من فاتورة الكهرباء إلى تذكرة الطيران... كيف دفع الأوروبيون ثمن حرب إيران؟

بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب في المنطقة، امتدت تداعيات المواجهة إلى الحياة اليومية في أوروبا، من فواتير الكهرباء والغاز وأسعار الوقود والغذاء إلى كلفة السفر الجوي. وتكشف بيانات أوروبية ودولية، يتركز جانب كبير منها على السوق الإيطالية، كيف انتقلت الصدمة من مضيق هرمز إلى إنفاق الأسر والشركات. وأظهر تقرير نشرته صحيفة "إيل سولي 24 أوري" الاقتصادية والمالية الإيطالية، اليوم الثلاثاء، ارتفاع سعر الغاز في إيطاليا إلى 72.37 يورو لكل ميغاواط/ساعة، واقتراب سعر الكهرباء من 200 يورو، فيما تجاوز البنزين والديزل يوروين للتر.

كما امتدت الزيادات في الاسعار إلى الأسمدة والقمح ووقود الطائرات، ودفعت شركات أوروبية إلى تقليص رحلاتها. واستند التقرير إلى بيانات مكتب الدراسات التابع للصحيفة، ووزارة المشروعات والصناعة الإيطالية، والمعهد الوطني للإحصاء "إيستات"، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والمفوضية الأوروبية و"ستاندرد أند بورز غلوبال".

وبدأ انتقال تداعيات الحرب إلى أوروبا من مضيق هرمز، الذي كان يعبره نحو 20% من النفط الخام المتداول عالميا قبل اندلاع المواجهة. وأدى إغلاق الممر الاستراتيجي وقصف منشآت الطاقة في منطقة الخليج إلى اضطراب حركة الناقلات وتراجع الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، كما دفع الشركات الأوروبية إلى البحث عن موردين ومسارات بديلة. ولا تقتصر أهمية المضيق على النفط والغاز، إذ تمرّ عبره نسب كبيرة من تجارة الأسمدة والمواد المستخدمة في إنتاجها، إضافة إلى نحو 40% من واردات أوروبا من وقود الطائرات.

ومع استئناف جزء من الملاحة، تراجع خطر الانقطاع الكامل للإمدادات، لكن استمرار المواجهة أبقى علاوة المخاطر مضافة إلى تكاليف الطاقة والنقل. ومرت الأسواق الأوروبية منذ فبراير/شباط بثلاث مراحل، بدأت بقفزة حادة في الأسعار بعد الهجوم وإغلاق المضيق، ثم تراجع عقب الإعلان عن تفاهم مؤقت لوقف إطلاق النار، قبل أن تعاود الأسعار الصعود مع تعثر التهدئة وتجدد التوتر خلال الصيف.

الطاقة تشعل الفواتير
وكان ارتفاع النفط أول الآثار التي وصلت إلى المستهلكين الأوروبيين، بسبب انتقاله إلى أسعار البنزين والديزل والنقل والإنتاج. وصعد خام برنت، المعيار الرئيسي لتسعير النفط في أوروبا، من نحو 60 دولاراً للبرميل في مطلع يناير/كانون الثاني إلى أكثر من 100 دولار عقب اندلاع الحرب. وسجل الخام ذروته عند 118.35 دولاراً للبرميل في 31 مارس/آذار، بزيادة تقارب 97% عن مستواه في بداية العام. وتراجعت الأسعار بعد الإعلان عن تفاهم لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها عادت إلى الارتفاع بعد انهياره وتجدد المخاوف بشأن أمن الملاحة وإمدادات الخليج.

وبحسب أحدث بيانات مكتب الدراسات في "إيل سولي 24 أوري"، بلغ سعر برنت نحو 90.58 دولاراً للبرميل، أي أقل بنحو 28 دولاراً من ذروة مارس/آذار، لكنه ظل أعلى بنحو 50% من مستواه في بداية العام. ولم ينه تراجع النفط من ذروته آثار الزيادة السابقة، إذ انتقل جزء من التكاليف إلى أسعار الوقود ونقل البضائع والخدمات، بينما بقيت الأسواق معرضة لموجات جديدة من الارتفاع مرتبطة بمسار الحرب.
كما تعرضت سوق الغاز الأوروبية لصدمة موازية، إذ ارتفع مؤشر الغاز الأوروبي "تي تي إف" من نحو 30 يورو لكلّ ميغاواط/ساعة في بداية العام إلى أكثر من 60 يورو بعد اندلاع الحرب. وسجل المؤشر 61.35 يورو لكل ميغاواط/ساعة في 19 مارس/آذار، قبل أن يتراجع إلى أقل من 40 يورو خلال مرحلة التهدئة، ثم عاود الصعود خلال الصيف ليصل إلى نحو 66.65 يورو في أحدث بيانات الصحيفة.

