إيران... فوضى عارمة تجتاح البلاد وقوات التدخل السريع تحاصر محطات الوقود

بدأ في إيران اليوم الثلاثاء تطبيق السعر الجديد للبنزين على المستهلكين الذين يتجاوز استهلاكهم 110 لترات شهريًا، لترتفع الشريحة الثالثة إلى 100 ألف ريال للتر، وسط تضخم مرتفع، وتراجع حاد في قيمة الريال، وضغط متزايد على إيرادات النفط.

وأبقت الحكومة الإيرانية الحصتين الأولى والثانية عند 60 لترًا بسعر 15 ألف ريال و50 لترًا بسعر 30 ألفًا.

وتزامن القرار مع احتجاجات نفذها موظفون في شركة "بارس للنفط والغاز" في عسلوية وعدد من المنصات البحرية في 7 أيلول/سبتمبر، مطالبين بإلغاء سقف الرواتب، وتعديل نظام الضرائب والتعويضات للعاملين في المناطق التشغيلية، حيث جاءت التحركات ضمن سلسلة احتجاجات أسبوعية للعاملين في القطاع.

جبهة معيشية جديدة
وقال مصدر إيراني معارض لـ"إرم نيوز" إن التعامل مع رفع سعر البنزين انتقل منذ الساعات الأولى للتطبيق من الملف الاقتصادي إلى المتابعة الأمنية، مع رفع جاهزية وحدات من قوات إنفاذ القانون والباسيج في طهران وكرج وأصفهان والأهواز وشيراز ومشهد، وتركيز الانتشار حول محطات الوقود والساحات الرئيسية ومداخل المناطق الصناعية.

وأضاف أن التعليمات الحالية تقوم على إبقاء الوجود الأمني منخفض الظهور في المرحلة الأولى، مع الاحتفاظ بقوات تدخل سريعة قرب النقاط التي شهدت احتجاجات واسعة خلال انتفاضة تشرين الثاني/نوفمبر 2019.

وكشف المصدر أن استخبارات الحرس الثوري وأجهزة الأمن الداخلي بدأت، وفق تسريبات حكومية، تنفيذ متابعة أكثر كثافة للحسابات والقنوات التي تنشر دعوات للتجمع أو تربط بين أزمة الوقود واحتجاجات العاملين في قطاع النفط، خصوصًا في خوزستان وبوشهر وطهران.


وأوضح أن الاهتمام الأمني يتركز على منع اتصال التحركات المعيشية باحتجاجات العمال في عسلوية والمنشآت البحرية، لأن الأجهزة تعتبر انتقال الاحتجاج من مطلب اقتصادي محدود إلى تحرك بين قطاعات متعددة السيناريو الأكثر حساسية خلال الأيام المقبلة.

وأفاد بأن الدائرة الضيقة المحيطة بالرئاسة ومجلس الأمن القومي الأعلى تتعامل مع الأيام الأولى بعد رفع السعر بمثابة مرحلة مراقبة لرد الفعل الشعبي قبل اتخاذ أي خطوة إضافية في ملف الدعم.

وأشار إلى أن التوجيه الحالي يستبعد توسيع الزيادة إلى الشرائح المدعومة ما دام مستوى التوتر الاجتماعي مرتفعًا.

وذكر أن أجهزة الأمن طلبت إبقاء وحدات من الباسيج وقوات مكافحة الشغب في حالة استعداد في المدن التي سجلت أعلى مستويات احتجاج العام 2019، مع أولوية خاصة للأهواز وكرج وأصفهان وضواحي طهران.

ويكشف توقيت القرار أن النظام الإيراني يحاول تقليص كلفة الدعم في وقت تتراجع فيه موارده النفطية، مع تجنب صدمة سعرية واسعة.


ويعني حصر الزيادة بالشريحة الثالثة أن الحكومة بدأت بنقل جزء من العبء المالي إلى المستهلك من أضيق نقطة اجتماعية ممكنة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام تعديلات لاحقة إذا استمرت أزمة الإيرادات والوقود.

وتتضاعف حساسية الخطوة لأن الاستهلاك المحلي وصل مؤخرًا إلى نحو 145 مليون لتر يوميًا، متجاوزًا القدرة المحلية على الإنتاج، فيما تقلصت صادرات الخام بشدة خلال آب/أغسطس تحت ضغط الحرب والعقوبات والحصار البحري.

وبلغ متوسط تحميلات الخام نحو 287 ألف برميل يوميًا حتى 21 آب/أغسطس، مقارنة بنحو مليوني برميل قبل الحرب.

قطاع النفط يدخل دائرة الضغط
ويضيف اجتماع أزمة البنزين مع احتجاجات قطاع النفط عنصرًا أكثر خطورة على النظام، لأن الضغوط وصلت إلى العاملين في المجال الذي تعتمد عليه الدولة في تأمين العملات الصعبة وتمويل جزء كبير من إنفاقها.

ويؤدي استمرار الخلاف على الرواتب والتعويضات في منشآت حساسة إلى ربط الأزمة المعيشية مباشرة بالبنية التي يحتاجها النظام للحفاظ على تدفق موارده.

كما أن الاحتجاجات الحالية تختلف في أثرها السياسي عن تحركات معيشية متفرقة، لأنها تحدث أثناء استمرار الإنتاج في بيئة حرب وضغط اقتصادي شديد.

وتصبح قدرة السلطة على مطالبة هؤلاء العاملين بتحمل خسائر القوة الشرائية أضعف كلما اتسعت الفجوة بين الإيرادات المتراجعة وكلفة تشغيل القطاع والالتزامات المالية تجاه موظفيه.


ويرى الباحث في الشأن الإيراني نادر صادقي أن احتجاجات العاملين في النفط تحمل حساسية خاصة للنظام بسبب موقع هذا القطاع في بنية التمويل والاقتصاد، مشيرًا إلى أن استمرار المطالب داخل المنشآت البحرية وعسلوية يكشف انتقال الضغوط من الشارع إلى مؤسسات إنتاجية استراتيجية.

ويقدّر صادقي، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن رفع سعر الشريحة الثالثة يمثل بداية إعادة صياغة تدريجية لنظام الدعم، خاصة مع ارتفاع الاستهلاك وتزايد الحاجة إلى الاستيراد وتراجع الإيرادات النفطية.

ويعتبر أن الحكومة اختارت مسارًا محدودًا لتقليل احتمالات رد الفعل المباشر، مع بقاء المشكلة الأصلية قائمة في التضخم وتراجع الدخل الحقيقي للأسر.

ويضيف أن استمرار الاحتجاجات بين عمال النفط بالتزامن مع رفع أسعار الوقود يضع النظام أمام ضغط مزدوج، لأن أي توسع جديد في إجراءات التقشف سيصطدم ببيئة اجتماعية أكثر هشاشة، بينما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى زيادة كلفة الدعم على ميزانية تعاني أصلًا من تراجع الموارد.

وبذلك يصبح ملف البنزين جزءًا من أزمة أوسع تتصل بقدرة النظام على تمويل الدعم والحفاظ على استقرار قطاع الطاقة في الوقت نفسه، وسط تضخم وصل رسميًا إلى مستويات مرتفعة وتراجع الريال إلى مستويات قياسية خلال الشهر الحالي.