تقييم رؤية التحديث الاقتصادي المرحلة الأولى 2023 – 2025 والمطلوب من المرحلة الثانية 2026 – 2029

تقوم الحكومات عن طربق السياسة المالية والنقدية بمراقبة النشاط الاقتصادي بمجموعه . وان الغرض من استخدام وسائل السياسة النقدية والمالية هو تهيئة الظروف الاقتصادية الملائمة التي تمكن المشروعات المختلفة من عرض نسبة واسعة من فرص العمل والاشغال . وينبغي على السلطات المسؤولة عن السياسة النقدية والمالية أن تتخذ جميع الخطوات اللازمة حتى يكون مجموع الانفاق في القطر في جميع الأوقات كافيا لتمكين أصحاب المشروعات من أن يبيعوا بأسعار معقولة جميع ما في وسعهم أن ينتجوه مع استخدام قوة العمل كلها . واذا كان مجموع الطلب المؤثر غير كاف فيجب على السياسة النقدية والمالية ان تتجه الى تنشيط الزيادة في الطلب المؤثر . واذا كان في الطلب افراط , فينبغي لتلك السياسة أن تعتمد الى اقصاء الفائض من الطلب . واذا كان الطلب المؤثر قد بلغ الكفاية فواجب السياسة النقدية والمالية هو أن تراقب التغيرات المحتملة وتحافظ على المستوىات القائمة لأطول مدة ممكنة , وتقاوم كل بادرة قد تميل بالاقتصاد الى حالة من التراجع أو الاندفاع , من خلال دور السياسة النقدية والمالية في الاستخدام الكامل والاستقرار في مستوى الأسعار .
وقد كان من أهداف رؤية التحديث الاقتصادي تفعيل دور السياسات المالية والنقدية على تحقيق التوازن في الاقتصاد والاستخدام الكامل , من خلال التعامل معهما كمنظومة واحدة . من خلال الانضباط المالي , والاستقرار النقدي , ونمو اقتصادي مستدام وشامل لتحسين نوعية الحياة .
وكانت تستهدف الرؤية 2023 – 2026 من خلال البرنامج التنفيذي الأول الذي يضم في صيغته الأساسية 183 مبادرة و418 أولوية ,وبكلفة اجمالية تقارب 2،3 مليار دينار حتى نهاية 2025 مع أهداف أهمها رفع النمو الحقيقي 3 % وزيادة الصادرات والاستثمار وخلق فرص عمل .
وقد نجحت الرؤية 2023 – 2025 في الانتقال من رؤية الى آلية تنفيذ ومتابعة , وهذا ليس أمر بسيطا . فقد أصبح هنالك برنامج تنفيذي , ومؤشرات , ووحدات متابعة من الوزارات ورئاسة الوزراء , وتقارير دورية , كما أصبحت الرؤية اطارا عابرا للحكومات وليس مجرد وثقية حكومية مؤقتة ,( وهذا نهج سليم كانت الحكومة تعمل به في الخطة الأولى والثانية خلال السنوات 1973 – 1980 من قبل المجلس القومي للتخطيط سابقا وزارة التخطيط والتعاون الدولي حاليا وتخلت عنه فيما بعد ) . وقد كان هنلك تحسن واضح في بعض المؤشرات , فقد ارتفعت الصادرات الوطنية الى 3, 10 مليار دينار وبنسبة نمو 9 , 9 % عن العام السابق , ولكن في المقابل ارتفت المستوردات بنسبة 7،5 % لنفس الفترة من العام السابق 2024 , ولذلك بقي العجز التجاري حوالي 9،9 % مليار دينار . الاستثمار الأجنبي المباشر أعطى اشارة ايجابية بلغت تدفقاته 1،5 مليار دولار خلال الاشهر التسعة الأولى من عام 2025 بزيادة 27،7 % من الفترة المقابلة من عام 2024 . وتحسن تدريجي في سوق العمل لكنه غير كاف , فقد خفض معدل البطالة من 21،4 % عام 2024 الى 17،7 % عام 2025 . وبعض إصىلاحات القطاعات بدأت تعطي نتائج ملموسة فمثلا انخفض الفاقد المائي من 52 % الى 46 % خلال السنوات الثلاثة , وهو تقدم مهم ولكنه لايزال بعيدا عن المستوى المطلوب , وأيضا النمو الاقتصادي لم يصل الى الطموح المطلوب كان حوالي2،8 % والنمو المستهدف والذي يستوعب الداخلين الجدد الى سوق العمل ويرفع دخل الفرد , وتخفيض البطالة , بأن يكون أعلى من 3 % . وكان تنفيذ الأولويات أقل من الطموح فقد انجز 158 أولوية من أصل 545 أولوية وبنسبة 28،8 % .