وفي إيطاليا، بلغ مؤشر السوق المحلية "إم آي غاز" 72.37 يورو لكل ميغاواط/ساعة في 31 أغسطس/آب، مقابل نحو 29 يورو في مطلع يناير/كانون الثاني. ويمثل "تي تي إف" مرجعاً للسوق الأوروبية، بينما يعكس "إم آي غاز" حركة السوق الإيطالية، ولذلك تختلف الأسعار بين المؤشرين. لكن كليهما يظهر بقاء الغاز عند أكثر من ضعفي مستواه في بداية العام. ولا يتوقف أثر الغاز عند فواتير التدفئة والاستخدام المنزلي، إذ تعتمد عليه محطات توليد الكهرباء وعدد من الصناعات الأوروبية، كما يدخل في إنتاج الأسمدة النيتروجينية المستخدمة في الزراعة.

وانتقلت زيادة أسعار الغاز إلى سوق الكهرباء، ولا سيّما في البلدان التي يعتمد تسعير الطاقة فيها على تكلفة تشغيل محطات الغاز. وفي إيطاليا، وصل متوسط سعر الكهرباء الموحد إلى 198.82 يورو لكل ميغاواط/ساعة في الأول من سبتمبر/أيلول، مقابل نحو 105 يوروهات في مطلع يناير/كانون الثاني، بزيادة تقارب 90%. وشهدت السوق تقلبات حادة منذ بداية الحرب، إذ تجاوز السعر 150 يورو في مارس/آذار، ثم تحرك خلال الربيع والصيف بين أقل من 100 يورو وأكثر من 200 يورو في بعض الأيام.

وتنعكس زيادة أسعار الجملة تدريجياً على فواتير المنازل، وفقاً لطبيعة عقود المستهلكين وتدخل الحكومات والجهات التنظيمية، كما ترفع نفقات المتاجر والمطاعم والمصانع وشركات الخدمات، ولا سيّما المنشآت كثيفة الاستخدام للطاقة. ولا يدفع المستهلك تكلفة الكهرباء في فاتورته فقط، إذ تدخل الطاقة في تصنيع المنتجات وتبريدها وتخزينها ونقلها، ما يسمح بانتقال الزيادة إلى أسعار سلع وخدمات أخرى.

وظهرت آثار صعود النفط في محطات الوقود الإيطالية منذ أوائل مارس/آذار، إذ تجاوز سعر الديزل يوروين للتر واستقر فوقه لأسابيع، بينما اقترب البنزين من المستوى نفسه. وأظهرت بيانات وزارة المشروعات والصناعة الإيطالية، المحدثة في الأول من سبتمبر/أيلول، وصول متوسط سعر الديزل في محطات الخدمة الذاتية على الطرق إلى نحو 2.13 يورو للتر، فيما بلغ البنزين نحو 2.02 يورو. وكان سعر البنزين يدور قرب 1.63 يورو للتر في بداية يناير/كانون الثاني، بينما بلغ سعر الديزل نحو 1.66 يورو، ما يعني ارتفاع البنزين بنحو 39 سنتا والديزل بنحو 47 سنتاً خلال ثمانية أشهر.

وسجل الديزل ذروة اقتربت من 2.18 يورو خلال الأسابيع الأولى للحرب، ثم تراجع قبل أن يعاود الصعود خلال الصيف، كما اقترب البنزين من يوروين في الربيع، وانخفض لاحقاً إلى نحو 1.80 يورو، قبل أن يتجاوز يوروين مجدداً بنهاية أغسطس/آب. وساعد قرار الحكومة الإيطالية خفض الضرائب المفروضة على الوقود، الذي بدأ تطبيقه في مارس/آذار ثم جرى تمديده، في كبح جزء من الزيادة، لكنه لم يمنع عودة الأسعار إلى الصعود. ويزيد الوقود المرتفع تكلفة التنقل اليومي بالسيارات، كما يرفع نفقات شركات نقل البضائع وخدمات التوصيل والنقل العام، ما يوسع نطاق أثر الحرب في المستهلكين الأوروبيين.

