مقال هام وفي وقته للدكتور فؤاد محيسن عن الاردن والصين: بناء شراكة اقتصادية استراتيجية

• زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تفتح أفقًا جديدًا للاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا والسياحة، في إطار سياسة أردنية تقوم على تنويع الشركاء والأسواق لا استبدالها.
• الأردن لا يبحث عن بديل لشركائه التقليديين، بل يبحث عن مزيد من الشركاء، لكي يصبح أقل اعتمادًا على أي شريك منفرد وأكثر قدرة على تحويل موقعه الجغرافي والسياسي إلى ميزة اقتصادية.


تكشف التحركات الأردنية–الصينية المتسارعة، ولا سيما في ضوء الزيارة الملكية الحالية إلى الصين واللقاءات الاقتصادية والسياحية التي رافقتها، عن تطور يتجاوز حدود تحسين العلاقات التجارية التقليدية بين البلدين. فالأردن يبدو بصدد إعادة صياغة موقعه في شبكة الاقتصاد الدولي، عبر تنويع أسواقه وشركائه ومصادر الاستثمار والتكنولوجيا.

وتأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية في مرحلة تتسم بتحولات عميقة في الاقتصاد العالمي، وفي وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين الجيوسياسي، واضطرابات متزايدة في طرق التجارة وسلاسل الإمداد والنقل في المنطقة والعالم، وتغيرات متسارعة في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين الدول.

ومن هذه الزاوية، فإن قراءة الزيارة باعتبارها زيارة سياسية أو دبلوماسية فحسب لا تعكس كامل أبعادها، فالزيارة الحالية تحمل بعدًا اقتصاديًا واستثماريًا واضحًا ومباشرًا؛ إذ لم تقتصر لقاءات جلالة الملك على القيادة السياسية الصينية، وإنما امتدت إلى رؤساء وممثلي كبرى الشركات الصينية، ومؤسسات السياحة والسفر، والجهات المسؤولة عن الشركات الحكومية، ومراكز التكنولوجيا والابتكار.

وبذلك تبدو الزيارة أقرب إلى محاولة لإعادة رسم موقع الأردن في الاقتصاد الآسيوي والإقليمي، وليس مجرد مناسبة لتعزيز العلاقات السياسية.

الملك والشركات الصينية: من العلاقات الحكومية إلى الشراكات الاستثمارية

من أبرز ما يميز الزيارة الملكية الحالية كثافة اللقاءات المباشرة مع الشركات الصينية، ففي شنغهاي، اجتمع جلالة الملك مع رؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات الصينية، بحضور مسؤولين اقتصاديين أردنيين، وبحث معهم فرص التعاون الاقتصادي وتبادل الخبرات وتوسيع الشراكات الاستثمارية. وضم الاجتماع شركات تعمل في الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية والزراعة والطيران.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، ففي بكين عقد جلالته لقاءً آخر مع ممثلي شركات صينية رائدة تعمل في الطاقة والمعادن والأسمدة والأغذية والصناعات المتقدمة، وجرى التركيز بصورة صريحة على توسيع الأعمال في الأردن والمنطقة، خصوصًا في القطاعات ذات القيمة المضافة والصناعات التحويلية.

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل الاقتصادية للزيارة:

الأردن لا يبحث فقط عن المستثمر الصيني، وإنما يحاول إقناع الشركات الصينية بأن الأردن يمكن أن يكون قاعدة إقليمية لأعمالها.

وهذا فارق جوهري.

فإذا نظر المستثمر الصيني إلى الأردن باعتباره سوقًا محلية محدودة الحجم، فإن حجم الفرص سيبقى محدودًا نسبيًا.

أما إذا نظر إليه باعتباره منصة إنتاج وتصدير إلى الخليج والعراق والأسواق العربية والأفريقية، فإن الجدوى الاقتصادية للاستثمار تصبح مختلفة تمامًا.