لذا بقيت نسبة البطالة مرتفعة جدا , والاصلاحات لم تتحول بالسرعة الكافية الى استثمار خاص لأن الرؤية تعطي القطاع الخاص دورا محوريا لكن المشكلة بقيت في الانتقال من اصلاح تشريعي , مشروع , استثمار , انتاج , وظائف , صادرات . وكثيرا من الجهد خلال المرحلة الأولى كان في التشريع والمشروع , وترك الى المرحلة الثانية التركيز على الحلقات الأخيرة ألا وهي الأستثمار , والانتاج , وخلق الوظائف والصادرات .
لذلك كان هنالك فجوة بين الانجاز الحكومي , والأثر على المواطن , وهذه هي أهم ملاحظة يمكن القول أن الحكومة انجزت قانونا , منصة , استراتيجية , نظاما , مشروعا , أو أجزاء منه . لكن المواطن يسأل , هل زاد الدخل , هل حصلت على وظيفة , هل انخفضت كلف المعيشة , هل أصبحت الخدمة الحكومية أسرع , هل أصبح انشاء المشروع أسهل , هل زادت فرص الاستثمار في المحافظات , وهذا هو الاختبار الحقيقي للرؤية وهذا مايجب أن تعمل عليه المرحلة الثانية 2026 – 2029 .
فقد بدأ البرنامج التنفيذي الثاني فعليا , ويضم 393 مشروعا ضمن محركات النمو الانمائية , وقد بين التقرير الى الربع الأول من عام 2026 أن التركيز في البداية على استكمال المتطلبات المؤسسية والتنظيمية وتهيئة المشاريع وتسريع الشراكة مع القطاع الخاص . لذا المطلوب من الرؤية في المرحلة الثانية هو مرحلة النتائج لا مرحلة اعداد الخطط . من خلال مايلي : -
1-تحويل الرؤية من مشاريع حكومية الى استثمارات خاصة وهذه هي أهم أولوية
وعلى كل مشروع في البرنامج أن يجيب على أربعة أسئلة . كم سيستثمر القطاع الخاص , وكم وظيفة يخلق , وكم سيظيف الى الناتج المحلي الاجمالي , وكم يزيد الصادرات . اذا لم يستطيع الاجابة فالمشروع يحتاج الى اعادة تقييم .

2- جعل الوظائف المؤشر الأول . لأن الرؤية تبين أستيعاب مليون شاب وشابة في سوق العمل , لذلك أقترح أن تكون هنالك موازنة وظيفية مثلما توجد موازنة مالية . تبين ما يلي : -
عدد الوظائف الجديدة سنويا , وظائف الاردنيين تحديدا , وظائف الشباب , وظائف
الشابات , نسبة الوظائف ذات المهارات العالية , عدد الوظائف التي جاءت من استثمارات جديدة .
فلا يكفي أن نقول أن مشروعا كلف مئة مليون دينار المهم كم وظيفة مستهدفة خلقها .

