بيسنت يحذر: فوضى الين قد ترفع الفائدة الأميركية

دافع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن التدخل الأميركي الأخير لدعم الين الياباني، محذراً من أن أي اضطراب حاد في سوق العملة اليابانية قد يرتد على الولايات المتحدة برفع الفائدة من خلال سوق سندات الخزانة، ويرفع تكاليف الاقتراض على الأسر والشركات الأميركية، في وقت عاد فيه الين إلى الضعف متجاوزاً مستوى 160 يناً للدولار، ليمحو أكثر من نصف المكاسب التي حققها عقب التدخل الأميركي - الياباني المشترك أواخر يوليو/ تموز.

وقال بيسنت في رسالة إلى السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن، مؤرخة في 27 أغسطس/آب، إن اليابان تعد من كبار حائزي سندات الخزانة الأميركية، وإن "الأسواق المضطربة للين يمكن أن تؤدي إلى عمليات بيع قسرية" قد تزعزع استقرار الأسواق العالمية وتؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض للأسر والشركات في الولايات المتحدة. وحسب بلومبيرغ، يكشف موقف بيسنت أن قرار واشنطن دعم العملة اليابانية لم يكن مرتبطاً فقط برغبتها في مساعدة حليفتها على وقف تراجع الين، بل أيضاً بمخاوف أميركية من انتقال اضطرابات سوق الصرف إلى سوق الدين الأميركي. فاليابان هي أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، وأي عمليات بيع واسعة أو قسرية لهذه الأصول يمكن أن تضغط على أسعار السندات وترفع عوائدها بما يزيد كلفة الاقتراض في الاقتصاد الأميركي.

وجاءت تصريحات بيسنت في الوقت الذي بدأت فيه المكاسب التي حققها الين بعد التدخل الأميركي - الياباني بالتلاشي، فقد انخفضت العملة اليابانية بما يصل إلى 0.5% الجمعة إلى 160.16 يناً للدولار، متجاوزة المستوى النفسي والسياسي الحساس للمرة الأولى منذ عملية التدخل، في إشارة إلى أن قوة الأسواق وفروق أسعار الفائدة لا تزال تتغلب على تأثير التدخل الرسمي. وكانت الولايات المتحدة واليابان قد نفذتا في 31 يوليو/تموز أول عملية منسقة لشراء الين منذ عام 1998، بعدما اقتربت العملة اليابانية من أدنى مستوياتها في نحو أربعة عقود عند حوالي 164 يناً للدولار. وجاء التحرك بعد تدخلات يابانية منفردة خلال صيف 2024 عندما تجاوز الين أيضاً مستوى 160 يناً للدولار.

وأعلنت اليابان، الجمعة، أنها أنفقت رقماً قياسياً قدره 96.4 مليار دولار خلال الشهر الماضي لدعم الين، في مؤشر على ضخامة الموارد التي استخدمتها السلطات للدفاع عن العملة. غير أن عودة الين إلى مستوى 160 تقريباً تظهر أن التدخل، رغم تأثيره الأولي، لم يغير العوامل الأساسية التي تدفع العملة إلى الهبوط. ورفض بيسنت الكشف عن قيمة الأموال الأميركية التي استخدمت في العملية، موضحاً أن وزارة الخزانة لجأت إلى أصول بالعملات الأجنبية موجودة أصلاً في صندوق استقرار أسعار الصرف الأميركي (Exchange Stabilization Fund) للتعامل بالين. وكان قد أشار في وقت سابق من أغسطس/آب إلى أن الخزانة استخدمت اليورو في العملية.

