الموسم الأخير "للحوم الكلاب".. أزمة تضرب المطاعم في كوريا الجنوبية

تستعد مطاعم ومزارع لحوم الكلاب في كوريا الجنوبية لتوديع آخر "وجبات الكلاب" الصيفية، وسط أزمة طاحنة وتراجع حاد في المبيعات، قبل بدء تطبيق الحظر الشامل النهائي على تربية وذبح وبيع لحوم الكلاب المخصصة للاستهلاك البشري في البلاد بحلول شهر فبراير/شباط 2027.
وتشير أحدث بيانات وزارة الزراعة والغذاء والشؤون الريفية الكورية الجنوبية إلى تحول تاريخي في الأزمة، حيث أُغلق أكثر من 80% من المزارع المعروفة والبالغ عددها 1500 مزرعة حتى مايو/أيار 2026، ليتبقى أقل من 300 مزرعة فقط قيد التشغيل في أنحاء البلاد.
وقال تقرير لموقع "ذا ستريتس تايمز" إن الحكومة الكورية الجنوبية أقرت، لإغراء المزارعين على إنهاء نشاطهم قبل الموعد النهائي المحدد رسميًا في فبراير 2027، حزمة حوافز تشمل تعويضًا ماليًا يصل إلى 600 ألف وون (نحو 425 دولارًا أمريكيًا) عن كل كلب، إلى جانب تقديم قروض منخفضة الفائدة وبرامج دعم متكاملة تشمل المساعدة في التحول الوظيفي وتوفير استشارات لإعادة التوظيف.

تحول عميق
وتعكس قصة الكلب "ديغاي" التحول العميق في النظرة الاجتماعية للمسألة، ففي عام 2015 تبنت الموسيقية الكورية الجنوبية "آني كو"، الجرو "ديغاي" وهو أصغر جراء مجموعة مكونة من 7 كلاب أُنقذت من قفص ضيق بمزرعة لتربية الكلاب في مدينة "وونغو" على بعد ساعتين من سيول.
وكانت منظمة "عالم إنساني للحيوانات" (Humane World for Animals)، التي تعمل بها آني كو قد ساهمت في إنقاذ نحو 2800 كلب من المزارع وإرسالها للتبني في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا، وكان ديغاي الجرو الوحيد من مجموعته الذي بقي داخل كوريا الجنوبية، حيث كان سينتهي به المطاف شبه المؤكد على منضدة الذبح.

وقالت كو إنها تناولت حساء لحوم الكلاب بدافع الفضول في شبابها، لكنها لم تعد ترى أي سبب لتناوله، مؤكدة: "تبني ديغاي كان أحد أفضل قرارات حياتي، وعندما أفكر في المزرعة التي أتى منها أتساءل: كيف يمكن لأي شخص أن يأكل هذا؟".


حساسية القضية
وعلى صعيد قطاع التجزئة والمطاعم، كشف أصحاب مطاعم وبائعو لحوم عن هبوط حجم الأعمال والتجارة إلى نحو ثلث ما كانت عليه في السابق.

وأكدت بائعة لحوم كلاب في سوق "جيونغدونغ" بسيول- وهو أحد الأماكن القليلة المتبقية لبيع هذا اللحم أن أسعار الكيلوغرام تضاعفت 3 مرات، متصاعدة من نحو ما يعادل 14 دولارًا أمريكيًا للكيلوغرام عام 2024 لتصل إلى نحو 42 دولارًا أمريكيًا حاليًا بسبب قلة المعروض وحساسية القضية.
وعبرت لي ديوك-سونغ، التي تدير مطعمًا لحساء لحوم الكلاب الشهير بـ"بوشينتانغ" بالقرب من سوق "دونغديمون" بسيول منذ 45 عامًا، عن حصرتها، واصفة موسم الصيف الحالي بـ"الفاشل".
وجرت العادة الكورية الجنوبية على تناول حساء "بوشينتانغ" خلال أشد ثلاثة أيام حرارة في الصيف والمعروفة بـ "بوكنال" أو "أيام الكلب"، والتي تصادف هذا العام أيام 15 يوليو، و25 يوليو، و14 أغسطس، لتكون هذه آخر مرة تحل فيها المناسبة قبل سريان الحظر القانوني الشامل.
وأوضحت لي أنها اضطرت لرفع سعر طبق الحساء من نحو 11 دولارًا أمريكيًا إلى نحو 42 دولارًا للوعاء الواحد بسبب ارتفاع التكلفة، قائلة وهي تشير لصينية لحم غير مبيعة: "بالكاد أستطيع تغطية نفقاتي اليومية، ولا أعلم ماذا سيحدث لي عندما يدخل الحظر حيز التنفيذ العام المقبل".

ورغم محاولة إدخال حساء لحم الماعز الأسود كبديل يتشابه في الملمس والنكهة القوية لحساء لحوم الكلاب، فإن الطبق الجديد لم يحظ بالشعبية المطلوبة.

وأشارت لي كيونغ-جا إلى أنها قد تغلق عملها نهائيًا مع سريان الحظر العام المقبل لأن بناء قاعدة زبائن جديدة للماعز الأسود أمر صعب في سنها، رغم استمرار بعض الزبائن القدامى والممارسين للطب الكوري التقليدي بالوصية بلحم الكلاب للمتعافين من الأمراض الخطيرة.

جذور تاريخية
وتشير السجلات التاريخية إلى أن استهلاك لحوم الكلاب في كوريا يعود على الأقل إلى عصر سلالة "جوسون"، حيث ورد في كتاب "دونغويبوغام" الطبي الصادر في القرن السابع عشر للطبيب الملكي "هيو جون" وصفه للحم بأنه غذاء "مدفئ" يجدد الحيوية.
وانتشرت الظاهرة بقوة خلال فترة الاستعمار الياباني (1910-1945) وأعقاب الحرب الكورية جراء الفقر ونقص الغذاء للبحث عن بروتين رخيص وسريع التكاثر.
واليوم، ينحسر استهلاك لحم الكلاب في كوريا الجنوبية مع التحول النظر إليها كحيوانات أليفة ومرافقة بدلًا من ماشية، بينما تستمر الممارسة في دول آسيوية أخرى مثل الصين وفيتنام وإندونيسيا وكوريا الشمالية.
وكانت العاصمة الإندونيسية جاكرتا قد حظرت بيع واستهلاك لحوم الكلاب في نوفمبر 2025 للحد من داء الكئب.
وفي المقابل، واصلت كوريا الشمالية دعم الظاهرة، حيث ذكرت صحيفة "رودونغ سينمون" الحكومية في 2 أغسطس/آب الجاري أن حساء لحم الكلاب من الأغذية المغذية للحر، وذلك بعد تنظيم بيونغ يانغ مسابقة لطهي الحساء شارك فيها 200 طاهٍ للارتقاء بالمعايير الطهوية للطبق.