«اضغط واشترِ»… لكن من يحمي المواطن عندما يصل الطرد؟
لم تعد التجارة الإلكترونية في الأردن ظاهرة عابرة، بل أصبحت واقعاً يومياً يدخل تقريباً كل بيت، وأصبح الهاتف في كثير من الأحيان بديلاً عن السوق والمحل.
صورة جميلة، وصف جذاب، سعر مغرٍ، وعبارة سحرية: «اطلب الآن والتوصيل لباب البيت».
يضغط المواطن زر الشراء، ويدفع، وينتظر… ثم يصل الطرد، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية!
قد يجد المنتج كما ظهر في الإعلان، وقد تكون المفاجأة أن ما وصل إلى باب منزله لا يشبه، لا شكلاً ولا جودة ولا مواصفات، ما شاهده على شاشة هاتفه.
وهنا لا بد أن نقولها بصراحة:
لسنا ضد التجارة الإلكترونية، لكننا ضد أن تتحول إلى تجارة بلا ضوابط، وبلا عنوان، وبلا مسؤولية.
هناك من يقول للمشتري: «ماذا كنت تتوقع بهذا السعر؟»
وهذه العبارة يجب أن تتوقف.
السعر المنخفض لا يعني أن المواطن اشترى حقه في الحصول على منتج مطابق للمواصفات!
من حقه أن يحصل على ما تم الإعلان عنه، ومن حقه أن يعرف هوية البائع، ومن حقه أن يعيد المنتج إذا كان مخالفاً لما تم الاتفاق عليه، ومن حقه أن يجد جهة قانونية يلجأ إليها عندما يتعرض للتضليل.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:
إذا كان صاحب المحل معروف العنوان، وتخضع تجارته للرقابة، وتترتب عليه التزامات ونفقات وضرائب ورواتب وإيجارات، فلماذا يسمح للبعض أن يمارس النشاط التجاري من خلف شاشة دون أن تكون هويته وعنوانه ومسؤوليته واضحة للمستهلك؟
لا نريد أن نضع عراقيل أمام التجارة الإلكترونية، ولا نريد قتل هذه الصناعة الوليدة، بل نريد العكس تماماً.
نريدها أن تنمو، وأن تكون منافساً حقيقياً، وأن توفر فرص عمل، وأن تخفض الأسعار، وأن تقدم للمواطن خدمة أفضل.
لكن النمو بلا تنظيم قد يتحول إلى فوضى، والفوضى في التجارة تعني في النهاية ضياع حقوق المواطن والتاجر الملتزم معاً.
والأغرب أن بعض المنتجات التي تباع عبر صفحات التواصل الاجتماعي موجودة أصلاً في محلات وشركات معروفة، وبأسعار مقاربة، وأحياناً بالسعر نفسه، مع إمكانية التوصيل إلى المنزل مجاناً.
فلماذا لا نشتري من جهة نعرفها ونستطيع العودة إليها؟
هنا يأتي دور المواطن، نعم، لكن يأتي معه دور الدولة أيضاً.
لا يمكن أن نلقي كامل المسؤولية على المواطن ونقول له: «كان عليك أن تتأكد قبل أن تشتري».
وكيف سيتأكد المواطن من منتج لا يراه إلا في صورة؟ ومن بائع لا يعرف عنه سوى رقم هاتف أو حساب على منصة اجتماعية؟
الرقابة ليست رفاهية، وحماية المستهلك ليست مجاملة.
نحن بحاجة إلى تنظيم حقيقي لهذا القطاع، وإلى معرفة من يمارس النشاط التجاري إلكترونياً، وإلزامه بإظهار بياناته، وضبط الإعلانات المضللة، ووضع آلية واضحة وسريعة للإرجاع والاستبدال والشكاوى، ومحاسبة من يثبت تعمده الغش أو التضليل.
وفي المقابل، علينا حماية التاجر الإلكتروني الملتزم أيضاً، حتى لا يدفع ثمن أخطاء غيره.
فلا يجوز أن يكون الفضاء الإلكتروني منطقة رمادية؛ منطقة يبيع فيها البعض، ويحقق الأرباح، وعندما تقع المشكلة لا يعرف المواطن إلى من يتجه.
لقد أصبحنا نتحدث كثيراً عن التحول الرقمي والاقتصاد الرقمي والخدمات الإلكترونية، وهذا أمر مهم وضروري.
لكن التحول الرقمي لا يعني فقط أن نضع الخدمة أو السلعة على شاشة الهاتف.
التحول الرقمي الحقيقي هو أن تنتقل الحقوق أيضاً إلى العالم الرقمي.
أن يعرف المواطن من يبيع له، وأن يعرف البائع أن هناك قانوناً يحاسبه، وأن تكون هناك جهة رقابية قادرة على التدخل عندما تتعرض حقوق أحد الطرفين للانتهاك.
نريد أن نصل إلى مرحلة يستطيع فيها المواطن أن يقول بثقة:
«اشتريت إلكترونياً… وأنا مطمئن».
فالتجارة الإلكترونية الناجحة لا تقاس بعدد الطلبات التي تم تسليمها، وإنما بعدد الزبائن الذين عادوا للشراء مرة أخرى.
أما أن تبيع للمواطن مرة واحدة بصورة جميلة، ثم تخسره إلى الأبد عندما يفتح الطرد…
فهذه ليست تجارة ناجحة، وإنما ربح سريع على حساب الثقة.
والثقة، عندما تضيع، لا تعيدها ألف صورة ولا مليون إعلان.