أخطر ما فى الشهرة أن يظنك الناس عالمًا
ليس كل من ملأ الشاشة ملأ العقول، وليس كل من جمع الناس حوله أثَّر فيهم؛ فبينَ الشهرة والتأثير مسافة لا تقاس بعدد المتابعين، وإنما بما يبقى في المتابع والمستمع والمشاهد بعد أن ينتهي الكلام وتُغلق الشاشة.
في زمن أصبحت فيه الشهرة رقمًا، والتأثير عددًا من المتابعين، والنجاح قدرة على جذب الأنظار، اختلطت علينا المعايير، فأصبح صاحب الجمهور الكبير والمتابعين الكُثُر يسمى «مؤثرًا»، وكأن كثرة المتابعين شهادة بالعلم والنفع والأهلية، مع أن الشهرة قد تكون وسيلة للتأثير، لكنها ليست دليلًا عليه، فقد يكون الإنسان حاضرًا في ملايين الشاشات، ولا يترك في الناس إلا انفعالًا عابرًا أو حماسًا أجوف، بينما قد يعيش آخر بعيدًا عن الأضواء، ويترك علمًا أو منهجًا أو خلقًا يمتد أثره قرونًا، ومن هنا تبدأ الحاجة إلى إعادة تعريف التأثير قبل أن نبحث عن المؤثر، فإذا كانت الشهرة لا تكفي معيارًا، فما المعيار إذن؟ هنا يأتي القرآن ليعيد ترتيب سلم القيم من أساسه؛ فلا يجعل قيمة الإنسان في المال أو الجاه أو كثرة الأتباع، وإنما يقول سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ{ [الحجرات: 13]، ويقول جل شأنه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، فالقيمة في ميزان الوحي مرتبطة بالتقوى والعلم والعمل، لا بحجم الظهور ولا بكثرة التصفيق، وإذا كان العلم معيارًا، فلابد أن تكون الأهلية مقدَّمة على مجرد القدرة على الوصول إلى الناس.
ومن هنا نفهم خطورة أن تتحول المنصة إلى جواز مرور إلى كل مجال، وأن يتصدر الإنسان للكلام في الشأن العام لمجرد امتلاكه جمهورًا واسعًا، وهنا يأتي التحذير النبوي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «قبل الساعة سنون خداعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة»، قيل: وما الرويبضة؟ قال: «السفيه يتكلم في أمر العامة».
أخرجه الإمام أحمد في المسند وابن ماجه في السنن
فالمشكلة إذن ليست في أن يتكلم الإنسان، وإنما في أن يتكلم فيما لا يعلم، وأن تتحول الشهرة إلى بديل عن الأهلية، ولهذا جاء الأصل القرآني واضحًا في ضبط هذا الباب: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، فامتلاك المنصة لا يمنح صاحبها اختصاصًا في كل شيء، وكثرة المتابعين لا تحول الرأي إلى علم، والتخصص ليس تضييقًا على العقل، وإنما هو الطريق إلى الإتقان، ومن أراد أن يضيء للناس نقطة مظلمة، فعليه أن يعرف هذه النقطة قبل أن يتحدث عنها، وإذا أردنا أن نرى هذا المعنى بعيدًا عن التنظير، فلننظر إلى التاريخ، ولنسأل:
كيف بقي أثر العلماء بعد أن غابت أصواتهم؟
الإمام مالك بن أنس، المتوفى سنة 179هـ، لم يصنع أثره بكثرة الظهور، وإنما بالعلم والتأليف والتدريس، وفي مقدمة ذلك الموطأ، ثم جاء الأئمة الكرام أبو حنيفة والشافعي وأحمد، فتحولت جهودهم إلى مذاهب ومدارس وكتب وتلاميذ وأجيال، فلم يكن أثرهم لحظة عابرة، وإنما كان علمًا قابلًا للتراكم والبناء.
