خرجت من قاعات السياسة، وأصبحت حماية حقيقية للناس.