خفض الفاقد.. الاستثمار الأقل تكلفة في الأمن المائي
لم يعد خفض الفاقد المائي خيارا تشغيليا لقطاع المياه، بل بات ضرورة ملحة تفرضها محدودية الموارد المائية وتنامي الطلب عليها، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على كل متر مكعب متاح لتعزيز منظومة الأمن المائي.
ويتجاوز التحدي اليوم مجرد خفض نسب الفاقد إلى تحويل هذا المسار إلى سياسة مستدامة لإدارة المياه، بحيث تشكل الكميات المستعادة من الشبكات موردا مائيا حقيقيا يرفد منظومة الأمن المائي، فيما يسهم كل استثمار في الحد من الهدر في تعظيم قيمة المياه الجديدة، ولا سيما المياه المحلاة التي ستدخل المنظومة خلال السنوات المقبلة.
وأكد خبراء في قطاع المياه أن خفض كل نقطة مئوية من الفاقد يترجم إلى توفير كميات كبيرة من المياه سنويًا، ما يجعل المياه المستعادة من الشبكات موردًا أقل كلفة وأكثر استقرارًا مقارنة بإنتاج كميات جديدة، ويضع ملف خفض الفاقد في صلب سياسات الأمن المائي، بدل أن يبقى محصورًا في الجانب الفني والتشغيلي.
ومع اقتراب تنفيذ مشروع الناقل الوطني، الذي ستدخل من خلاله مياه محلاة ذات كلفة إنتاج ونقل مرتفعة إلى الشبكات، تبرز أهمية خفض الفاقد باعتباره عاملًا أساسيًا لتعظيم العائد من المشروع وتعزيز جدواه الاقتصادية. وفي هذا السياق، يرى الخبراء أن الوصول إلى مستهدف خفض الفاقد إلى 25 % بحلول العام 2040 يتطلب الانتقال من تحقيق الانخفاض في النسب إلى ضمان استدامته، خصوصًا مع تزايد صعوبة خفض النسب المتبقية
منهجية مطلوبة
إلى ذلك، أكد مدير مركز المياه والطاقة والبيئة في الجامعة الأردنية د. دخلدون شطناوي، أن الفاقد المائي يمثل أكبر مصدر مياه غير مستثمر في الأردن، إذ إن خفضه يعني عمليا استعادة كميات من المياه دون الحاجة إلى تطوير مصادر جديدة.
وقال إن خفض 10.7 نقطة مئوية من الفاقد يعادل، وفق المعادلة التي أعلنتها وزارة المياه والري، نحو 53 مليون متر مكعب سنويا، وهي كمية تعادل نحو عشر كميات التزويد لأغراض الشرب في المملكة، مضيفا أن هذه المياه لم تتطلب حفر آبار أو بناء سدود أو الاعتماد على مصادر خارجية.
وأكد شطناوي، أستاذ هندسة الموارد المائية في الجامعة، أن الأهمية لا تكمن في حجم الانخفاض فقط، وإنما في تحققه للسنة الرابعة على التوالي، معتبرا أن ذلك يدل على وجود منهجية عمل ينبغي الحفاظ عليها.
لكنه أشار إلى أن الوصول إلى مستويات أدنى من الفاقد سيكون أكثر صعوبة، مع تراجع هامش المكاسب السهلة من ضبط الاعتداءات واستبدال العدادات وتحسين القياس والفوترة وإدارة الضغوط.
وشدد على ضرورة توفير بيانات دقيقة تفصل الفاقد الفني عن الإداري، ولكل شركة تزويد على حدة، مع وضع مستهدفات سنوية معلنة وربط تقييم الأداء بها، مبينا أن غياب تشخيص دقيق لمصادر الفاقد يصعب تحديد طبيعة المعالجة والاستثمارات المطلوبة للوصول إلى المستهدف الوطني.
ودعا شطناوي إلى أهمية أن تركز المرحلة المقبلة على استكمال تقسيم الشبكات إلى مناطق قياس منفصلة، ومراقبة التدفقات الليلية للكشف المبكر عن التسربات، إلى جانب الانتقال إلى التزويد المتصل بالتوازي مع إدارة دقيقة للضغوط، محذرا من أن التزويد المتصل دون ضبط الضغوط قد يؤدي إلى زيادة الفاقد.
