ترامب يتجرع الهزيمة مرتين الحرب من أجل الانتقام
في السابع من حزيران، كتبت في عمود بعنوان «واقع الهزيمة» أن الحرب على إيران لم تكن سوى ممارسة للانتقام. فبعد نجاح عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، رأى ترامب فرصة لفعل الشيء نفسه، أو شيئًا شبيهًا به، في إيران. وبالتعاون مع إسرائيل — وربما بتحريض منها — قرر الرئيس ألا يختطف المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، بل أن يقتله مع عدد كبير من أفراد عائلته الممتدة. وفي الساعات والأيام التالية، اغتالت إسرائيل والولايات المتحدة أيضًا نحو خمسين جنرالًا وقائدًا عسكريًا ومسؤولًا رفيعًا آخر، حتى إن الرئيس ترامب أقر بأنه لم يعد يجد أحدًا يمكنه حضور مراسم الاستسلام التي كان يتوقعها.
ولا يزال الهدف الاستراتيجي غير واضح، بدءا من عمليات الاغتيال وغيرها من أعمال العنف التي أُنزِلت بإيران — بما فيها قصف مدرسة ميناب الابتدائية، الذي أودى بحياة نحو 120 طفلًا و35 معلمًا، وانتهاء بمقتل 66 شخصًا مؤخرًا في حفل زفاف. فإيران لم تكن تشكل تهديدًا للولايات المتحدة في أي وقت. وقد أثبت جيشها محدودية فاعليته في حرب طويلة مع العراق (1980–1988)، ولم يتغير الكثير منذ ذلك الحين. بل إن التراجع المتزايد في الشرعية الشعبية للنظام الإيراني أضعف، على الأرجح، قدرته على تجنيد قواته العسكرية وتحفيزها. أما البرنامج النووي الإيراني، الذي ظل خاملًا بعد الاتفاق غير الرسمي الذي أُبرم مع الرئيس أوباما، فقد أُعيد تنشيطه عقب إلغاء ترامب الاتفاق عام 2017. غير أن القصف الأميركي–الإسرائيلي المشترك للمنشآت النووية الإيرانية خلال حرب حزيران 2025 أعاق أي تقدم كانت البلاد قد أحرزته في تطوير سلاح نووي.
وهكذا خلصتُ في حزيران إلى أن التفسير الوحيد لتصرفات ترامب المتهورة في إيران هو الانتقام — لا ردًا على أذى حديث لحق به، بل ثأرًا لما اعتبره إذلالًا للحكومة الأميركية وللمواطنين الأميركيين، بمن فيهم هو نفسه، أثناء أزمة الرهائن عام 1979 وبعدها. ففي ذلك الوقت احتجزت مجموعة من الطلاب الإيرانيين، ردًا على دعم الولايات المتحدة للشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، 66 أميركيًا رهائن، انخفض عددهم لاحقًا إلى 52، بينهم دبلوماسيون وموظفون مدنيون آخرون، في السفارة الأميركية بطهران. وكانوا يطالبون بتسليم الشاه المخلوع والفاقد للشرعية كي يُحاكم على الجرائم التي ارتُكبت خلال ديكتاتوريته الطويلة (1941–1979). وبالطبع رُفض الإنذار؛ فلا قوة إمبراطورية حديثة تسمح لدولة أضعف تقع على الأطراف بأن تملي عليها ما تفعله. فما جدوى الهيمنة الرأسمالية إن لم تمنح صاحبها حرية الاستيلاء والاستغلال واحتكار العنف؟
انتهت الأزمة فور أداء الرئيس الجديد رونالد ريغان اليمين الدستورية في 21 كانون الثاني 1981. وكان هناك حديث عن صفقة لا بد أنها عُقدت بين حملة ريغان والقيادة السياسية الإيرانية لإبقاء الرهائن محتجزين إلى ما بعد الانتخابات، بهدف إضعاف كارتر وضمان انتصار الجمهوريين. وقد أثبتت معلومات ظهرت لاحقًا — ومنها ما عُرف بـ«كشوفات بن بارنز» — صحة هذه النظرية. فقد وعد ريغان الإيرانيين بصفقة أفضل من صفقة كارتر إذا وافقوا على إبقاء الرهائن حتى يتولى منصبه.