من أكبر شريك تجاري إلى شريك إنتاج واستثمار

أصبحت الصين في عام 2025 أكبر شريك تجاري للأردن، إذ تجاوز حجم التجارة الثنائية 6.7 مليار دولار، بزيادة تتجاوز 25%. كما ارتفعت الصادرات الأردنية إلى الصين بصورة ملحوظة خلال 2026، لكن هذه الأرقام تكشف في الوقت ذاته عن اختلال هيكلي؛ فقد بلغت الصادرات الصينية إلى الأردن نحو 6.29 مليار دولار في 2025، مقابل نحو 430 مليون دولار للصادرات الأردنية إلى الصين، أي عجز تجاري يقارب 5.86 مليار دولار لمصلحة الصين. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام الأردن ليس مجرد زيادة التجارة، بل تغيير طبيعة العلاقة التجارية نفسها.

فبدل استمرار النموذج:

الصين ← تصدير المنتجات ← الأردن

يمكن أن يتطور إلى:

الصين + الأردن ← إنتاج مشترك ← أسواق إقليمية ودولية.

وهذا هو التحول الذي يجعل الاستثمار الصيني أكثر أهمية من مجرد زيادة الواردات.

الاستثمار الصيني: فرصة للانتقال من التجارة إلى القيمة المضافة

بلغت الاستثمارات الصينية التراكمية في الأردن نحو 3.56 مليار دولار خلال الفترة 2010–2025، وهي استثمارات مهمة، لكنها لا تزال أقل من إمكانات العلاقة بين البلدين مقارنة بحجم الاقتصاد الصيني وإمكانات الأسواق المحيطة بالأردن، ولهذا فإن الفرصة الحالية تتمثل في الانتقال من الاستثمارات المتفرقة إلى استثمارات إنتاجية واسعة النطاق في التصنيع والطاقة والتعدين واللوجستيات والتكنولوجيا والسياحة، والأهم أن الاستثمار المطلوب ليس مجرد رأس مال.

فالأردن يحتاج إلى أن تأتي الاستثمارات الصينية مصحوبة بـ:

التكنولوجيا + الخبرة + التدريب + سلاسل التوريد + القدرة على التصدير.

وبذلك يمكن أن يصبح الاستثمار الصيني أداة لرفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الأردني.

الأردن كسوق أم كمنصة إقليمية؟

تكمن إحدى أهم نقاط القوة التي يحاول الأردن تقديمها للمستثمر الصيني في أن المملكة ليست مطالبة بأن تكون سوقًا نهائية للاستثمار، فالموقع الجغرافي، وميناء العقبة، والقرب من الخليج والعراق، والارتباط بالأسواق العربية، واتفاقيات التجارة، والكوادر البشرية المؤهلة، كلها عناصر يمكن أن تجعل الأردن منصة إقليمية.

ومن هنا يمكن أن تتشكل معادلة اقتصادية جديدة:

الصين
رأس المال + التكنولوجيا + الشركات + الخبرة التصنيعية.

الأردن
الموقع + العمالة + العقبة + البيئة الاستثمارية + اتفاقيات التجارة.

الأسواق
الخليج + العراق + الدول العربية + أفريقيا + الأسواق الدولية.

وبذلك يمكن لشركة صينية أن تنتج في الأردن، وتستخدم جزءًا من المدخلات المحلية، وتوظف العمالة الأردنية، ثم تصدر إنتاجها إلى أسواق أكبر بكثير من السوق الأردنية.

العقبة: الحلقة اللوجستية في النموذج الجديد

في هذا التصور، لا ينبغي النظر إلى العقبة باعتبارها ميناءً فقط، وإنما كمنظومة اقتصادية متكاملة تضم:

الميناء + المناطق الصناعية + التخزين + النقل + السكك الحديدية + الخدمات اللوجستية + التصنيع.

وهذا يمكن أن يجعلها نقطة انطلاق للشركات الصينية نحو الأسواق الخليجية والعراقية والعربية والأفريقية.

كما أن اضطرابات طرق التجارة العالمية والإقليمية أظهرت أهمية وجود مسارات بديلة وأكثر استقرارًا لسلاسل الإمداد. ومن هنا فإن تطوير العقبة والربط السككي والخدمات اللوجستية لا يخدم الأردن وحده، بل يمكن أن يجعل المملكة جزءًا من منظومة إقليمية أوسع.

