حُط بالخرج… الأردن والعالم بدهم خَرْج جديد!
في بلادنا، في مثل شعبي عظيم الاختراع اسمه: «حُط بالخرج».
ومعنى المثل، ببساطة أردنية لا تحتاج إلى لجنة تفسير ولا دراسة جدوى، إنك إذا واجهتك شغلة ما بدك تدخل فيها، أو موضوع مش ناقصك وجع راسه، أو مشكلة ما عندك إلها جواب… حطّها بالخرج وكمّل طريقك!
والخرج، بالمناسبة، هو الكيس الكبير اللي كان ينحط على ظهر الدابة، ويتعبّى بكل ما يلزم للمشوار.
لكن يبدو أن هذا المثل تطوّر مع الزمن.
فالخرج زمان كان يشيل أغراض المسافر…
أما خَرْجنا اليوم، فصار مطلوب منه يشيل أزمات بلد، وأزمات إقليم، وأزمات عالم!
وهون، بصراحة، لازم نوقف شوي.
لأنه الخرج له طاقة استيعابية.
وإذا ظلينا كل يوم نقول «حُط بالخرج»، مش بعيد يطلع لنا الخرج آخر النهار ويقول:
«يا جماعة الخير… أنا خرج مش مستودع استراتيجي!»
القصة مش بس بالأحداث اللي حولنا.
القصة بطريقة تعاملنا معها.
كل يوم خبر جديد.
كل يوم أزمة جديدة.
كل يوم تصريح.
كل يوم قرار.
وكل يوم موضوع جديد بنحتاج نفهمه، ونناقشه، ونسأل عنه، ونفهم إلى أين نحن ذاهبون.
لكن بدل ما نفتحه ونحكي فيه، مرات بنعمل أسهل شيء:
حُط بالخرج.
وهكذا أصبح الخرج عند البعض أشبه بمستودع وطني للأشياء المؤجلة.
المشكلة اللي ما انحلت؟
بالخرج.
القرار اللي أثار أسئلة؟
بالخرج.
الخطأ اللي تكرر أكثر من مرة؟
بالخرج.
الملاحظة اللي ما عجبت المسؤول؟
بالخرج.
والسؤال اللي وجع الرأس أكثر من اللازم؟
بالخرج… وبعدين بنشوف!
بس يا جماعة…
«بعدين» هاي صارت أطول من عمر بعض الملفات!
والمشكلة أن الملفات ما بتموت إذا حطيناها بالخرج.
هي فقط بتتراكم.
والتراكم أخطر من المشكلة نفسها.
لأنك ممكن تتجاهل سؤالاً اليوم، لكن غداً يصبح عشرة أسئلة.
وتؤجل معالجة خطأ صغير، فيكبر.
وتترك قضية معلقة، فتتحول مع الوقت إلى أزمة ثقة.
وهذا الكلام لا ينطبق علينا وحدنا.
شوفوا المنطقة.
وشوفوا العالم.
الأحداث صارت تمشي بسرعة جنونية، والسياسة الدولية لم تعد تنتظر أحداً.
تحالفات بتتغير.
اقتصادات بتتبدل.
حروب وصراعات بتظهر وتختفي.
تكنولوجيا وذكاء اصطناعي داخلين بكل تفاصيل حياتنا.
ودول بتعيد حساباتها كل يوم.
والسؤال الطبيعي:
إحنا شو بنعمل بكل هذا؟
هل عندنا مكان في الخرج لكل هذه الأحداث؟
وإذا كان عندنا…
مين شايل الخرج؟
الأردني بطبيعته صبور، وبعرف يتجاوز كثير من الأمور، وعنده قدرة عجيبة على التكيف مع الظروف.
لكن الصبر لا يعني أن يتحول كل شيء إلى «عادي».
والتجاوز لا يعني أن ندفن الأسئلة.
والهدوء لا يعني أن لا نسأل.
والحفاظ على الاستقرار لا يعني أن نغلق باب النقاش.
بالعكس.
أحياناً، النقاش الصريح هو الذي يحمي الاستقرار.
والمشكلة ليست أن نقول «حُط بالخرج».
المشكلة أن يصبح الخرج هو المكان الوحيد الذي نضع فيه كل شيء لا نعرف كيف نتعامل معه.
لأن هناك فرقاً بين الحكمة والتطنيش.
في أشياء صغيرة فعلاً…
حطها بالخرج وريح راسك.
وفي أشياء أكبر من الخرج نفسه، بدها عقل، وقرار، ومسؤولية، وشفافية، وشجاعة في مواجهة الحقيقة.
مش كل ملف بدّه مؤتمر.
ومش كل مشكلة بدها لجنة.
ومش كل سؤال بدّه جواباً من سبع صفحات.
أحياناً الناس بدها فقط أن تشعر أن هناك من يسمعها، ويفهم سؤالها، ويتعامل معه بجدية.
لأن أسوأ شيء يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يشعر الناس أن كل ما يقولونه ينتهي في مكان واحد:
الخرج!
وعشان هيك، يمكن نحتاج اليوم إلى تطوير المثل الشعبي.
بدل:
«حُط بالخرج»
تصير:
«حُط بالخرج… بس افتحه كل فترة ونظّفه!»
لأنه إذا ظللنا نكب فيه كل شيء، بدون فرز ولا معالجة ولا مواجهة، سيأتي يوم لا يعود فيه الخرج قادراً على حمل المزيد.
وعندها لن يكون السؤال:
شو نحط بالخرج؟
بل:
مين بده يشيل الخرج لما يوقع؟
وبصراحة…
بعد كل ما يجري حولنا محلياً وعربياً وعالمياً، أعتقد أن خَرْجنا لم يعد يحتاج إلى المزيد من الأشياء.
خَرْجنا بحاجة إلى تفريغ.
وإذا لم يعجبك المقال، لا تزعل.
حُطّه بالخرج.
بس بالله عليك…
لا تحطّه فوق اللي موجود، لأنه الخرج خلص… على الحديدة!