موانئ وعملات مشفرة وشبكات معقدة.. كيف يمول الحوثيون ترسانتهم؟
يضع التوسُّع السريع لميليشيا الحوثي على ساحل البحر الأحمر واقترابهم من مضيق باب المندب شبكتهم المالية المعقدة تحت مزيد من التدقيق الأمريكي، في ظل اعتماد الميليشيا على إيرادات الموانئ والجمارك والنفط وشبكات مالية غير رسمية، إلى جانب دعم إيراني وعلاقات متنامية مع روسيا والصين.
فقد سيطرت الميليشيا على مناطق جديدة على ساحل البحر الأحمر، بما في ذلك مدينة المخا، وتقدّمت باتجاه مضيق باب المندب الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة البحرية العالمية وشحنات الطاقة.
وتسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد إلى تكثيف جهودها لقطع مصادر التمويل التي تدعم إيران ووكلاءها، بينما بنى الحوثيون شبكة واسعة للالتفاف على العقوبات، مستفيدين من سيطرتهم على الموانئ وطرق التجارة وملايين اليمنيين.
وهذا يطرح سؤالاً صعباً أمام وزارة الخزانة: كيف يمكن تعطيل التمويل الذي يغذي الجماعة من دون المساس بتدفق الغذاء والوقود والاحتياجات الأساسية للمدنيين؟
يقول آدم روسيل، مؤسس شركة بين السطور للأبحاث، لشبكة "فوكس نيوز"، إن الحوثيين يديرون شبكة مالية تتجاوز اليمن بكثير. ففي تحقيق أجراه عام 2025 لصالح الشبكة العالمية المعنية بالتطرف والتكنولوجيا، تتبع نظاماً مالياً يمتد عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الجماعة، والرسوم الجمركية، والنفط الإيراني، وشبكات الحوالة، ومنصات العملات المشفرة، ووسطاء في روسيا وتركيا وجنوب شرق آسيا.
لطالما شكّلت الموانئ مصدراً رئيسياً لإيرادات الحوثيين نظراً لاعتماد اليمن الكبير على الواردات. ويشير تقرير GNET إلى أن الميليشيا تفرض رسوماً مرتفعة على الموانئ التي تديرها، إضافة إلى تعريفات جمركية على البضائع القادمة من موانئ منافسة. وقد تعزّز المكاسب الإقليمية الأخيرة هذه القاعدة الاقتصادية أكثر.
أمام لجنة الشؤون الخارجية الكونغرس، قالت الخبيرة اليمنية ندوى الدوسري إن السيطرة على الأرض هي أساس قدرة الحوثيين على الصمود.
وأوضحت أن الميليشيا استطاعت ترسيخ سلطتها وبناء قدرات عسكرية متطورة لأنها تسيطر على مساحة واسعة من الأراضي وعدد كبير من السكان والموانئ والبنية التحتية والموارد، ما يتيح لها التجنيد وتوليد الإيرادات وتصنيع الأسلحة وتخزينها والتحكم بطرق التهريب وتجديد قدراتها بعد الغارات والعقوبات.
وأشار روسيل إلى أن تمويل الحوثيين لا يقتصر على تحويلات مالية من إيران، بل إن الميليشيا جزء من منظومة تجارية إيرانية أوسع.
ويقول الباحث مياد مالكي إن الحوثيين "متأقلمون مع العقوبات"وإن معظم أموالهم تُجنى داخل اليمن من الجمارك والضرائب والوقود.
في قلب هذه الشبكة يقف سعيد الجمال، الذي تصفه وزارة الخزانة بأنه المسؤول المالي للميليشيا والمدعوم من إيران، يدير شبكة دولية تبيع السلع الإيرانية وتحوّل عائداتها إلى الحوثيين.
وفي أبريل 2025، أعلنت الوزارة أن شبكته حصلت على أسلحة وسلع حساسة من روسيا بقيمة عشرات الملايين، وحددت ثماني محافظ رقمية يستخدمها الحوثيون.
وتشير تحليلات البلوك تشين إلى تدفقات مالية تقارب 900 مليون دولار عبر تلك المحافظ، لكن روسيل يحذّر من اعتبار هذا الرقم صورة كاملة، مؤكداً أن الشبكة مرنة ويصعب قياسها بدقة، وأن الدور الروسي فيها يتزايد.
كما تشير شهادة الدوسري إلى توسع علاقات الحوثيين خارج إيران، خصوصاً مع روسيا والصين. وتذكر تقارير أن روسيا قدمت بيانات استهداف دعمت هجمات الميليشيا على السفن الغربية، وأن منتجات بترولية روسية نُقلت إلى ناقلة نفط تابعة للحوثيين قبل وصولها إلى ميناء رأس عيسى. أما العلاقة مع الصين فمعقدة، إذ تظهر جهات تجارية خاصة مرتبطة بالصين في أجزاء من الشبكة، من دون إثبات تورط حكومي مباشر.
وتقول الدوسري إن شركة أقمار صناعية صينية قدمت صوراً دعمت هجمات الحوثيين، وإن 60% من مكونات طائرة "قاصف-2K " جاءت من الصين مقابل 15% من إيران.
تختبر هذه الشبكة جهود وزير الخزانة سكوت بيسنت لعزل إيران وتعطيل القنوات المالية التي تدعم وكلاءها.
ويقول روسيل إن الشبكات اللامركزية تمثل تحدياً كبيراً: "إذا أغلقت واحدة، تظهر أخرى".
ويرى مالكي أن واشنطن يجب أن تركز على نقاط التماس بين أموال الحوثيين والنظام المالي الرسمي.
لكن الضغط المالي يواجه معضلة إنسانية، فاليمن من أكثر البيئات هشاشة، والحوثيون يسيطرون على الموانئ التي يعتمد عليها المدنيون للحصول على الغذاء والوقود والسلع الأساسية.