من الرسوم إلى الذكاء الاصطناعي.. "وجبات ساخنة" على مائدة ترامب وشي في واشنطن
كشف مصدر أمريكي مطلع على ترتيبات زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن أن اللقاء المرتقب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يأتي في توقيت تسعى فيه واشنطن وبكين إلى إدارة ملفات الخلاف الاقتصادي والتكنولوجي، بالتوازي مع البحث عن تفاهمات تسمح بمنع انتقال المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم إلى مواجهة أوسع.
وبحسب مسؤولين أمريكيين كبار نقلت عنهم وكالة «رويترز»، يستعد ترامب لاستقبال شي في قاعدة أندروز المشتركة لدى وصوله إلى الولايات المتحدة، على أن تتضمن الزيارة مراسم استقبال رسمية واستعراضًا عسكريًا ومأدبة عشاء في البيت الأبيض، إلى جانب اجتماع ثنائي بين الرئيسين.
وتأتي زيارة شي إلى واشنطن بعد زيارة ترامب إلى الصين في مايو/أيار الماضي، عندما اتفق الرئيسان على مواصلة بناء علاقة تقوم على ما وصفه البيت الأبيض بـ«الاستقرار الاستراتيجي»، مع إعلان ترامب آنذاك أنه سيستضيف نظيره الصيني في الولايات المتحدة خلال الخريف.
أهمية القمة لا ترتبط فقط بمفاوضات الرسوم الجمركية، وإنما تمتد إلى ملفات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة، إضافة إلى قضايا الطاقة والمواد الكيميائية المرتبطة بإنتاج الفنتانيل.
وأضاف أن واشنطن تنظر إلى اللقاء باعتباره فرصة لفتح قنوات مباشرة بين القيادتين بشأن الملفات التي يصعب حسمها عبر المفاوضات الفنية وحدها، في وقت تستعد فيه الإدارة الأمريكية لجولة جديدة من المحادثات الاقتصادية مع المسؤولين الصينيين.
وتتزامن التحضيرات مع زيارة نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ إلى الولايات المتحدة، حيث يقود وفدًا صينيًا لإجراء مشاورات اقتصادية وتجارية مع الجانب الأمريكي بين 19 و23 سبتمبر/أيلول، وفق ما أعلنته وزارة التجارة الصينية.
ومن المقرر أن يلتقي خه مسؤولين أمريكيين، بينهم وزير الخزانة سكوت بيسنت والممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير، في إطار التحضير للقمة الرئاسية.
كما أكد بيسنت أنه سيجتمع مع خه قبل لقاء ترامب وشي، مع إدراج ملفات إيران والروابط المالية الصينية بطهران ضمن القضايا المطروحة على طاولة النقاش.
الرسوم الجمركية والمعادن النادرة
وتشير المعطيات المرتبطة بالزيارة إلى أن التجارة ستظل في مقدمة الملفات، خصوصًا مع استمرار المفاوضات بشأن الرسوم الجمركية وآليات تخفيف القيود المتبادلة.
وكشفت «رويترز» أن واشنطن وبكين تبحثان أيضًا خفض أو إلغاء رسوم صينية مفروضة على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، ضمن محادثات أوسع يمكن أن تشمل تخفيضات متبادلة على عشرات المليارات من الدولارات من الرسوم، إلى جانب اتفاقات محتملة في مجالات الطاقة والزراعة.
ويبرز ملف المعادن النادرة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، في ظل اعتماد قطاعات صناعية وتكنولوجية أمريكية على سلاسل إمداد مرتبطة بالصين، بينما تسعى واشنطن إلى تقليل نقاط الضعف في هذه السلاسل وتعزيز مصادر بديلة.
ومن المتوقع كذلك أن تحضر قضية الذكاء الاصطناعي بقوة خلال المباحثات، مع تصاعد المخاوف الأمريكية والصينية بشأن الاستخدامات العسكرية والتكنولوجية للذكاء الاصطناعي، وطرح خبراء من البلدين أخيرًا مقترحات لوضع ضوابط شبيهة، في بعض جوانبها، بآليات الحد من مخاطر الأسلحة الاستراتيجية.
عشاء البيت الأبيض يجمع عمالقة التكنولوجيا
ويكتسب العشاء الرسمي الذي يستضيفه ترامب وقرينته ميلانيا أهمية خاصة بسبب قائمة الضيوف، التي تضم عددًا من أبرز قادة شركات التكنولوجيا والأعمال الأمريكية.
