لا إكراه في الدين… فكيف بالإكراه في تفاصيل حياة الناس؟
تابعت النقاش حول حفل عمرو دياب في العقبة، وأعتقد أن هناك خلطًا بين موضوعين مختلفين تمامًا.
أولًا، أنا أتفهم من ناقش موضوع اللباس الأبيض بهدوء وقال: لماذا يُشترط على الناس لون معين؟ هذا رأي قابل للنقاش والاختلاف.
لكن لنضع الأمر بحجمه الحقيقي: نحن نتحدث عن حفل خاص، بتذكرة مدفوعة، وشروط معلنة مسبقًا، ومن بينها الـDress Code الأبيض. وهذه ليست بدعة ولا اعتداءً على الحريات؛ فالـDress Code موجود في حفلات ومطاعم ونوادٍ وحتى أعراس ومناسبات عائلية، والإنسان في النهاية يقرر: تناسبه شروط المناسبة فيحضر، لا تناسبه فلا يشتري التذكرة.
لكن الذي استوقفني فعلًا هو حجم الغضب: "اليوم يطلبون الأبيض، وغدًا ماذا سيطلبون من الناس؟!”
يا جماعة الخير… كل هذا الخوف على حرية الإنسان بسبب لون قميص في حفلة؟
يا ليت هذا الحماس نفسه نراه عندما تُفرض على الإنسان أمور تمس حياته وحقوقه وكرامته ومستقبله فعلًا. ويا ليت الذين يخشون اليوم من "التحكم بالناس” بسبب Dress Code يرفعون أصواتهم بالقوة نفسها ضد الاحتلال وإجراءاته وقيوده وما يفرضه على الفلسطيني في تفاصيل حياته اليومية.
هناك يستحق مفهوم الحرية كل هذه المعركة، لا عند باب حفلة يستطيع الإنسان أصلًا أن يقرر ألّا يدخلها.
أما الفريق الآخر، الذي لا يناقش اللون الأبيض أصلًا، بل يعترض على إقامة الحفل من أساسه لأنه يرى الغناء والرقص "فجورًا” و”فسادًا” و”كفرًا”، فهنا الخلاف أعمق.
من حقك ألا تحضر.
ومن حقك ألا تسمع عمرو دياب.
ومن حقك أن تعتبر الحفلات كلها مضيعة للوقت والمال.
لكن ليس من حق أحد أن يحوّل قناعاته الشخصية إلى وصاية على مجتمع كامل.
الناس ليسوا نسخة واحدة، والدولة ليست مسؤولة عن فرض ذوق شخص أو فهمه للحياة على الآخرين.
والأهم أن الفعاليات الكبرى لا تُقاس فقط بصورة أو مقطع فيديو لم يعجبك. هناك فنادق ومطاعم ونقل وعاملون وأسواق وحركة سياحية وإنفاق اقتصادي. وحتى المنتقدون للحفل أقرّ بعضهم بأن مثل هذه الفعاليات يمكن أن تنعش قطاعات الفنادق والنقل والمطاعم والتجارة والخدمات.
ناقشوا الأسعار، ناقشوا التنظيم، ناقشوا شروط الدخول، وانتقدوا أي تجاوز حقيقي… كل ذلك مشروع.
لكن أن نختصر حدثًا كاملًا في: "كيف لبسوا؟ كيف رقصوا؟ حرام، فجور، امنعوا الحفلات”؛ فهذه ليست حماية للمجتمع، بل محاولة لفرض نمط حياة على الآخرين.
الحرية لا تعني أن يعيش الناس كما أحب أنا، بل أن أقبل بحقهم في اختيار ما لا أحبه، ما دام ضمن القانون ولا يعتدي على حقوق الآخرين.
أما اللون الأبيض…
فبصراحة، لو كانت أكبر مشكلة تواجه حريات الإنسان في منطقتنا هي لون القميص في حفلة عمرو دياب، لكنا بألف خير.