24 مليوناً… للعدّ أم لبناء المستقبل.

يتابع الأردنيون ما يجري حول التعداد السكاني المقرر مطلع الشهر المقبل، وما رافقه من جدل حول آلية تنفيذه، خصوصاً بعد التصريحات الصادرة عن مدير عام دائرة الإحصاءات العامة، وهي شخصية نحترمها ونقدّر خبرتها ومسيرتها المهنية.
لكن يبدو أننا انشغلنا بالجدل حول كيف سنعدّ الناس، ونسينا أن نسأل سؤالاً أكثر أهمية:

لماذا ما زلنا بحاجة إلى أن نبدأ من جديد كلما أردنا معرفة واقع مجتمعنا؟
لنرجع إلى الوراء قليلاً.
لو أننا منذ التعداد السابق وجّهنا جزءاً من الجهد والإنفاق نحو إنشاء قاعدة بيانات حكومية وطنية مترابطة، بدلاً من الاكتفاء بجمع الأرقام لمرحلة زمنية محددة، لكان لدينا اليوم نظام معلومات يتحدث باستمرار.
ونحن لا نبدأ من الصفر أصلاً.

الأحوال المدنية، والصحة، والتعليم، والضمان الاجتماعي، والعمل، والبلديات وغيرها، تمتلك كميات هائلة من المعلومات ، المشكلة أن هذه البيانات بقيت في معظم الأحيان موزعة بين المؤسسات، بينما المطلوب هو ربطها وفق منظومة وطنية آمنة، وتحديثها باستمرار، وبصلاحيات واضحة تحمي خصوصية المواطن.
عندها لا تصبح المسألة مجرد معرفة عدد السكان، بل معرفة أين يزدادون، وما أعمارهم، وأين نحتاج إلى مدرسة أو مستشفى أو مركز صحي أو طريق أو خدمة جديدة.
وهذا هو الفرق بين إدارة تعتمد على أرقام تُجمع بين فترة وأخرى، ودولة تمتلك معلومة حية تساعدها على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

والسؤال هنا ليس موجهاً إلى دائرة الإحصاءات وحدها، بل إلى الحكومات المتعاقبة:
ماذا فعلنا طوال السنوات الماضية لبناء هذه المنظومة؟
لدينا بنية تحتية، ولدينا خبرات، ولدينا شباب قادرون على تنفيذ مشاريع تقنية وطنية بمستويات عالية ، كما أن التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية حظيا باهتمام واضح من جلالة الملك عبدالله الثاني، ويتعزز هذا التوجه باهتمام سمو ولي العهد بالتكنولوجيا والمستقبل.
إذن، أين التعثر؟
في تقديري، لا تكمن المشكلة في غياب التكنولوجيا بقدر ما تكمن في غياب الاستمرارية والقرار التنفيذي الواضح، وكثرة الدوران حول المشاريع بدلاً من إنجازها، وضعف المتابعة والمساءلة.
نحن بارعون أحياناً في تشكيل اللجان، وإقامة المؤتمرات، وإطلاق المبادرات، وإعادة تسمية المشاريع… لكن المواطن في النهاية يريد أن يرى نتيجة ملموسة.

ولذلك، فإن إنفاق نحو 24 مليون دينار على التعداد يجب ألا ينتهي بإعلان رقم جديد للسكان ثم نغلق الملف.
بل يجب أن يكون فرصة لطرح مشروع وطني أكبر:
قاعدة بيانات حكومية متكاملة، تُحدّث باستمرار، وتخدم الإحصاء والتخطيط والاقتصاد والخدمات، وتختصر على الدولة والمواطن الكثير من الوقت والجهد والمال.
وهنا نصل إلى ثروة أخرى لا تقل أهمية عن البيانات:

الشباب الأردني المؤهل.
كم من كفاءة غادرت الأردن لأنها لم تجد الفرصة التي تستحقها؟ وكم من مشروع كان يمكن أن يُبنى بأيادٍ أردنية لو وجد القرار الصحيح والبيئة المناسبة؟
لا تجبروا شبابنا على الرحيل، ثم نبحث عن خبرات من الخارج لبناء ما كان بإمكانهم بناؤه هنا.
التعداد القادم ليس مجرد عملية إحصائية.
إنه فرصة لنسأل أنفسنا بصراحة:
هل نريد دولة تعدّ سكانها كل عدة سنوات، أم دولة تعرف واقعها وتخطط لمستقبلها كل يوم؟
القرار في النهاية سياسي وإداري قبل أن يكون تقنياً.
فالمشكلة ليست أن الأردن لا يملك التكنولوجيا… المشكلة أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع دولة حديثة ما لم يصاحبها قرار، واستراتيجية، ومتابعة، ومساءلة.