وعلى الرغم من ازدواجية ريغان وفريقه، فقد عدّ ترامب، شأنه شأن كثيرين غيره من جمهوريين وديمقراطيين ومحافظين وليبراليين، الثورة الإيرانية وما أعقبها من أزمة الرهائن إذلالًا. فقد استطاعت حفنة من رجال الدين ومجموعة غير متجانسة من الطلاب الإسلاميين أن تتحدى القوة الأميركية — بما في ذلك سيطرتها على أسعار النفط العالمية. وفي عام 1980، كان ترامب رجل أعمال طموحًا في العقارات يبلغ الرابعة والثلاثين عندما أجرت معه كاتبة أخبار المشاهير التلفزيونية رونا باريت مقابلة انتقد فيها الرئيس كارتر لعدم تدخله عسكريًا في إيران. ووصف احتجاز الرهائن بأنه «سخيف تمامًا وبكل معنى الكلمة... ورعب»، فضلًا عن كونه إهانة لا يمكن لأي دولة أخرى أن تقبل بها. وبعد أربعين عامًا، وعقب إصداره أمر اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، تعهد الرئيس ترامب — في صعود إلى الرئاسة لم تكن حتى الصحفية المولعة بالخيال تتصوره — بقصف 52 موقعًا إيرانيًا، موقعًا عن كل رهينة احتُجز قبل أربعين عامًا، إذا تجرأت إيران على الرد.
وكثيرًا ما كرر ترامب صيغًا مختلفة من العبارة المبتذلة القائلة إن «الانتقام طبق يُفضّل أن يُقدَّم باردًا»، وإن كانت أطباقه هو دافئة على الأقل. وتشمل ثاراته المدعية العامة لولاية نيويورك ليتيتيا جيمس، والمستشار الخاص جاك سميث، وبالطبع مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي. وهناك عشرات آخرون، وربما مئات؛ بل ملايين إذا احتسبنا الأضرار الجانبية: سكان المدن الذين أضرت بهم تخفيضات الموازنات المخصصة للمدن الديمقراطية؛ والطلاب الذين تضرروا من الهجمات على الجامعات؛ وسكان الأرياف والشعوب الأصلية الذين أمرضهم التلوث الناجم عن التعدين والحفر وتلوث الهواء والمياه الذي تُرك بلا ضوابط. بل يمكن القول، كما قال جمال بوي وكما قلتُ أنا أيضًا، إن علة وجود ترامب نفسها هي الاقتصاص من الأفراد والمؤسسات، بل ومن العالم كله، بسبب الإهانات والأذى اللذين تعرض لهما طوال حياته.
لكن، ولشدة إحباط ترامب، حُرم إلى حد كبير من الانتقام الذي سعى إليه في إيران. فقد تجاهل التحذيرات من أن البلاد قادرة على الرد على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة — وكثير منهم يستضيف قواعد عسكرية أميركية — فضلًا عن قدرتها على وقف تدفق النفط وغيره من السلع عبر مضيق هرمز، ومضى في الهجوم رغم ذلك. وبحلول توقف الأعمال القتالية المفتوحة في تموز 2026 — مؤقتًا كما اتضح لاحقًا — كان جليًا أن ترامب خسر المواجهة. فجميع أهداف حربه، على ما شابها من ارتباك وتبدل، لم تتحقق: بقي النظام قائمًا، بل ازداد قوة من بعض الوجوه؛ واحتفظت إيران بمعظم صواريخها الباليستية؛ وظلت قدراتها النووية على حالها؛ واكتسبت البلاد الآن القدرة على خنق التجارة المارة عبر مضيق هرمز الحيوي.
وفوق ذلك، وجد الجيش الأميركي نفسه في موقف دفاعي على الصعيد العالمي، إذ لم يعد يمتلك ما يكفي من الصواريخ الباليستية وصواريخ باتريوت ليهاجم ويدافع عن نفسه بفاعلية في حال اندلاع حرب في مكان آخر، ناهيك عن الشرق الأوسط نفسه. ومن ثم، لم يكن اتفاق السلام مع إيران الذي وقعه ترامب في قصر فرساي — حيث استسلمت قوى الوفاق بقيادة ألمانيا عام 1918 — أقل من استسلام، وقد فهمه على هذا النحو جانب كبير من الصحافة والطبقات السياسية والجمهور في أنحاء العالم. لقد تعرض ترامب للإذلال، واهتز النظام الرأسمالي العالمي.