وربط بين خفض الفاقد والناقل الوطني، موضحا أن دخول 300 مليون متر مكعب سنويا من المياه المحلاة إلى الشبكة، ورفع معظمها إلى المرتفعات، سيجعل كلفة المياه الجديدة مرتفعة، وبالتالي فإن استمرار الفاقد يعني فقدان مياه دفعت كلفة تحليتها ونقلها وضخها، معتبرا أن خفض الفاقد ليس برنامجا موازيا للناقل الوطني، بل شرطا أساسيا لتعزيز جدواه الاقتصادية ونجاحه.
تحديث إستراتيجية خفض الفاقد
من جانبه، أكد الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري م. إياد الدحيات، أن مواصلة خفض الفاقد إلى مستويات مقبولة، تعد ركنا أساسيا للاستفادة المثلى من مياه مشروع التحلية والناقل الوطني، مشددا على ضرورة تحويل الدروس المستفادة من البرامج والمبادرات التي أسهمت في خفض الفاقد إلى منهجية مؤسسية مستدامة، وتوظيفها في تحديث إستراتيجية خفض الفاقد 2022-2040.
وأشار إلى أهمية إعداد خطط فرعية وحزمة إجراءات لكل محافظة، نظرا لاختلاف أسباب الفاقد من منطقة إلى أخرى، مع توجيه الاستثمارات إلى المحافظات ذات الاستهلاك الأعلى، وفي مقدمتها العاصمة والزرقاء وإربد والبلقاء، ومتابعة تنفيذ هذه الخطط من قبل شركات توزيع المياه وربطها بمؤشرات أداء واضحة.
وأكد الدحيات ضرورة توفير الموازنات التشغيلية اللازمة وتطبيق سياسات الصيانة الوقائية للشبكات، خصوصا الفرعية منها والوصلات المنزلية، إلى جانب تحسين نوعية المواد المستخدمة بما يتناسب مع الضغوط العالية الناجمة عن أنماط التزويد المائي المتقطع.
ورأى أن التوسع في اعتماد الانسياب الطبيعي للتزويد، من خلال خزانات مياه مرتفعة في مناطق التوزيع، يمكن أن يسهم في تحسين إدارة الضغوط والحد من الفاقد.
وشدد على ضرورة تحديث إستراتيجية خفض الفاقد لتتضمن محورا خاصا بالأنظمة والشبكات الذكية، بما يشمل التشغيل الآلي ومراقبة الشبكات واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي لكشف التسربات والاعتداءات وتسريع أعمال الإصلاح، إلى جانب التوسع في العدادات الذكية وربطها بأنظمة التحليل والتشخيص.
تأهيل الشبكة المتقادمة
بدورها، قالت الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه م. ميسون الزعبي، إن الحد من تسرب المياه والاعتداءات على الشبكات وتحسين دقة العدادات يعني الاستفادة بصورة أفضل من المياه المنتجة أصلا، من دون الاعتماد فقط على البحث عن مصادر جديدة، ما يجعل خفض الفاقد في صميم سياسات الأمن المائي إلى جانب تنفيذ المشاريع المائية الكبرى.
وأضافت أن ذلك يحقق أيضا أثرا اقتصاديا من خلال تقليل كلف الإنتاج والضخ والنقل وتحسين كفاءة الإنفاق في القطاع، مؤكدة أن أهمية هذا التقدم تكمن في استمراريته، باعتبار أن معالجة الفاقد مسار طويل يتطلب صيانة مستمرة للشبكات، والتوسع في استخدام التكنولوجيا والعدادات الذكية، وتشديد الرقابة، وتحسين إدارة الضغط والتوزيع.
وبينت الزعبي أن مواصلة خفض الفاقد وصولا إلى المستهدف الوطني البالغ 25 % بحلول العام 2040، تتطلب توجيه الاستثمارات إلى المناطق الأعلى فاقدا استنادا إلى بيانات دقيقة، وتسريع تأهيل الشبكات المتقادمة، وتحسين إدارة الضغوط والتدفقات وكفاءة التشغيل والصيانة.
وشددت الزعبي على أهمية التوسع في العدادات الذكية وأنظمة المراقبة والتحكم الرقمية لرصد التسربات ومصادر الهدر مبكرا، إلى جانب تطوير عمليات القياس والفوترة والحد من الاستخدامات غير المشروعة والاعتداءات على الشبكات، وربط التمويل والإنفاق بنتائج واضحة وقابلة للقياس