الأسمدة تهدّد غذاء أوروبا
وامتدت أزمة الطاقة إلى سوق الأسمدة الأوروبية، ولا سيّما الأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا، لأن الغاز الطبيعي يمثل أحد أكبر عناصر تكلفة إنتاجها. وأظهرت البيانات ارتفاع أسعار الأسمدة النيتروجينية 24.8% بين فبراير/شباط ومارس/آذار، فيما زادت أسعار الفوسفات 9.4% والبوتاس 0.6%. وبحسب بوابة بيانات الأغذية الزراعية التابعة للمفوضية الأوروبية، عادت أسعار الأسمدة إلى الصعود في مارس/آذار، بعدما سجلت قفزة سابقة عقب اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا خلال 2022. وبلغ المؤشر الأحدث لأسعار الفوسفات 736 نقطة، مقابل 451 نقطة للأسمدة النيتروجينية و366 نقطة للبوتاس. ورغم انخفاضها عن ذروة 2022، بقيت المستويات أعلى كثيراً من الأسعار المسجلة بين عامَي 2019 و2021.

وقفز سعر اليوريا من نحو 435 يورو للطن في مطلع يناير/كانون الثاني إلى أكثر من 800 يورو بعد اندلاع الحرب، قبل أن يتراجع إلى 442.5 يورو في 20 أغسطس/آب. ووفقاً لأحدث تقرير للأمن الغذائي صادر عن البنك الدولي، ارتفعت أسعار اليوريا بنحو 46% على أساس شهري بسبب الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب الضغوط الأطول أجلا الناتجة من ارتفاع تكاليف الإنتاج وضيق الأسواق. ولم تأتِ الأزمة من ارتفاع أسعار الغاز وحده، إذ أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل الإمدادات من عدد من كبار المنتجين في الشرق الأوسط في موسم يرتفع فيه الطلب الزراعي الأوروبي.

صانع سياسات بالمركزي الأوروبي: حرب إيران قد تؤدي إلى استمرار التضخم
ويمرّ عبر مضيق هرمز ما بين 35% و40% من تجارة اليوريا العالمية، وبين 44% و50% من تجارة الكبريت، وبين 18% و23% من تجارة الأمونيا، ونحو 20% من تجارة الفوسفات، بحسب تقديرات مكتب الدراسات في "إيل سولي 24 أوري". وتصدر إيران نحو 5.8 ملايين طن من اليوريا، بما يعادل 11% من التجارة العالمية، فيما تصدر قطر 5.7 ملايين طن بحصة مماثلة.

وتبلغ صادرات السعودية 4.5 ملايين طن، بما يعادل 8% من السوق، مقابل 2.5 مليون طن لسلطنة عمان، و1.8 مليون طن للإمارات، و600 ألف طن للبحرين. وتوضح هذه الأرقام حجم اعتماد الأسواق الدولية، ومنها أوروبا، على الإمدادات الخارجة من منطقة الخليج. ويعني تعطلها ارتفاع أسعار الأسمدة المتاحة للمزارعين الأوروبيين، حتى في الدول التي لا تستورد مباشرة من المنتجين المتضررين، بسبب زيادة الأسعار في السوق العالمية.

وبدأ ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة يظهر في أسواق المحاصيل، إذ صعد سعر القمح من نحو 190 يورو للطن في مطلع يناير/كانون الثاني إلى 235.5 يورو في 31 أغسطس/آب، بزيادة تقارب 24%. وشهد القمح قفزة أولى بعد اندلاع الحرب إلى أكثر من 230 يورو للطن، ثم تراجع إلى مستويات تراوحت بين 200 و220 يورو، قبل أن يعاود الصعود في أغسطس/آب. وينتقل أثر الحرب إلى الغذاء الأوروبي عبر عدة قنوات، تبدأ بارتفاع سعر الغاز المستخدم في إنتاج الأسمدة، ثم زيادة تكاليف الزراعة والري والنقل والتخزين، وصولاً إلى أسعار المواد الغذائية في المتاجر.

وحذرت الصحيفة من أن استمرار ارتفاع الأسمدة قد يدفع المزارعين إلى خفض الكميات المستخدمة أو تقليص المساحات المزروعة، ما قد يؤثر في الإنتاج ويرفع أسعار الغذاء على المدى الطويل. وكانت أسواق الأسمدة قد تعرضت لصدمة كبيرة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا خلال 2022، لكن الأزمة الحالية تأتي في وقت لم تتخلص فيه الأسواق من جميع آثار الصدمات السابقة.