وأكد الوزير أن وزارة الخزانة تصرفت وفق القانون المنظم لصندوق استقرار أسعار الصرف، الذي يمنح وزير الخزانة، بموافقة الرئيس، صلاحية التعامل في أسواق العملات الأجنبية دعماً لاتفاقات الصرف المنظمة. وفي رده على استفسارات وارن، شدد بيسنت أيضاً على أن التدخل لم يكن قرضاً لليابان، قائلاً إن "أي ائتمان لم يُمدد إلى اليابان"، وإن اليابان لا تدين للخزانة الأميركية بأي أموال، وبالتالي لا توجد مخاطر مرتبطة بعدم سداد دين غير موجود. لكن عودة الين إلى ما فوق 160 يناً للدولار أعادت المخاوف بشأن احتمال تدخل جديد. وقال أليكس كوهين، استراتيجي العملات الأجنبية في بنك أوف أميركا (Bank of America)، إن بلوغ الين مستوى 160 سيؤدي حتماً إلى زيادة توقعات التدخل، لكنه أشار إلى أن السلطات قد تكون أكثر صبراً في الوقت الحالي، لأن التحرك الحالي للعملة مرتبط إلى حد كبير بقوة الدولار وفروق أسعار الفائدة الأميركية.

ويحمل مستوى 160 أهمية خاصة للسلطات اليابانية والأسواق، بعدما أصبح في السنوات الأخيرة عتبة مرتبطة باحتمال تدخل طوكيو. وقال ماساهيكو لو، كبير استراتيجيي الدخل الثابت في شركة ستيت ستريت إنفستمنت مانجمنت (State Street Investment Management)، إن مستويات 160 لم تعد مجرد مستوى للتقييم، بل أصبحت "مستوى للسياسة"، مضيفاً أن واشنطن وطوكيو وضعتا فعلياً خطاً سياسياً عند مستويات منتصف الـ160 يناً للدولار.

ولا يستبعد لو جولة جديدة من التدخل قبل رفع محتمل لأسعار الفائدة من جانب بنك اليابان (Bank of Japan)، ربما في سبتمبر/أيلول، في محاولة للجمع بين أدوات السياسة النقدية والتدخل في سوق الصرف لوقف تراجع العملة. وتشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال يقارب 80% لرفع بنك اليابان أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، في حين يتوقع المستثمرون أيضاً احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة مرة أخرى خلال العام. ويعني ذلك أن الفارق الكبير في العوائد بين البلدين سيظل أحد أبرز مصادر الضغط على الين، ويجعل مهمة السلطات اليابانية في الدفاع عن العملة أكثر صعوبة.

وزاد الضغط على الين الجمعة بعد أن تلقى الدولار دعماً من تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، الذي تعهد بإعادة التضخم إلى هدف البنك المركزي، ما عزز رهانات المستثمرين على استمرار أسعار الفائدة الأميركية المرتفعة. وتشكل فجوة الفائدة أحد المحركات الرئيسية لتدفقات رؤوس الأموال، إذ تدفع العوائد الأميركية المرتفعة المستثمرين إلى الاحتفاظ بالدولار بدلاً من الين منخفض العائد، كما تشجع على صفقات "التداول المحمول" (Carry Trade)، التي يقترض فيها المستثمرون بالين للاستثمار في أصول ذات عوائد أعلى.

ونسبت بلومبيرغ إلى كبير الاستراتيجيين في بنك نيويورك ميلون (BNY) جيفري يو قوله إن السلطات اليابانية قد تفضل الانتظار في الوقت الحالي مع اقتراب اجتماع بنك اليابان، لكنه شدد على ضرورة أن تتحرك طوكيو إذا أرادت تحقيق استقرار في سوق العملات الأجنبية. وتعكس مراكز المستثمرين بالفعل تحولاً مهماً منذ التدخل، فقد خفضت صناديق التحوط رهاناتها الهبوطية على الين بأكثر من النصف منذ التدخل الأميركي - الياباني، قبل أن تزيد تلك الرهانات بصورة طفيفة خلال الأسبوع المنتهي في 18 أغسطس/آب، وفق بيانات لجنة تداول العقود الآجلة للسلع (Commodity Futures Trading Commission). كما بدأت مؤشرات على عودة المستثمرين إلى صفقات التداول الممولة بالين.