والآن، بعد استئناف إطلاق النار، وإن بمستوى أقل، يجسد ترامب التعريف الشائع للجنون: أن تفعل الشيء نفسه مرة أخرى وتتوقع نتائج مختلفة. وتشير التقارير إلى أن إيران، إن كان ثمة تغير، أصبحت اليوم أكثر استعدادًا لخوض حرب طويلة وأكثر ثقة بتحقيق نتيجة مواتية مما كانت عليه قبل ستة أشهر عندما هاجمتها الولايات المتحدة وإسرائيل أول مرة. وإذا كان ترامب ينتظر رؤية إيران في مراسم استسلام، فسينتظر طويلًا. والسيناريو الأرجح هو هزيمة ثانية لترامب. وربما يكون الرئيس الفرنسي ماكرون قد بدأ بالفعل يحجز في فرساي.
ويطرح ذلك كله سؤالًا تاريخيًا ونفسيًا: لماذا يسلك رئيس، أو أي حاكم، طريقًا كارثيًا إلى درجة تجعله يخسر الحرب لا مرة واحدة، بل مرتين؟ وما عواقب مصير كهذا؟ يتبين أن قادة الدول الكبرى والإمبراطوريات كثيرًا ما يعانون نوعًا من قهر التكرار: نزوعًا إلى العودة إلى مواطن الإذلال السياسي والعسكري، وهم على يقين من أن الهزيمة الأولى لم تكن سوى حالة شاذة يستحيل أن تتكرر. وقد أطلق أحد المنظرين، ديفيد رونفيلدت، وهو محلل أمني سابق في مؤسسة راند، على ذلك اسم «عقدة الغطرسة–نيميسيس»: ميل الحكام المتغطرسين إلى تحديد أعداء لدودين كي يضخموا ذواتهم من خلال هزيمتهم؛ فإذا أخفقوا، اندفعوا إلى مهاجمتهم مرارًا بدافع الغضب والإحباط.
ويمكن تلمس هذا النمط منذ عهد الإمبراطور الروماني المقدس ماكسيميليان الأول، نحو عام 1500، في مطلع حقبة التسييج والغزو و«التراكم البدائي» الأوروبي التي سبقت نشوء الرأسمالية. والواقع أن إمبراطورية ماكسيميليان لم تحقق ما حققته من أمن واتساع جغرافي إلا عندما تمكن من السيطرة على «عقدة الغطرسة- نيميسيس» لديه. وسيكون من المفيد لترامب، وريث إمبراطورية آخذة في الانهيار، أن يتعلم درس ماكسيميليان، وإن كان ذلك احتمالًا بعيدًا.
وفي إطار ترجمتي وتحريري للمقال، رأيت أن أضع بين أيدي القرّاء الكرام توضيحا لعقدة الغطرسة هذه.
ترامب وعقدة الغطرسة–نيميسيس
يرى الكاتب ستيفن ف. آيزنمان أن سلوك ترامب، ولا سيما إصراره على مواجهة إيران رغم الإخفاق السابق، يمكن فهمه في ضوء ما يسميه ديفيد رونفيلدت «عقدة الغطرسة–نيميسيس» التي تقوم على اقتران شعور الحاكم المتضخم بقوته بحاجته إلى صنع عدو يتحدى من خلال هزيمته صورته عن ذاته؛ فإذا أخفق في ذلك، دفعه الإحباط والرغبة في الانتقام إلى تكرار المواجهة. وقد رأى رونفيلدت أن هذه السمات تنطبق على ترامب، بما فيها رفض التسوية، والحاجة إلى الولاء والاهتمام، والنزوع إلى توسيع السلطة، والنظر إلى الخصوم بوصفهم أهدافًا ينبغي إخضاعها.
غير أنّ الكاتب يحذر من اختزال المشكلة في شخصية ترامب واضطراباته النفسية. فترامب يمثل صورة أكثر تطرفًا لسياسة أميركية أوسع سعت، في ظل إدارات ديمقراطية وجمهورية سابقة، إلى الحفاظ على الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية للولايات المتحدة ومعاقبة الدول التي تتحدى «النظام القائم على القواعد» الذي تقوده. ومن ثم، فإن الخطر لا يكمن في ترامب وحده، بل في استمرار منطق الهيمنة نفسه. ولهذا ينتهي الكاتب إلى أن الولايات المتحدة، ما لم تتخلص من إدمانها الهيمنة، ستظل تجلب على نفسها عواقب سياساتها؛ أي إنها، بالمعنى الذي يحمله مفهوم «نيميسيس» تقاصص نفسها بنفسها.