التعدين: من تصدير المواد الخام إلى الصناعات التحويلية

يمثل التعدين أحد أكثر المجالات التي يمكن أن تتغير فيها طبيعة العلاقة الأردنية–الصينية. فالأردن يمتلك قاعدة قوية في الفوسفات والبوتاس والأسمدة والمواد الكيميائية، إلى جانب فرص استكشاف واستثمار في النحاس والذهب وبعض المعادن الاستراتيجية، وفي المقابل تحتاج الصين إلى المواد الخام والمعادن التي تدخل في الصناعات الحديثة والطاقة والتكنولوجيا. لكن المصلحة الأردنية لا ينبغي أن تتوقف عند تصدير الخام، والأفضل هو إنشاء:

• صناعات تحويلية.
• مصانع أسمدة متقدمة.
• صناعات كيميائية.
• صناعات معدنية.
• مشاريع مشتركة للتصدير.

وبذلك ينتقل الأردن من تصدير المادة الخام إلى تصدير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، وهذا يتفق مع التركيز الذي ظهر في اللقاء الملكي الأخير مع الشركات الصينية على القطاعات ذات القيمة المضافة والصناعات التحويلية.

الطاقة والمركبات الكهربائية والصناعات المستقبلية

تمثل الطاقة المتجددة والتخزين والمركبات الكهربائية مجالًا طبيعيًا آخر للتعاون، فالأردن يحتاج إلى تعزيز أمنه الطاقي وخفض كلفة الطاقة، بينما تمتلك الصين قدرات صناعية ضخمة في الطاقة الشمسية والبطاريات والتخزين والمركبات الكهربائية، والفرصة الحقيقية لا تكمن فقط في إنشاء مشاريع طاقة صينية داخل الأردن، وإنما في بناء سلسلة صناعية مرتبطة بالطاقة، مثل:

الطاقة الشمسية → التخزين → البطاريات → المركبات الكهربائية → محطات الشحن → الخدمات الذكية.

وكلما زاد الجزء الذي يتم إنتاجه أو تطويره داخل الأردن، ارتفعت القيمة الاقتصادية المحلية.

التكنولوجيا: شراكة تتجاوز رأس المال

أحد الأبعاد اللافتة في الزيارة الملكية هو الاهتمام بالتكنولوجيا والابتكار، ففي شنغهاي زار جلالة الملك شركة AgiBot المتخصصة في تصنيع الروبوتات، واطلع على تقنيات متقدمة، فيما شهدت الزيارة إلى شنجن الاطلاع على ابتكارات في الروبوتات والنقل الجوي المتقدم والخدمات اللوجستية. كما بحث جلالته مع مسؤولي شنجن فرص الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية وتبادل الخبرات، وهذا يحمل دلالة مهمة، فالأردن لا يحتاج فقط إلى جذب رأس المال، وإنما يحتاج إلى رفع إنتاجية اقتصاده ونقل التكنولوجيا وتطوير قدرات الشركات والكوادر الأردنية.

ومن هنا يمكن أن تكون الصين شريكًا في تحديث الصناعة والنقل والزراعة والطاقة والخدمات الرقمية، بشرط أن يرتبط الاستثمار بنقل المعرفة والتدريب وتطوير القدرات المحلية.

السياحة الصينية: مورد جديد للعملة الأجنبية

من الملفات المهمة التي تؤكد الطابع الاقتصادي للزيارة أيضًا السياحة. فقد التقى جلالة الملك في شنغهاي مجموعة Trip.com، وبحث معها تعزيز التعاون السياحي، وزيادة أعداد السياح الصينيين إلى الأردن، والتسويق الذكي للوجهات السياحية، وتعزيز الربط الجوي بين البلدين، وهذا الملف مهم اقتصاديًا وليس سياحيًا فقط، فالسائح الصيني ينفق على:

الفنادق + المطاعم + النقل + المواقع السياحية + التسوق + الخدمات.

