تحالف مكة.. اختبار لنوايا إيران والصين وروسيا

أوضحت باكستان، على لسان وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، أن إسلام آباد نقلت رسالة سعودية إلى طهران، تعكس المخاوف المتصاعدة إزاء الهجمات التي تشنها قوات الحوثي، مستبعدًا أن تُقدم طهران -كدولة- على دعم الحوثيين بشكل يفضي إلى فتح جبهة حرب جديدة في المنطقة.

ورغم أن الوزير الباكستاني خواجة آصف قال إن "الوقت قد حان لتنفيذ اتفاق مكة في ظل التصعيد الأخير لجماعة أنصار الله (الحوثيين) باتجاه السعودية”، إلا أنه عاد وأكد أن بلاده تواصل جهودها الرامية إلى الحيلولة دون اتساع رقعة الصراع وامتداده إلى جبهات إضافية.

الخارجية التركية والرئاسة، و رغم إدانتها بأشد العبارات محاولة الهجوم التي هددت قدسية مدينة مكة المكرمة وأمنها، إلا انها بينت، ومن خلال وزارة الدفاع التركية، أن تحالف مكة الثلاثي يستند إلى الدفاع والردع الجماعي، ولا يستهدف أي دولة، مؤكدةً استمرار الجهود الرامية إلى إضفاء الطابع المؤسسي على التحالف، ملمحةً بذلك إلى عدم جاهزية التحالف للانخراط في مهامه المعلن عنها في الدفاع المشترك للبلدان الثلاثة المشاركة فيه.

إلى اللحظة الراهنة، لم ينجح التحالف في ردع حركة أنصار الله الحوثية عن مهاجمة المملكة العربية السعودية وفرض حصار عليها، ما يمثل احراجا لدوله الثلاث خصوصا تركيا وباكستان، في وقت تتقدم فيه جماعة أنصار الله للسيطرة على الساحل الغربي وصولًا إلى مدينة عدن، عاصمة الشرعية المؤقتة، التي باتت قريبة من دائرة الاستهداف بعد تقدم قوات صنعاء السريع في تعز.

فحركة أنصار الله في صنعاء، ومن خلال هجومها المباغت والسريع، عكست إدراكًا عميقًا للحقائق المرتبطة بالتحالف الثلاثي، من خلال توظيف العوائق اللوجستية المؤسسية المرتبطة بحداثة نشأته، لذلك سابقت الزمن لإطلاق هجوم خُطط له على مدى أربع سنوات، فصنعاء تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب في هجوم استبقت فيه تطور التحالف ومؤسساته وتشكيلاته، على نحو بهدد بناءه السياسي قبل البناء العسكري.

حداثة نشأة التحالف الثلاثي وقوة الهجوم الذي أطلقته حركة أنصار الله في صنعاء قدما ميزة تفضيلية تخشى صنعاء أن تفقدها مستقبلًا حال اكتمال بناء التحالف ومؤسساته، فهجوم الحوثيين، وإن شكك بفاعلية التحالف وجدواه، إلا أنه استبقه بإنجازات على الأرض تكاد تكون مستحيلة لو تشكل وأصبح فاعلًا سياسيًا وعسكريًا في المستقبل القريب.

فالتحالف الثلاثي يتعرض لضغوط قوية ارتقت إلى مستوى ضربة استباقية تدفع نحو تفكيكه ووئده قبل اكتمال تخلقه، فالتحالف، بما يحمله من طموحات لإنشاء منظومة إقليمية تضم إيران، لازال يحتاج إلى مأسسة وهيكلة لتفعيله لوجستيًا واستخباريًا، عبر بناء منظومات اتصال وقيادة وسيطرة تسمح بنشر التشكيلات والبدء بمناورات وتدريبات مشتركة، جهود تتطلب في الظروف الطبيعية أشهرًا، وإنجازها في ظل ظروف الأزمة يقتضي تحركًا سريعًا يهدد بنية التحالف السياسية والفكرية واللوجستية، وينحرف بأهدافه الأساسية لتشكيل منظومة إقليمية جديدة تضم إيران ليصبح أداة لمواجهة إيران.

غياب الفاعلية والضغوط البنيوية والهيكلية لم تمنع الدول المشاركة في التحالف عن طرح موقفها ورؤيتها للصراع، إلى حد إعلان وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف استعداد بلاده للتدخل، بغض النظر عن جاهزية تحالف مكة من عدمه ، كون إسلام آباد ملتزمة بأمن المملكة السعودية، سواء ارتبط ذلك بالتحالف الثلاثي الذي يضم تركيا وباكستان والسعودية أم لا، وهو ما أكده في تصريحاته التي أدلى بها لقناة «جيو» الباكستانية المحلية.

فسباق الزمن يدفع تركيا وباكستان للإعلان عن تحركات طارئة للتعامل مع الأزمة، بالتواصل مع الجانب الإيراني وممارسة الضغوط لوقف هجمات حركة أنصار الله، والضغط بقوة لتسريع بناء وهيكلة مؤسسات التحالف، كرد على الهجمات التي تتعرض لها العربية السعودية، وكاستجابة للتحدي الذي يتعرض له اتفاق مكة وتحالفه الثلاثي.

على الناحية الأخرى، تضغط المملكة العربية السعودية، على طهران عبر الصين لوقف هجمات حركة انصار الله ، إذ أكدت وكالة رويترز للأنباء، نقلًا عن ثلاثة مصادر لم تسمها، طلب الرياض من بكين الضغط على طهران وحركة أنصار الله، لوقف هجومها في اليمن، لتنضم بذلك إلى باكستان وتركيا اللتين تسعيان إلى وقف الهجوم عبر إشراك طهران بجهود الوساطة لوقف هجمات حركة أنصار الله.

فتركيا وباكستان، ومن خلفهما وأمامهما السعودية امام اختبار صعب ، يمنعها من إقحام التحالف وبنيته السياسية والمؤسسية الهشة والحديثة العهد في في اختبار قاتل ومدمر في اليمن .

ختامًا.. تحدٍّ كبير للدول الثلاث الشريكة واختبار عنيف لتحالف مكة يهدد بتفككه قبل أن يكتمل تشكله على وجه الحقيقة، أمر وإن كان فيه مصلحة للكيان الإسرائيلي وأميركا واليونان وأوروبا، غير أنه لا مصلحة فيه لإيران والصين وروسيا في المدى المتوسط والبعيد، كونه يمثل إحد المنظومات الإقليمية الفرعية للنظام الدولي التي تبشر بها الدول الثلاث: موسكو وبكين وطهران، ما يستدعي تدخلًا منها يخدم مصالحها الاستراتيجية الغائبة عن جهود التموضع التكتيكي لأطراف الصراع اليمني.