مجلس النواب الأردني… حين يصبح السؤال: من أوصل هؤلاء إلى القبة؟
كأي أردني، أسمع وأقرأ، وأحياناً أتابع ما يجري في أروقة مجلس النواب الحالي ، ومع كامل الاحترام لأشخاص النواب وللمؤسسة الدستورية التي يمثلونها، فإن الطابع العام الذي يخرج به المراقب لا يرقى، في كثير من الأحيان، إلى مستوى طموحات الشعب الذي أوصلهم إلى قبة البرلمان، أملاً بأن يكونوا عوناً للوطن، وصوتاً للمواطن، وشريكاً حقيقياً في صناعة القرار والتشريع والرقابة.
المشكلة ليست في وجود مجلس النواب، فوجوده ضرورة دستورية وسياسية في الدولة الحديثة، وإنما في الصورة التي يقدمها المجلس عن نفسه، وفي مستوى الأداء الذي يصل إلى المواطن.
فالنائب، في الوعي الشعبي، يجب ألا يكون مجرد شخص فاز بمقعد تحت القبة، ثم يصبح همه الأول المحافظة على هذا المقعد، أو خدمة دائرته الضيقة، أو البحث عن الحضور الإعلامي ، النائب الحقيقي هو من يحمل همّ الوطن بأكمله، ويضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية والانتخابية والمناطقية.
أما المشهد الحزبي، الذي كان يُفترض أن يكون أحد أهم مخرجات الإصلاح السياسي، فما زال حضوره في البرلمان، من وجهة نظر كثير من المتابعين، خجولاً ومحدود التأثير ، وليس بالضرورة أن يكون السبب ضعفاً في الأشخاص، بقدر ما هو نتيجة تراكمات تشريعية وسياسية وثقافة برلمانية لم تتغير بالسرعة التي يتطلع إليها المواطن.
والمفارقة أن المواطن يسمع كثيراً عن الإصلاح السياسي، لكنه عندما ينظر إلى الأداء تحت القبة، يبحث عن هوية واضحة للمجلس فلا يجدها بسهولة.
أما المناكفات والصراعات وارتفاع الأصوات، التي نشاهد بعضها أحياناً، فإنها لا تزيد المؤسسة البرلمانية هيبة، بل تجعل المواطن يطرح سؤالاً موجعاً: هل هذا هو المجلس الذي ذهبنا إلى صناديق الاقتراع لاختياره؟ ومن أوصل هؤلاء إلى القبة؟
والأكثر إيلاماً أن بعض اللجان النيابية، التي يفترض أن تكون مطابخ حقيقية للتشريع والرقابة والدراسة المتأنية، تبدو أحياناً وكأنها مساحة للحضور الإعلامي أكثر من كونها مساحة للعمل المؤسسي الهادئ والعميق.
نحن لا نحتاج نائباً يرفع صوته أكثر، بل نائباً يرفع مستوى النقاش.
ولا نحتاج نائباً يبحث عن الكاميرا، بل نائباً يبحث عن الحقيقة.
ولا نحتاج من يكثر من التصريحات، بل من يقرأ مشروع القانون، ويفهم أبعاده، ويسأل السؤال الصحيح، ويقدم البديل المقنع.
لقد وصل الأمر لدى شريحة من المواطنين إلى حالة من الإحباط جعلت البعض يقول، في لحظة غضب: "ليتنا بلا مجلس نواب، ولتصرف موازنته على ما ينفع الناس”. وهذه عبارة قاسية وخطيرة، ليس لأنها تعبر بالضرورة عن حقيقة دستورية أو سياسية، وإنما لأنها تعكس مقدار الفجوة التي يشعر بها بعض المواطنين بين المؤسسة البرلمانية وبين تطلعاتهم.
بل إن الانتخابات نفسها أصبحت، في بعض المناطق، مناسبة لإعادة إنتاج الخلافات العائلية والعشائرية والمناطقية، وقد تترك نتائجها جروحاً اجتماعية وضغائن تمتد لسنوات ، وبدلاً من أن تكون المنافسة الانتخابية وسيلة لاختيار الأفضل، تتحول أحياناً إلى معركة اجتماعية يدفع المجتمع ثمنها بعد انتهاء الانتخابات.
ومع ذلك، فإن الحل ليس في إلغاء مجلس النواب أو استبدال الانتخاب بالتعيين؛ فالديمقراطية لا تُبنى بالتراجع عن التمثيل الشعبي، وإنما بتصحيح مساره وتطوير أدواته ورفع مستوى من يمثّل الناس فيه.
نحن بحاجة إلى نائب يعرف أن المقعد النيابي ليس وجاهة اجتماعية، ولا سلماً للمصالح، ولا منصة للظهور، وإنما تكليف ثقيل وأمانة ومسؤولية أمام الله والوطن والناس والتاريخ.
نحتاج إلى أحزاب حقيقية تمتلك برامج واضحة، ونواباً يمتلكون المعرفة والخبرة، ولجاناً تعمل بجدية، ونقاشاً هادئاً، ورقابة مسؤولة، وتشريعاً يواكب حاجات الدولة والمجتمع.
وأعتقد أن إجراء استطلاع رأي علمي وشفاف ومستقل حول مدى رضا الأردنيين عن أداء مجلس النواب، بعيداً عن المجاملات والحسابات، قد يكون كاشفاً للكثير من الحقائق التي لا تظهر تحت القبة.
فالناس لا تريد معركة بين نائب ونائب، ولا صراعاً على الأضواء، ولا استعراضاً سياسياً؛ الناس تريد من يسمع وجعها، ويدافع عن مصالحها، ويشرّع لها، ويراقب أداء السلطة التنفيذية، ويشارك في بناء دولة أقوى وأكثر عدلاً.
لقد تعب المواطن من السؤال: ماذا قدم النائب؟
وأصبح السؤال الأهم: ماذا قدم مجلس النواب للوطن؟
وحين تصبح المؤسسة التي يفترض أن تكون صوت الشعب بحاجة إلى من يعيد إليها ثقة الشعب، فهنا يجب أن نتوقف طويلاً، لا للسخرية منها ولا لهدمها، وإنما لإصلاحها.
وفي النهاية، لا أجد أبلغ من تلك العبارة التي بقيت عالقة في ذاكرة الأردنيين، للراحل الأستاذ خالد محادين رحمه الله :
"مشان الله يا سيدي عبدالله”.
ولعلها اليوم ليست مجرد عبارة عابرة ، بل صرخة مواطن يريد لمجلس نوابه أن يكون على قدر اسم الأردن، وعلى قدر ثقة الأردنيين، وعلى قدر المسؤولية التاريخية التي يحملها كل من جلس تحت القبة.