وإذا استطاع الأردن الوصول إلى 500 ألف سائح صيني سنويًا، وبافتراض متوسط إنفاق قدره 1,200 دولار للسائح، فإن الإنفاق السياحي الإجمالي قد يصل إلى نحو 600 مليون دولار سنويًا. أما الوصول إلى مليون سائح صيني فيمكن أن يعني نحو 1.2 مليار دولار سنويًا، أي ما يقارب 850 مليون دينار، وهذه ليست توقعات رسمية وإنما سيناريوهات تقديرية تعتمد على فرضية متوسط الإنفاق؛ لكنها توضح الحجم الاقتصادي المحتمل للسوق الصينية.

السياحة كمدخل للاستثمار

ولا ينبغي النظر إلى السياحة الصينية باعتبارها مصدرًا للإيرادات فقط، فالسائح الذي يتعرف على الأردن قد يصبح مستثمرًا محتملًا، أو قد يفتح الطريق أمام شركات صينية للتعرف على السوق الأردنية. ومن ثم يمكن أن تتشكل علاقة متكاملة:

السياحة → التعرف على الأردن → الثقة بالسوق → الاستثمار.

كما أن تعزيز الرحلات الجوية بين الصين والأردن يخدم السياحة والتجارة والاستثمار وحركة رجال الأعمال في الوقت نفسه.

هل يمكن أن تصبح الصين واحدة من أكبر المستثمرين في الأردن؟

الاحتمال أصبح أكثر واقعية، لكنه يحتاج إلى سنوات من التنفيذ، فالمهم ليس فقط زيادة حجم الاستثمارات الصينية، وإنما تغيير نوعيتها، فالاستثمار الذي ينشئ مصنعًا يصدر إلى الأسواق الخارجية، ويوظف الأردنيين، وينقل التكنولوجيا، ويستخدم مدخلات محلية، سيكون أكثر فائدة من استثمار كبير يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد ويستهدف السوق المحلية.

ولهذا يجب أن تقاس نتائج الشراكة من خلال:

• الوظائف الأردنية.
• نسبة المكون المحلي.
• حجم التكنولوجيا المنقولة.
• حجم الإنتاج المحلي.
• قيمة الصادرات.
• عدد الأسواق الخارجية.
• مدة إقامة السائح الصيني.
• متوسط إنفاقه.
• تدريب الكفاءات الأردنية.

الصين ليست بديلًا عن أوروبا وأمريكا

ربما تكون هذه النقطة من أهم ما ينبغي الانتباه إليه عند تحليل السياسة الاقتصادية الأردنية الحالية، فمن السهل، في ظل المنافسة العالمية بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا، أن يُفهم الانفتاح الأردني على الصين باعتباره ابتعادًا عن الغرب.

لكن الوقائع تشير إلى اتجاه مختلف تمامًا:

الأردن لا يستبدل شريكًا بشريك، وإنما ينوع شركاءه وأسواقه ومصادر استثماره، ففي الوقت الذي يقوم فيه جلالة الملك بزيارة دولة إلى الصين ويعقد لقاءات مباشرة مع كبرى الشركات الصينية، يجري الأردن في الوقت نفسه التحضير لمؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي المقرر عقده في البحر الميت في 19 تشرين الثاني 2026.

وقد ترأس سمو ولي العهد في 17 آب اجتماعًا لمتابعة التحضيرات للمؤتمر، مع التركيز على طرح فرص استثمارية في القطاعات ذات الأولوية الوطنية، وتحسين البيئة الاستثمارية وتعزيز الشراكات مع دول الاتحاد الأوروبي، وهذا التزامن بالغ الدلالة.

فالأردن يتحرك نحو الصين لجذب الاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع والسياحة، وفي الوقت نفسه يتحرك نحو الاتحاد الأوروبي لتعميق الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والشراكات الاقتصادية. كما تستمر علاقاته الاقتصادية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج.

إذن، الصورة ليست الصين بدل أوروبا وأمريكا، بل الصين وأوروبا وأمريكا والخليج ضمن شبكة اقتصادية أردنية أكثر تنوعًا، وهذه ربما تكون الاستراتيجية الأكثر عقلانية للأردن في ظل البيئة الدولية الحالية.