التضخم يرفع كلفة السفر
ودفعت صدمة الطاقة المؤسّسات الدولية إلى رفع توقعات التضخم وخفض تقديرات النمو، ما أعاد ضغوط الأسعار إلى منطقة اليورو بعد فترة من التراجع. وكانت تقديرات ديسمبر/كانون الأول 2025 تشير إلى بلوغ التضخم في منطقة اليورو 1.9% خلال 2026. وبعد اندلاع الحرب، ارتفع التقدير في السيناريو الأساسي الصادر في مارس/آذار إلى 2.6%. ويرتفع المعدل إلى 3.5% في السيناريو المعاكس وإلى 4.4% في السيناريو الأكثر حدة، وفقاً لاستمرار الحرب وحجم اضطراب إمدادات الطاقة. وقال كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي بيير أوليفييه غورينشا إن توقعات نمو الاقتصاد العالمي خفضت من 3.4% إلى 3.1%، بالتزامن مع توقع ارتفاع التضخم وتأثر القدرة الشرائية والاستهلاك.

وفي إيطاليا، أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء "إيستات" ارتفاع أسعار المستهلكين 3% على أساس سنوي في يونيو/حزيران، مدفوعة بزيادة أسعار الطاقة الخاضعة للتنظيم 9.3% والطاقة غير الخاضعة للتنظيم 12.9%. وارتفعت أسعار السلع 3.4% والخدمات 2.6%، فيما زادت أسعار المنتجات كثيرة الشراء 4.1%. وتتحمل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر من هذه الزيادات، لأن الغذاء والطاقة والنقل تستحوذ على نسبة أكبر من إنفاقها، ما يجعل قدرتها على امتصاص ارتفاع الأسعار أقل من الأسر الأعلى دخلاً.

الحرب تشعل تهافت العالم على "صفقات الغاز".. 32 مليار دولار في 6 أشهر

وامتد أثر الحرب إلى السفر الجوي، إذ كان نحو 40% من واردات أوروبا من وقود الطائرات يمر عبر مضيق هرمز قبل اندلاع المواجهة. وبلغ متوسط السعر الأسبوعي لوقود الطائرات في أوروبا 1483.95 دولاراً للطن في 17 إبريل/نيسان، بزيادة 106.5% عن مستواه قبل عام، بحسب بيانات أوردتها الصحيفة عن "ستاندرد أند بورز غلوبال". وتراجعت الأسعار بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، لكنها بقيت عرضة للتقلبات بسبب اضطراب الملاحة وعدم استقرار الإمدادات. وأعلنت شركة الطيران الألمانية "لوفتهانزا" إلغاء 20 ألف رحلة بين مايو/أيار وأكتوبر/تشرين الأول بهدف توفير الوقود، وشملت التخفيضات رحلات قصيرة، من بينها الخط الرابط بين ميونخ وفرانكفورت.

وقدرت الشركة أن إلغاء الرحلات سيوفر نحو 40 ألف طن من وقود الطائرات خلال الأشهر التالية. وفي إيطاليا، فرضت مطارات ليناتي والبندقية وبولونيا قيودا مؤقتة على عمليات التزود بالوقود خلال مارس/آذار وإبريل/نيسان، مع إعطاء الأولوية لرحلات الدولة والطوارئ.

وأظهرت بيانات إشعارات الطيران "نوتام"، المحدثة في الأول من سبتمبر/أيلول، توافر الوقود في معظم المطارات الإيطالية، مع استمرار قيود أو أعمال صيانة في عدد محدود منها. ويظهر تأثير نقص الوقود وارتفاع سعره في إلغاء بعض الرحلات وتعديل الجداول وزيادة نفقات شركات الطيران، وهي تكاليف قد تنتقل إلى أسعار التذاكر إذا طال أمد الأزمة.

وتعتمد كلفة المرحلة المقبلة، وفق الصحيفة الإيطالية، على مدة الحرب واستقرار الملاحة عبر مضيق هرمز وسرعة عودة إنتاج النفط والغاز والأسمدة. وإذا استمرت المواجهة، تشير السيناريوهات إلى تضخم أعلى ونمو أضعف ومزيد من الضغوط على إنفاق الأسر الأوروبية، بينما قد يؤدي استقرار الملاحة والإمدادات إلى تراجع تدريجي للأسعار، من دون إلغاء الزيادات التي وصلت بالفعل إلى الفواتير والمنتجات والخدمات.