وإذا انتقلنا من العلوم الشرعية إلى العلوم الطبيعية، وجدنا الصورة نفسها تتكرر؛ فهذا الحسن بن الهيثم يشتغل على الإبصار والضوء والانعكاس والانكسار في كتاب «المناظر»، وينتقل أثر كتابه بالترجمة إلى البيئة العلمية الأوروبية، وهذا الخوارزمي يترك إسهامًا بارزًا في تاريخ الجبر والحساب، وهذا ابن النفيس يقدم وصفًا مهمًا للدورة الدموية الرئوية مخالفًا للتصور الطبي السائد في عصره، فالقاسم المشترك بينهم أنهم لم يكتفوا باستهلاك المعرفة، وإنما أضافوا إليها، ولم يطلبوا مجرد الانتباه، وإنما تركوا شيئًا يمكن لمن بعدهم أن يبني عليه، وهنا نصل إلى مشكلة عصرنا؛ فإذا كان أثر الحضارات قد قام على تراكم المعرفة، فماذا يحدث حين تتحول المعرفة إلى شذرات؟ معلومة من هنا، ورأي من هناك، ومقطع قصير في قضية عميقة، ثم انتقال سريع إلى قضية أخرى قبل أن تستقر الأولى، فيمتلئ الذهن بالمعلومات ولا يتكون فيه علم، وتكثر الأسماء ولا تتكون الملكة، ويعرف الإنسان شيئًا عن كل شيء، لكنه لا يعرف شيئًا معرفة تمكنه من الفهم والنقد والتمييز؛ لأن العلم لا يُبنى باللقطات المتناثرة، ولا بالريلز التي تمنحك معلومة في ثوانٍ ثم تدفعك إلى أخرى قبل أن تهضم الأولى، ولا بتكديس المعلومات في الذاكرة دون أصول تجمعها، وإنما يُبنى بالتدرج والتأصيل؛ أصلًا بعد أصل، وقاعدة بعد قاعدة، حتى يتحول العلم من معلومة عابرة إلى ملكة راسخة.
ومن هنا ينبغي أن تتغير أسئلتنا نحن أيضًا؛ فلا نسأل فقط: كم شخصًا يتابع هذا الإنسان؟
بل نسأل: ماذا فعل في الذين يتابعونه؟ هل زادهم علمًا أم زادهم ضجيجًا؟ هل صحح مفهومًا أم كرّس وهمًا؟ هل علّمهم كيف يفكرون أم لقّنهم ماذا يفكرون؟ هل ربّى طالبًا؟ هل حل مشكلة؟ هل فتح بابًا للبحث؟ هل ترك كتابًا أو مشروعًا أو فكرة يستطيع الآخرون البناء عليها؟ بل: إذا توقف الناس عن متابعة الحساب، هل تبقى الفكرة؟ وإذا غاب صاحب الصوت، هل يظل الناس قادرين على السير بما تعلموه منه، أم أنهم كانوا متعلقين بالصوت لا بالمعنى؟.
وهنا يتضح الفارق بين من يصنع حضورًا ومن يصنع أثرًا، وبين من يجذب العيون إليه ومن يفتح العيون على الحقيقة، وبين من يملأ المشهد ومن يضيف إلى الحياة، فالشهرة قد تكون وسيلة عظيمة للخير، لكنها تصبح معيارًا مضللًا حين تحل محل العلم، ويصبح إثارة الجدل بديلًا عن المعرفة، والظهور بديلًا عن الإنجاز.
ولهذا؛ فإن حاجتنا اليوم ليست إلى مزيد من الأصوات، بقدر حاجتنا إلى أصوات تعرف ماذا تقول، ولماذا تقول، وفي أي مجال يحق لها أن تتكلم، وإلى جمهور لا يسأل فقط: «من الأكثر شهرة؟»، وإنما يسأل قبل أن يمنح ثقته وانتباهه: «من الأعلم؟ من الأصدق؟ من الأقدر؟ ومن الذي سيترك في حياتي شيئًا بعد أن ينتهي كلامه؟»
وفي الأخير، لا تسأل: كم متابعًا لديه؟ ولا: كم مرة ظهر؟ ولا: كم شخصًا تحدث عنه؟
أسأل سؤالًا واحدًا يكشف كل شيء: ماذا سيبقى منه إذا انطفأت الشاشة؟
فإن بقي علم، فقد أثّر، وإن بقي وعي، فقد أثّر، وإن بقي خلق، فقد أثّر، وإن بقي إنسان أصلحه، فقد أثّر، وإن بقي جيل يبني على أثره، فقد أثّر؛ أما ما ينتهي بانتهاء المقطع، فذلك حضور عابر، لا أثر باقٍ.
فليس المؤثر الحقيقي من جعل الناس ينظرون إليه، بل من جعلهم بعده ينظرون إلى الحياة بعينٍ أبصر، وعقلٍ أعمق، وقلبٍ أصلح.
اللهم اجعل لنا أثرًا صالحًا يبقى بعدنا، وعلمًا ينفع، وكلمةً تهدي، واحفظ مصر وأهلها، وأدم عليها الأمن والأمان والاستقرار، ووفق القائمين على أمرها لكل خير، وألهمهم الرشد والسداد، وأعنهم على حمل الأمانة وأداء المسؤولية، واحفظ مؤسساتها وعلماءها ومعلميها وأبناءها، وبارك في كل جهدٍ يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يفسد، واجعل مصر بلدًا للعلم والخير والوعي والاعتدال، واحفظها وأهلها من كل سوء يا رب العالمين.