الذكرى السابعة لرحيل شيخ التأمين وعمدته وائل زعرب... الحاضر الغائب... لروحك الطاهرة ألف سلام


كتب: اسامة الراميني


في مثل هذا اليوم، الموافق 17 أيلول من عام 2019، كانت منطقة الصويفية، وتحديدًا كنيسة دخول السيد إلى الهيكل للروم الأرثوذكس، تعجّ بمئات من رجالات الدولة ورموزها ووجهائها وأعيانها، إلى جانب الفقراء والبسطاء ممن عرفوا الرجل وأحبوه، وهم يلقون نظرة الوداع الأخيرة على شيخ التأمين وعمدته، وأحد أبرز بناة هذا القطاع، المرحوم وائل زعرب "أبو الوليد".

في ذلك اليوم، غادرت روحه الطاهرة إلى بارئها، بعد حياة ملأها صاحبها طيبة ونقاءً، وعطاءً وانتماءً، وترك فيها من الأثر ما جعل غيابه حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه أو سمع بسيرته ومسيرته.

فقد الأردن في ذلك اليوم شخصية أحبها كل من اقترب منها. رجلًا عصاميًا، صاحب خلق ومبدأ، ولد في القدس عام 1939، وعاش حياته بنفس مطمئنة، محبة للخير والإنسان والناس.

من شارع المهاتما غاندي، حيث كان يسكن أبو الوليد في عبدون، إلى الصويفية، ثم إلى أم الحيران، امتدت حكاية الوداع الأخير. كان الجميع يلوّحون له بأيديهم، وكأنهم يقولون: نم قرير العين، بهدوء وسكينة وراحة ومحبة. كانت العيون قد جفّت من كثرة البكاء، لكن الحزن كان يبحث عن دموع جديدة تليق برجل ترك وراءه سيرة ستظل حاضرة.

كان وائل زعرب رجل اقتصاد بنى نفسه بنفسه. من غرفتين، أو أقل قليلًا، في إحدى عمارات جبل عمّان، بدأت فكرة تحولت إلى هدف، ثم إلى مشروع، ثم إلى مسيرة طويلة حملت اسم الشركة الأردنية الفرنسية للتأمين "جوبيكو"، التي تحتفل هذا العام بعيدها الخمسين، بعد رحلة حافلة بالتحديات والتضحيات والمسؤوليات.



ولعل عبارة قالها أحد الذين عرفوا أيادي أبي الوليد البيضاء، تختصر جانبًا من حكايته: "أبو الوليد جميل الروح إلى الحد الذي يجعل الأرض عاجزة عن حمله، فخبأته داخلها واحتضنته وكأنه أمانة ووديعة".

نعم، قبل سبع سنوات، وبعد منتصف أيلول بقليل، رحلت الروح التي كانت تملأ الدنيا طيبة ونقاءً، خيرًا وانتماءً، صدقًا وإخلاصًا. أما الجسد فيرحل، فيما تبقى الروح حاضرة بعطرها في ذاكرة الأهل والأصدقاء والمحبيّن، وفي وجدان كل من تعامل مع وائل زعرب وعرفه عن قرب.

كان أبو الوليد مثابرًا، مواظبًا على بلوغ أهدافه، لا يركن إلى الصعاب ولا يسمح لها بأن تحدد مساره. جدّ واجتهد، وتفوّق على نفسه، وعمل بجد وتفانٍ وإخلاص، مؤمنًا بالعمل، وبقيمة الانتماء، وبأن الصدق والنزاهة وحسن النية ليست شعارات، وإنما أسس لحياة كاملة.

وبين غرفتين صغيرتين في جبل عمّان وشركة ذات مكانة مرموقة في قطاع التأمين، تتجسد قصة رجل آمن بالفكرة، ثم منحها من عمره وجهده وإرادته حتى كبرت وأصبحت واقعًا.

لم يكن نشاطه محصورًا في بناء تجربته الخاصة؛ فقد كان واحدًا من أبناء جيل أسسوا قطاع التأمين الأردني وتركوا فيه بصماتهم. ومع رفاقه وأصدقائه الذين غادر معظمهم، بقي ما زرعوه قائمًا، شركات ومؤسسات وتجارب صنعت جزءًا من قصة الاقتصاد الأردني.

كانت اللبنة الأولى عرق جبين، وإيمانًا بالعمل الجماعي، وحبًا للوطن، وإصرارًا على البناء. وكان وائل زعرب يحمل فكرًا وتجربة وإرادة وهدفًا ورسالة، والأهم من ذلك كله أخلاقًا ورفعة وصدقًا ولسانًا جميلًا وقلبًا طاهرًا. لذلك أصبح العمل بالنسبة إليه إيمانًا وعبادة، وبوصلة تهديه إلى الخير.


كان أبو الوليد لا يراقب الساعة بقدر ما كان يشبهها؛ حركة دائمة وتقدم مستمر. وكان يؤمن بأن الهدف من دون خطة ليس أكثر من أمنية، ولذلك كان يخطط لما يريد، يحسب خطواته، ثم يعقلها ويتوكل على الله.

كان العمل عنده لا يرتبط بساعة أو حد، فإذا كان العمل يستحق أن يُنجز، فهو يستحق أن يُنجز بإتقان. لذلك كان منظمًا، يكره الفوضى، ويمتلك رؤية واضحة ورأيًا حاضرًا، ويؤمن بأن المركب الذي لا يكون لله فيه نصيب يغرق.

وكان يرى أن أول أسرار النجاح أن يؤمن الإنسان بنفسه، وأن النجاح ليس محطة يصل إليها المرء ثم يتوقف، وإنما رحلة مستمرة ومشوار لا ينتهي. لذلك كان كثير الحركة، دائم السعي، وهو ما انعكس إنجازًا وعطاءً في أكثر من ميدان.

ولا حاجة إلى تعداد ما أنجزه هذا الرجل؛ فالأثر الذي تركه يتحدث عنه، والغرس الذي زرعه نما وكبر.

لهذا يستحق أبو الوليد أن نستذكره في ذكرى رحيله، لا لأنه بحاجة إلى من يذكّره، وإنما لأن بعض الأشخاص يصبحون جزءًا من ذاكرة الناس، ويسكنون في قلوب من عرفوهم.

كان وائل زعرب يرى الخير عبادة، ويؤمن بأن السعي في مصالح الآخرين باب من أبواب الرزق، وأن خدمة الناس طريق ترتقي به الروح. وكان يرى إغاثة الملهوف سلوكًا نقيًا، ومشاركة الآخرين واجبًا ومسؤولية وخلقًا.

ولهذا بكى الرجال يوم رحيله؛ في كنيسة دخول السيد إلى الهيكل للروم الأرثوذكس، وفي الصويفية، وعلى امتداد شارع المهاتما غاندي، وصولًا إلى مقبرة أم الحيران. لم تكن تلك الدموع على رجل أعمال أو شيخ لقطاع فحسب، وإنما على إنسان ترك وراءه سيرة طيبة، وقلوبًا تعرف فضله، وأيادي تشهد بعطائه.

ألف سلام على روحك الطاهرة يا أبا الوليد، وألف رحمة ومغفرة على ذكراك.

نم قرير العين؛ فالغرس الذي زرعته نما وكبر، والأبناء من بعدك حملوا الراية، ليواصلوا المسيرة، ويبقى اسمك حاضرًا فيها، كما بقيت أنت حاضرًا في قلوب من عرفوك.