3- التركيز على قطاعات قليلة ذات قيمة مضافة عالية بدلا من توزيع الجهد على مئات المبادرات , وذلك باختيار نحو 10 الى 15 فرصة اقتصادية كبرى والتركيز عليها بشدة :
وأبرزها في الحالة الأردنية هي , الصناعات الدوائية والطبية , الصناعات الغذائية , التعدين والصناعات التحويلية , الفوسفات , البوتاس , والسيليكا وغيرها , السياحة , تكنلوجيا المعلومات , الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية , اللوجستيات والنقل , الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر حيث تكون الجدوى الاقتصادية حقيقية , المياه والتقنيات المرتبطة بها , الزراعة عالية القيمة والتصنبع الغذائي . الهدف ليس انتاج المزيد فقط وانما انتاج ما يمكن تصديره .
4- معالجة مشكلة كلفة ممارسة الأعمال , فاذا أردنا نمو أسرع فلا يكفي اصدار قانون استثمار جديد , بل يجب خفض كلفة الأرض , والطاقة , والتمويل , الضرائب والرسوم , الوقت الأداري , لأن المستثمر لايبحث فقط عن الحوافز وبنفس الوقت عن القدرة على التنبؤ .
5- ربط التعليم مباشرة بالاقتصاد , ينبغي أن يصبح جزء كبير من التعليم والتدريب مرتبطا بالطلب الفعلي للقطاع الخاص , أي لاندرب الشباب أولا ثم نبحث لهم عن وظائف بل نحدد الوظائف المطلوبة أولا ثم ندرب الشباب عليها , وهذا يتطلب مجلس مهارات قطاعية قوية او شراكة فعالة مع جميع الشركات وربط تمويل التدريب بنسبة التوظيف بعد التدريب .
6- يجب أن يكون لكل محافظة ميزة اقتصادية محددة .
-الكرك , صناعات , تعدين , زراعة وتصنيع .
-العقبة , لوجستيات , سياحة و صناعة تجارة .
-اربد تكنلوجيا المعلومات , تعليم , صناعة غذائية ودوائية .
-المفرق لوجستيات , طاقة , زراعة .
-الطفيلة ومعان , تعدين , وطاقة , سياحة .
-جرش عجلون السلط , سياحة زراعة منتجات محلية ذات قيمة مضافة .
7- ويجب الانتقال في تغيير طريقة متابعة الرؤية من الانتقال الى قياس النشاط الحكومي
الى قياس الأثر الاقتصادي .
- ماهو الهدف الحقيقي للسنوات 2026 – 2029 . كانت المرحلة الأولى بأن تكون مرحلة الأساس , أما المرحلة الثانية يجب أن تثبت هذا الأساس ليستطيع انتاج نتائج ايجابية , تبنى على انجازات المرحلة الأولى وتوسيع نطاقها وذلك من خلال الاستفادة من الفرص الجديدة لذا نقترح ما يلي :
1 – رفع النمو الاقتصادي بمعدل 5 % سنويا وبصورة مستدامة .
2 – خفض البطالة الأردنية بصورة جوهرية .
3 – رفع الاستثمار الخاص والصادرات بدلا من الانفاق الحكومي ,
4 – رفع انتاجية الاقتصاد ودخل الفرد الحقيقي .
5 – اظهار أثر ملموس في حياة المواطن من خلال الخدمات المقدمة له وتخفيض كلف ممارسة الأعمال .

الخلاصة فان رؤية التحديث الاقتصادي لم تفشل , ولكنها لم تنجح بعد في تحقيق جوهرها , نجحت في طريقة تغيير طريقة التخطيط والمتابعة , واطلاق اصلاحات ومشاريع , وتحسين بعض المؤشرات من الصادرات وبعض الاستثمار وسوق العمل , لكن النمو بقي دون الطموح , والبطالة ما زالت مرتفعة , والأثر على دخل المواطن والانتاجية محدودة , لذلك فان المرحلة الثانية 2026 – 2029 هي مرحلة الاختبارالحقيقي للرؤية . واللافت أن الحكومة بدأت المرحلة الثانية بمفهوم يركز على قياس الأثر , والتنسيق مع القطاع الخاص , وتسريع تنفيذ المشاريع ال 393 وهو الاتجاه الصحيح , لكن النجاح يتوقف على الانتقال من قيد التنفيذ الى نتائج اقتصادية قابلة للقياس .