حين يُغادر الموظف مكرهاً: هل نُنهي الخدمة أم نُنهي الوفاء؟


في كل عام، يغادر مواقع العمل أشخاص لم نكن نتمنى مغادرتهم، ليس لأنهم طلبوا الرحيل، ولا لأنهم قصّروا في أداء واجباتهم، بل لأن قراراً اتُخذ فجأة، ليجد الموظف نفسه أمام حقيقة لم يكن مستعداً لها: انتهت خدماتك!

والسؤال هنا ليس عن حق الإدارة في إنهاء خدمة الموظف أو إحالته على التقاعد أو الاستيداع، فهذا حق تنظمه القوانين والأنظمة، وإنما السؤال الأهم: كيف يُتخذ هذا القرار؟ وعلى أي أساس؟ وهل تكون الكفاءة والأداء والإنجاز هي المعيار الحقيقي، أم تتدخل عوامل أخرى لا علاقة لها بالعمل؟

المؤسف أن هناك حالات يغادر فيها أشخاص كانوا الأجدر بالبقاء، وكانوا يمتلكون من الخبرة والمعرفة بالمؤسسة وتفاصيل عملها ما يفوق أحياناً معرفة بعض من اتخذوا قرار مغادرتهم. أشخاص أفنوا سنوات من عمرهم في خدمة مؤسساتهم، وحملوا مسؤولياتهم بأمانة، وكانوا يؤدون واجباتهم على أكمل وجه، ثم يجدون أنفسهم في لحظة أمام قرار لا يعرفون أسبابه، ولا يجدون فرصة حقيقية لفهمه أو مناقشته.

ولا يمكن أن نتجاهل أن المزاجية أحياناً تتسلل إلى مثل هذه القرارات، وقد يتحول قرار إنهاء الخدمة من إجراء إداري إلى وسيلة للتخلص من شخص ذي شخصية قوية أو مستقلة أو مرموقة، أو شخص لا يجيد المجاملة، رغم أن سجله المهني وأداءه يشهدان له بالكفاءة والإنجاز.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يمكن أن نصل يوماً إلى مرحلة يعرف فيها الموظف موعد نهاية خدمته بوضوح، ويغادر موقعه بنفس راضية ومرضية، دون أن تلاحقه التأويلات والأسئلة: لماذا أنا؟ ولماذا الآن؟ وماذا فعلت؟

وهل يمكن أن نصل إلى مرحلة يكون فيها صاحب القرار منصفاً وشفافاً وموضوعياً عند تقييم الموظف قبل إنهاء خدمته، بحيث تكون المعايير واضحة، والأداء هو الفيصل، والخبرة والإنجاز والعطاء هي أساس القرار، بعيداً عن العلاقات الشخصية والحسابات الضيقة والانطباعات والمزاجية؟

إن إنهاء خدمة الإنسان ليس مجرد إنهاء علاقة وظيفية؛ فهناك كرامة إنسانية، وتاريخ مهني، وسنوات من العطاء، وأسرة، وذكريات، وسمعة بناها الموظف طوال حياته .

ليس المطلوب أن يبقى الموظف في موقعه إلى الأبد، فلكل مرحلة نهاية، ولكل عمر وظيفي محطة أخيرة، والتقاعد سنة طبيعية في حياة الإنسان ، لكن ما نتمناه هو أن يصل الموظف إلى تلك المحطة وهو يشعر بالتقدير، لا بالإقصاء؛ وبالامتنان، لا بالمرارة؛ وبالرضا، لا بالظلم.

نريد ثقافة إدارية تقول للموظف عند نهاية خدمته: شكراً لما قدمت، لقد أديت رسالتك، وتغادر موقعك ونحن نحفظ لك مكانتك وتاريخك.

فالمؤسسة الناجحة لا تُقاس فقط بكيفية تعيين موظفيها وترقيتهم، وإنما أيضاً بكيفية إنصافهم عند مغادرتهم.

ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه يوماً هو أن يغادر الإنسان وظيفته راضياً لا ساخطاً، مطمئناً لا حائراً، مكرّماً لا مكسور الخاطر؛ وأن نُنهي مدة الخدمة دون أن نُنهي جسور المحبة والاحترام.

فالموظف الذي يغادر اليوم قد يكون غداً خبيراً يُستعان برأيه، أو صوتاً يروي قصة المؤسسة، أو جسراً يصل بين حاضرها ومستقبلها.

فلنختلف في القرار إن شئنا، لكن لا نختلف في إنسانية التعامل.

لأن الوظيفة تنتهي…
لكن أثر الإنسان يبقى.