سلسلة جديدة للتيار الديمقراطي لرجال من الأردن
الشيخ قويدر العبيدات
في الأردن رجالٌ لا تُقاس مكانتهم بما تركوه من مالٍ وأرض، بل بما تركوه من مروءةٍ وموقفٍ وذاكرة.
ومن هؤلاء الشيخ قويدر السليمان العبيدات، أحد أبرز وجوه حرثا ولواء بني كنانة في النصف الأول من القرن العشرين؛ شيخٌ جمع بين المكانة الاجتماعية والقدرة الاقتصادية والحضور الوطني.
لكن ثروة الشيخ لم تكن أبرز ما بقي من سيرته؛ فقد كانت الشهامة هي رأس ماله الحقيقي.
في عام 1915 شُيّدت مضافته في حرثا، فتحولت إلى أكثر من دار للضيافة؛ أصبحت عنواناً للمكانة والكرم وبيتاً مفتوحاً للزعماء والأمراء والوجهاء والمناضلين.
استضاف فيها الأمير عبدالله المؤسس في زيارات متعددة، وتروي الروايات أنه أعدّ لاستقباله طاقماً من الشام، وقدّم لضيوفه أواني ومقتنيات فاخرة، في صورة تعكس مكانته الاقتصادية والاجتماعية آنذاك.
وكان قويدر أيضاً حاضراً في الحياة الوطنية، فكان عضواً في اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الرابع عام 1931، وممثلاً لقومه في مرحلة كانت فيها الهوية الوطنية والعروبية تُصان بالفعل والموقف، لا بالشعارات وحدها.
ولعل أشهر ما بقي في الذاكرة الشعبية من مروءته قصته مع الشيخ عز الدين القسام.
تروي الرواية المتداولة أن القسام أرسل رجلاً بفرسه إلى قويدر طالباً بيعها وتأمين ثمن السلاح للمقاومة. استضاف قويدر الرجل وأكرمه، ثم أعاد الفرس إليه، وملأ «خرجها» ذهباً، وقال عبارته التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الشعبية:
«قل لعز الدين: ما عاش من يركب فرسه بعده.»
بغض النظر عن اختلاف الروايات في بعض التفاصيل، فإن مغزى القصة واضح: رجلٌ كان يرى المال وسيلةً للنجدة، لا غايةً للوجاهة، وكانت فلسطين بالنسبة إليه قضيةً تتجاوز الحدود والجغرافيا.
ولم تكن مضافة قويدر مجرد شاهد على هذه الرواية؛ فقد ارتبط اسم الرجل، وفق الذاكرة المحلية، بدعم حركات المقاومة والنضال في فلسطين وسوريا ولبنان، وبحضور اجتماعي ووطني جعل من مضافته إحدى علامات تلك المرحلة.
واليوم، لا يزال هذا المكان يستعيد روحه بفضل حفيده المهندس علاء فخري عبيدات، الذي أخذ على عاتقه ترميم دارته ومضافته والحفاظ عليها بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية والتراثية لحرثا والأردن.
كانت الجدران تقول إن المجتمع الذي بنى هذه المضافات كان يعرف معنى الضيافة، والمروءة، والتكافل، والنجدة، وأن الوطنية في ذلك الزمن لم تكن درساً نظرياً؛ كانت سلوكاً يومياً وموقفاً عند الحاجة.
في حرثا، حيث يلتقي إرث الأرض بذاكرة الرجال، بدا واضحاً أن الحفاظ على مثل هذه البيوت ليس ترميماً للحجارة فقط، بل ترميمٌ للذاكرة نفسها.
والجميل أن يقوم أحفاد الرجال الكبار بحفظ أثرهم، وأن يأتي جيلٌ شاب ليتعرف إلى هذه السيرة لا باعتبارها ماضياً منقطعاً، بل باعتبارها جزءاً من سؤال الأردن اليوم:
كيف نحافظ على أفضل ما في إرثنا، وننقله إلى المستقبل؟
رحم الله الشيخ قويدر السليمان العبيدات، ورحم رجال الأردن الذين جعلوا من الكرم موقفاً، والشهامة سلوكاً، والوطن مسؤولية.
وكل التقدير لأبناء حرثا الأحفاد الذين أدركوا أن بعض البيوت لا يجوز أن تُهدم، لأنها حين تُهدم لا نفقد حجارةً فقط... بل نفقد جزءاً من ذاكرتنا.
من هنا، من مضافة الشيخ قويدر، يحق لنا أن نفتخر بالأردن ورجاله.