وبحسب مسؤولين أمريكيين، تشمل القائمة مؤسس «أمازون» جيف بيزوس، والرئيس التنفيذي لـ«ألفابت» سوندار بيتشاي، والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لـ«تسلا» إيلون ماسك، والرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا» جنسن هوانج، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ«ديل تكنولوجيز» مايكل ديل، إلى جانب تيم كوك من «أبل» وشخصيات بارزة من قطاع المال والأعمال.
ويعكس حضور هذا العدد من قادة شركات التكنولوجيا أهمية الملفات المرتبطة بأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والاستثمار وسلاسل الإمداد في أجندة العلاقات الأمريكية–الصينية، خصوصًا أن هذه القطاعات أصبحت جزءًا أساسيًا من المنافسة الاقتصادية بين البلدين.
بكين تبحث عن رسائل اقتصادية
وفي قراءة للزيارة من زاوية اقتصادية، يقول الدكتور تشانج وي، الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة شنغهاي، إن بكين تسعى من خلال اللقاءات الرئاسية إلى طمأنة الأسواق العالمية وإعادة بناء قدر من الثقة في سلاسل الإمداد الدولية.
وأضاف تشانج لـ«إرم نيوز» أن القيود التجارية وحروب الرقائق الإلكترونية لا تقتصر آثارها على الاقتصادين الأمريكي والصيني، وإنما تمتد إلى الاقتصاد العالمي، معتبرًا أن اللقاءات المباشرة بين القيادتين يمكن أن توفر فرصة لتبريد الأجواء الاستثمارية وإرسال رسائل إلى مجتمع الأعمال في البلدين بأن الاقتصاد العالمي قادر على استيعاب نمو القوتين، طالما توافر حد أدنى من التفاهم والتنسيق.
وتأتي هذه الرؤية في وقت تكثف فيه الشركات الأمريكية اتصالاتها بالأسواق الصينية، بينما تستعد بكين لإرسال وفد اقتصادي رفيع إلى الولايات المتحدة بالتزامن مع زيارة شي.
الفنتانيل وإيران ضمن الحسابات الأمريكية
ولا تقتصر الملفات المطروحة على الاقتصاد والتكنولوجيا، إذ تحاول واشنطن إدراج قضية الفنتانيل ضمن التفاهمات مع بكين، في ظل اتهامات أمريكية للصين بعدم بذل جهود كافية لمنع وصول المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع المخدر إلى شبكات الإنتاج في المكسيك.
وتضغط الإدارة الأمريكية على بكين لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الموردين والشركات التي تزود شبكات تصنيع الفنتانيل بالمواد الأولية، بينما ترى الصين أن التعاون في هذا الملف يجب أن يأتي ضمن إطار أوسع من التفاهمات المتبادلة.
كما يمكن أن تحضر الأزمة الإيرانية في المحادثات، خصوصًا مع تأكيد مسؤولين أمريكيين أن ترامب وشي سيواصلان بحث الملف الإيراني والروابط المالية الصينية بطهران.
وكان البيت الأبيض قد أعلن في مايو/أيار أن ترامب وشي اتفقا على مواصلة التنسيق بشأن عدد من الملفات الدولية، بينها إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب ملفات التجارة والاستقرار الاقتصادي العالمي.
تايوان.. الملف الذي لا يمكن تجاهله
وبالتوازي مع الملفات الاقتصادية، تبقى تايوان واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين واشنطن وبكين، رغم أن التركيز العلني على القمة ينصب بدرجة أكبر على التجارة والتكنولوجيا.
وتشير تقارير حديثة إلى أن حلفاء واشنطن في آسيا يراقبون عن كثب كيفية تعامل ترامب مع ملف تايوان خلال محادثاته مع شي، خصوصًا مع المخاوف من أن تؤدي التفاهمات الاقتصادية إلى إعادة صياغة بعض أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة.
ومع اقتراب وصول شي إلى واشنطن، تتحول الاجتماعات التحضيرية التي يقودها خه لي فنغ إلى مؤشر مبكر على طبيعة الملفات التي يمكن أن تنتقل إلى طاولة ترامب وشي، بينما يبقى حجم التفاهمات التي يمكن للرئيسين الوصول إليها مرتبطًا بقدرة كل طرف على تقديم تنازلات دون المساس بالقضايا التي تعتبرها واشنطن وبكين جزءًا من أمنهما الاقتصادي والاستراتيجي.