الأردن لا يختار بين الشركاء؛ بل يحاول جعلهم يعملون معًا

يمكن أن يصل الأمر إلى مرحلة يصبح فيها تعدد الشركاء نفسه مصدرًا للقوة الاقتصادية، فعلى سبيل المثال:

شركة صينية توفر التكنولوجيا، ومستثمر خليجي يوفر رأس المال، وشركة أوروبية تشارك في التكنولوجيا أو سلسلة التوريد، والأردن يوفر الموقع والإنتاج والعمالة والبنية التحتية، ثم يتم تصدير المنتج إلى السعودية والإمارات والعراق وأفريقيا وأوروبا. وهنا يتحول الأردن من مجرد متلقٍ للاستثمار إلى منصة تلتقي فيها رؤوس الأموال والتكنولوجيا والأسواق، وهذا هو المفهوم الأوسع لتنويع الشراكات.

العراق وأفريقيا: أسواق المرحلة التالية

يمثل العراق فرصة طبيعية للصناعات التي يمكن أن تقام في الأردن، فمصنع صيني–أردني في الأردن يمكن أن ينتج معدات أو أغذية أو أدوية أو مواد بناء، ثم يصدرها إلى السوق العراقية القريبة. أما أفريقيا، فيمكن أن تمثل مجالًا أوسع للتوسع، خصوصًا في: الأدوية والأسمدة والأغذية والطاقة والمعدات والخدمات الهندسية.

وهو نموذج يجعل الأردن جزءًا من سلسلة إنتاج وتوزيع إقليمية، وليس مجرد سوق نهائية.

ماذا يمكن أن يحدث حتى عام 2035؟

يمكن تصور العلاقة الاقتصادية الأردنية–الصينية خلال العقد المقبل عبر ثلاث مراحل.

2026–2028: تثبيت الشراكة

• تحويل نتائج الزيارة إلى مشاريع.
• زيادة الاستثمارات.
• توسيع السياحة الصينية.
• تعزيز الربط الجوي.
• مشاريع الطاقة والتعدين.
• التعاون التكنولوجي.
• تحديد الشركات الصينية ذات الأولوية.

2029–2031: مرحلة التصنيع والتصدير

• إقامة مصانع مشتركة.
• زيادة القيمة المضافة في التعدين.
• توسع الصناعات المرتبطة بالطاقة.
• تطوير المركبات الكهربائية والتخزين.
• توسع العقبة والخدمات اللوجستية.
• زيادة الصادرات إلى الخليج والعراق.

2031–2035: مرحلة المنصة الإقليمية

يمكن أن يصبح الأردن في هذه المرحلة أكثر قدرة على تقديم نفسه للشركات الصينية باعتباره قاعدة إنتاج وتوزيع وخدمات للأسواق العربية والأفريقية، وفي السيناريو المتفائل المعقول يمكن أن تصبح الصين واحدة من أكبر مصادر الاستثمار الأجنبي في الأردن، بالتوازي مع ارتفاع كبير في السياحة والاستثمارات والصادرات المرتبطة بالشركات الصينية.

المعيار الحقيقي للنجاح

لن يكون نجاح السياسة الأردنية في ارتفاع قيمة الواردات من الصين، ولن يكون كافيًا أن ترتفع التجارة الثنائية من 6.7 إلى 8 أو 10 مليارات دولار إذا كان معظم الارتفاع ناتجًا عن زيادة الواردات.

النجاح الحقيقي سيكون عندما نرى:

مصانع صينية في الأردن، وعمالة وكفاءات أردنية تعمل فيها، وتكنولوجيا تنتقل إلى الشركات الأردنية، ومنتجات مصنعة في الأردن تُصدّر إلى الخليج والعراق وأفريقيا، وسياحًا صينيين ينفقون في المملكة، وشركات أردنية تدخل في سلاسل التوريد الصينية، عندها فقط تكون العلاقة قد انتقلت من التجارة إلى الشراكة الاقتصادية الحقيقية.

