ليس كل عواء يستحق حجراً.
يقولون: «لو أن كل كلب عوى ألقمته حجراً، لأصبح الصخر مثقالاً بدينار».
وربما تختصر هذه الحكمة كثيراً من تفاصيل حياتنا ، ففي كل زمان ومكان هناك من جعل من الانتقاد مهنة، ومن التشكيك عادة، ومن الضجيج وسيلة لإثبات الحضور.
ليس كل من يرفع صوته صاحب قضية، ولا كل من ينتقد يبحث عن إصلاح ، و
فهناك من يترصد خطوات الآخرين، ويفسر الكلمات وفق ما يريد، ويحوّل التفاصيل الصغيرة إلى قضايا كبرى، ثم يطلق أحكامه وكأنه يمتلك الحقيقة كاملة.
والأصعب أن يتحول هذا السلوك أحياناً إلى ظاهرة تتجاوز الأفراد، فتُستنزف أوقات المؤسسات والمسؤولين في الرد على كل صوت مرتفع، وكل تعليق عابر، وكل ادعاء لا يستند إلى دليل ، وهنا يصبح الضجيج غاية بحد ذاته، ويجد صاحبه ما يبحث عنه: مزيداً من الاهتمام.
لكن الحكمة ليست في الرد على كل شيء، كما أن الصمت ليس دائماً ضعفاً ، هناك نقد يستحق الإصغاء لأنه يكشف خللاً ويقترح حلاً، وهناك كلام لا يحتاج إلا إلى التجاهل ، فالفرق كبير بين من يطرق باب الإصلاح، ومن يطرق أبواب الشهرة بالضجيج.
المجتمعات لا تتقدم بكثرة الأصوات، بل بقدرتها على التمييز بين الصوت الذي ينبه إلى الخلل، والصوت الذي يبحث عن صدى ، والمؤسسات الناجحة لا تجعل كل انتقاد معركة، ولا تسمح لكل عابر أن يحدد لها اتجاهها.
لذلك، ليس علينا أن نلقي حجراً على كل من يعوي؛ فالحجر الذي نهدره في لحظة غضب، قد يكون لبنة في جدار نبنيه، أو أساساً لبيت، أو طريقاً نمضي عليه.
وفي زمن يعلو فيه الضجيج، قد يكون أعظم أشكال الحكمة أن تعرف متى تجيب، ومتى تصمت، ومتى تواصل طريقك دون أن تلتفت.