أمن العالم من أمن «هرمز»

يبقى مضيق هرمز... العقدة التي لم تحلها القوة العسكرية؛ إذ بعد أشهر من الحرب مع إيران، تبدو الصورة العسكرية مختلفة عن الصورة السياسية. فالولايات المتحدة وحلفاؤها حققوا، بحسب مراقب عسكري أميركي، نتائج كبيرة في تدمير قدرات إيران العسكرية. تعرضت القوات البحرية والجوية لضربات قاسية، كما استُهدفت الدفاعات الجوية ومصانع الصواريخ والطائرات المسيرة. لكن السؤال هو: هل يؤدي النجاح العسكري بالضرورة إلى نجاح سياسي واستراتيجي؟

 
 
 

يرى المراقب العسكري الأميركي أن هذه هي المشكلة الأساسية. يمكن تدمير عدد كبير من الأهداف، لكن ذلك لا يعني الوصول إلى النتيجة المطلوبة؛ فالهدف الأميركي لا يقتصر على إضعاف إيران عسكرياً، بل يشمل إجبارها على تغيير سلوكها، والتخلي عن طموحاتها النووية، ووقف تهديد الملاحة في مضيق هرمز. هنا يظهر مضيق هرمز باعتباره أصعب عقدة في هذه الحرب.

المضيق ليس مجرد ممر بحري يمكن فتحه بالقوة العسكرية ثم ضمان بقائه مفتوحاً، فالجغرافيا تمنح إيران أفضلية يصعب تجاهلها. الممر ضيق، المياه في مناطق منه ضحلة، حركة السفن مزدحمة، كما أن الساحل الإيراني والمناطق الجبلية المحيطة توفر مواقع لإطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة أو مهاجمة السفن.

لهذا يرى محدثي أن السيطرة الكاملة على المضيق تكاد تكون مستحيلة. تستطيع القوات الأميركية حماية الغالبية الساحقة من السفن العابرة، وربما منع 98 في المائة من الهجمات، لكن المشكلة تكمن في النسبة المتبقية. هذه النسبة قد تبدو ضئيلة عسكرياً، لكنها كبيرة اقتصادياً.

شركات التأمين لا تنظر إلى المسألة بالطريقة التي ينظر بها القادة العسكريون. حماية 98 سفينة من كل 100 قد تُعدّ نجاحاً عسكرياً كبيراً، لكن احتمال إصابة سفينتين يكفي لرفع أسعار التأمين أو دفع شركات الشحن إلى تجنُّب المنطقة. لهذا تستطيع إيران، حتى بعد خسارة جزء كبير من قدراتها العسكرية، التأثير على حركة التجارة العالمية.

إيران لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على المضيق، ولا إلى إغراق عشرات السفن. يكفي أن تبقى قادرة على تهديد سفينة من حين إلى آخر، حتى يبقى الخوف قائماً.

يمكن تدمير قواعد ومنصات صواريخ ومراكز قيادة، لكن من الصعب مراقبة كل نقطة على الساحل الإيراني، ومنع كل زورق صغير أو طائرة مسيَّرة أو صاروخ من الوصول إلى هدفه. من هنا يتحول مضيق هرمز من مشكلة عسكرية إلى مشكلة اقتصادية وسياسية دولية.

هناك أيضاً اختلاف في طبيعة الأهداف بين الولايات المتحدة وإسرائيل. الأخيرة تنظر إلى إيران باعتبارها تهديداً طويل الأمد، ولذلك تقوم فكرتها على ضرب القدرات الإيرانية كلما أُعيد بناؤها. تدمير المنشآت اليوم لا يمنع إيران من محاولة إعادة بنائها غداً.

الولايات المتحدة تريد نتيجة مختلفة. واشنطن تريد تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط والتفرغ بدرجة أكبر لمنافسة الصين في آسيا. لذلك تحتاج إلى إيران ضعيفة بما يكفي كي لا تضطر القوات الأميركية إلى العودة إلى حرب جديدة. لكن العمليات العسكرية ربما جعلت تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة.

الضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية أضعفت مراكز القرار. غير أن ذلك يخلق مشكلة أخرى: مع مَن يمكن التفاوض؟ ومن يستطيع داخل إيران اتخاذ قرار بوقف الهجمات على الملاحة وضمان تنفيذه؟

هنا تظهر المفارقة. القوة العسكرية تستطيع إضعاف الطرف الآخر، لكن إضعافه إلى درجة كبيرة قد يجعل التفاوض معه أكثر صعوبة. إذا لم تعد هناك قيادة قادرة على فرض قرارها، يصبح من الصعب استخدام الضغط العسكري لانتزاع تنازلات سياسية.

الحرب تفرض أيضاً ثمناً على القوات الأميركية. مراقبون عسكريون يحذرون من أن كثافة العمليات الجوية والبحرية تجاوزت المستويات التي تستطيع القوات المحافظة عليها لفترات طويلة. الطائرات تحتاج إلى صيانة، والسفن إلى إصلاح، والذخائر إلى تعويض. قد تنعكس هذه العمليات على جاهزية القوات الجوية والبحرية خلال السنوات المقبلة؛ خصوصاً إذا استمرت الحاجة إلى وجود عسكري كثيف حول الخليج ومضيق هرمز.

في المقابل، أظهرت الحرب قدرة القوات الأميركية على تنفيذ عمليات معقدة، بينها إنقاذ أحد أفراد طاقم طائرة أميركية أُسقطت فوق إيران. العملية احتاجت إلى تنسيق طائرات ومروحيات وقوات في منطقة شديدة الخطورة. كان نجاح الإنقاذ مهماً عسكرياً وسياسياً. وقوع عسكري أميركي في الأسر وظهوره على التلفزيون الإيراني كان يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط على واشنطن.

لكن ذلك لا يغير السؤال الأكبر: كيف تنتهي الحرب؟

بعد كل الضربات والخسائر، تبقى إيران قادرة على استخدام الجغرافيا لصالحها. مضيق هرمز يختصر هذه المعضلة؛ تستطيع الولايات المتحدة تدمير السفن والطائرات والصواريخ، لكنها لا تستطيع تغيير موقع إيران الجغرافي.

لهذا لا تحتاج طهران إلى الانتصار عسكرياً بالمعنى التقليدي. يكفي أن تحتفظ بقدرة محدودة على تهديد الملاحة حتى تبقى أسعار التأمين مرتفعة، وتظل شركات الشحن قلقة، ويبقى الاقتصاد العالمي تحت الضغط.

من هنا تبدو معركة هرمز مختلفة عن بقية الحرب. يقول محدثي إن النجاح العسكري يُقاس بعدد الأهداف التي دُمِّرت. أما النجاح الاستراتيجي، فيُقاس بما يحدث بعد ذلك. حتى الآن، يرى المراقبون الأميركيون أن الفجوة بين الاثنين لا تزال كبيرة. فالقوة نجحت في تدمير الكثير، لكنها لم تجد بعد الطريقة التي تحوِّل هذا التفوق العسكري إلى نهاية واضحة للحرب؛ خصوصاً ما دامت إيران قادرة على جعل مضيق هرمز نقطة ضغط يصعب تجاهلها.