الخاتمة: الأردن لا يستبدل الشركاء؛ بل يعيد توزيع المخاطر والفرص

إن قراءة التحرك الأردني نحو الصين في إطار المنافسة بين الصين والولايات المتحدة أو بين الصين وأوروبا قد تقود إلى استنتاج غير دقيق، فالتحرك الأردني الحالي يبدو أقرب إلى إعادة بناء شبكة اقتصادية متعددة الأطراف، فزيارة جلالة الملك إلى الصين تفتح الباب أمام الاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا والسياحة والشركات الصينية، بينما يجري في الوقت ذاته التحضير لمؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي، وتتواصل الشراكة مع الولايات المتحدة، ويستمر الدور الاقتصادي والاستثماري لدول الخليج، ومن ثم فإن الهدف ليس الصين بدل أوروبا وأمريكا، وإنما الصين وأوروبا وأمريكا والخليج ضمن شبكة اقتصادية أردنية أكثر تنوعًا وتوازنًا.

وهذا قد يكون بالضبط ما يحتاجه الأردن في مرحلة تتسم بارتفاع المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.

فإذا استطاع الأردن أن يجذب التكنولوجيا والاستثمار الصيني، ورأس المال الخليجي، والاستثمار الأوروبي، ويحافظ على شراكته الاقتصادية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ويوظف في الوقت ذاته أسواق العراق والدول العربية وأفريقيا، فإنه لن يكون مضطرًا إلى الاختيار بين القوى الاقتصادية الكبرى، بل يمكنه أن يجعل هذه الشراكات المختلفة تعمل في خدمة هدف واحد: زيادة القيمة الاقتصادية التي ينتجها الأردن ويصدرها إلى العالم.

ومن هذه الزاوية، فإن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها ابتعادًا عن الغرب، وإنما باعتبارها جزءًا من سياسة اقتصادية أوسع لإعادة تموضع الأردن داخل الاقتصاد العالمي، وتنويع مصادر الاستثمار والدخل والتكنولوجيا والأسواق.

وتزداد أهمية هذا المسار عندما نلاحظ أن الزيارة الملكية نفسها لم تركز على العلاقات الحكومية فقط، بل امتدت إلى الشركات الصينية، والتكنولوجيا والروبوتات، والطاقة والتعدين والصناعات المتقدمة، والسياحة والطيران، في حين يجري بالتوازي إعداد مؤتمر استثماري كبير مع الاتحاد الأوروبي.

وهذا يقود إلى خلاصة أساسية:

الأردن لا يبحث عن بديل لشركائه التقليديين، بل يبحث عن مزيد من الشركاء، لكي يصبح أقل اعتمادًا على أي شريك منفرد وأكثر قدرة على تحويل موقعه الجغرافي والسياسي إلى ميزة اقتصادية.

وعند هذه النقطة تصبح زيارة جلالة الملك إلى الصين، ومؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي، والعلاقات مع الولايات المتحدة والخليج، مسارات مختلفة ضمن استراتيجية أردنية واحدة:

تنويع الشراكات، جذب الاستثمار، نقل التكنولوجيا، توسيع الأسواق، زيادة الصادرات، وتنمية السياحة، وتعظيم القيمة الاقتصادية لموقع الأردن بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وقد تكون هذه هي الصورة الأوسع التي ينبغي أن تُقرأ من خلالها زيارة جلالة الملك إلى الصين، ليس باعتبارها انتقالًا من شريك إلى شريك، وإنما باعتبارها خطوة في إعادة صياغة موقع الأردن داخل شبكة الاقتصاد العالمي، من دولة تسعى إلى الأسواق والاستثمارات إلى دولة تسعى إلى أن تصبح منصة إقليمية للإنتاج والاستثمار والتجارة والخدمات.

وفي هذه الحالة، قد لا تكون القيمة التاريخية للزيارة في الاتفاقيات التي تُعلن خلالها فقط، وإنما في المشاريع التي يمكن أن تبدأ بعدها؛ لأن نجاح السياسة الاقتصادية الأردنية سيقاس في النهاية بما إذا كانت هذه الزيارة ستتحول إلى مصانع واستثمارات وصادرات وسياحة وتكنولوجيا ووظائف، وبما إذا كان الأردن سيتمكن من تحويل علاقاته المتعددة إلى قوة اقتصادية متكاملة تخدم مصالحه الوطنية.