نفاد مخزون الصواريخ الأميركية يفجّر خلافًا بين ترامب والبنتاغون
تتصاعد في واشنطن أزمة داخلية غير معلنة رسميًا، لكنها تتسرب تباعًا إلى وسائل الإعلام الأميركية والدولية، وتتعلق بنفاد مخزونات الجيش الأميركي من عدد من أهم منظومات الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية، بعد نحو خمسة أشهر من الحرب المستمرة مع إيران.
وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها في مواجهة مباشرة وحادة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث، خلال اجتماع لمجلس الوزراء في منتجع «كامب ديفيد» نهاية الأسبوع الماضي، وسط تبادل للاتهامات داخل أروقة البنتاغون ونفي رسمي قاطع من البيت الأبيض.
مواجهة كامب ديفيد
بحسب ما ذكرته صحيفة «واشنطن بوست» نقلًا عن مصادر مطلعة، فقد جرت المواجهة على هامش اجتماع مجلس الوزراء في «كامب ديفيد» يوم الجمعة الماضي، حين طالب ترامب وزير الحرب بتفسيرات واضحة حول أسباب النقص الحاد في الذخائر، بعدما كان يعتقد أن هذا الملف قد أُغلق وحُسم مسبقًا.
وأكدت مصادر أخرى، بحسب تقرير مماثل نشرته منصة إخبارية أميركية، أن هذه المواجهة تحديدًا وقعت خلال اجتماع الحكومة في المنتجع يوم 31 يوليو الماضي، حيث واجه ترامب هيغسيث مباشرة بشأن ما وصفه بـ«النقص الشديد في الذخائر» الذي بات يقيّد فعليًا قدرة الجيش الأميركي على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة إضافية.
وأوضحت المصادر أن هيغسيث، في مواجهته مع الرئيس، دافع عن نفسه ووجّه اللوم إلى نائبه، ستيفن فاينبرغ، متهمًا إياه بالتقصير في إطلاع ترامب بشكل كامل على حقيقة تدهور المخزون العسكري.
وتشير هذه الواقعة إلى تصدّع متزايد في العلاقة بين ترامب ووزير حربه، الذي كان من أبرز المتحمسين في البداية للتصعيد العسكري ضد طهران، وأقنع الرئيس سابقًا بأن الحرب ستكون قصيرة وسريعة الحسم نسبيًا.
وبحسب رواية أخرى، تصاعدت الأزمة عقب مكالمة هاتفية غاضبة بين ترامب ونائب وزير الحرب فاينبرغ، دفعت الأخير إلى عقد اجتماع أزمة طارئ ليلًا مساء الجمعة ضمّ كبار المسؤولين العسكريين ومسؤولي التسلح، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة.
وقيل إن ترامب ربط بشكل مباشر تراجعه عن توسيع العمليات القتالية بنقص المخزون، مهددًا بإقالة فاينبرغ في حال لم يتم التوصل سريعًا إلى حل عملي لمشكلة التزويد.
نفي رسمي حازم من البيت الأبيض والبنتاغون
في المقابل، نفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، وقوع أي مواجهة من هذا النوع، ووصفت التقارير بأنها «أخبار كاذبة بالكامل»، مؤكدة أن ترامب يثق ثقة تامة بوزير حربه.
كذلك نفى المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، أن يكون هيغسيث قد ضلل الرئيس بشأن وضع الذخائر أو ألقى باللوم على نائبه، واصفًا الحديث عن نضوب المخزونات والخلافات الداخلية وموقف الوزير من إيران بأنه محض تكهنات لا أساس لها.
وسبق لهيغسيث أن دخل، خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ في يوليو الماضي، في جدال مع أعضاء ديمقراطيين حول مدى صدقه في تقييماته للرئيس بشأن مخاطر الحرب المطولة على المخزون العسكري الأميركي، إذ رفض مناقشة تفاصيل نصائحه المباشرة لترامب، وحمّل إدارة الرئيس السابق جو بايدن مسؤولية أي نقص حاصل في الإمدادات.
أرقام مقلقة حول حجم الاستنزاف
أفادت «واشنطن بوست» بأن الولايات المتحدة أطلقت، في الشهر الأول من القتال فقط، أكثر من 850 صاروخ كروز من طراز «توماهوك»، إلى جانب أكثر من ألف صاروخ اعتراضي من طرازي «باتريوت» و«ثاد» المخصصين للدفاع الجوي والصاروخي، فضلًا عن استخدام أكثر من 1300 صاروخ باليستي تكتيكي تابع للجيش في الأسابيع الأولى من الحرب.
أما وكالة «رويترز»، فقد نقلت عن مصادر مطلعة على بيانات عسكرية داخلية أن الجيش الأميركي استنفد تقريبًا كامل مخزونه العالمي من صواريخ «أتاكمس» التكتيكية بعيدة المدى وصواريخ «PrSM» الأحدث والأكثر تطورًا، وهي منظومات يتجاوز سعر الصاروخ الواحد منها مليون دولار، وتُستخدم لضرب أهداف من مسافات آمنة دون تعريض الطيارين للخطر.
كما أوردت الوكالة أن الولايات المتحدة استهلكت ما يقارب نصف مخزونها العالمي من صواريخ «توماهوك» منذ بداية الحرب، وفق أحد المصادر، وإن لم تتمكن من التحقق المستقل من هذا الرقم.
وأشارت «رويترز» إلى أن انخفاض هذا النوع من الذخائر بالتحديد قد يدفع ترامب إلى الاعتماد أكثر على الغارات الجوية المأهولة الأكثر خطورة، في حال قرر استئناف الضربات الواسعة على إيران، بدلًا من الاعتماد على الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى.
وفيما يتعلق بمنظومات الدفاع الجوي، تفاوتت التقديرات بين المصادر. فقد أشار تقرير نقلته «واشنطن بوست» عن قناة «CNN» إلى أن الجيش الأميركي استنفد نحو 80% من مخزونه من صواريخ «ثاد» الاعتراضية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، واستخدم نحو نصف مخزونه من اعتراضيات «باتريوت»، استنادًا إلى مصدرين مطلعين على أحدث تقييمات الجرد.
في المقابل، قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، في تقرير سابق نُشر منتصف الأسبوع الماضي، أن الولايات المتحدة استنفدت نحو 65% من مخزونها من اعتراضيات «باتريوت»، وأن مخزون اعتراضيات «ثاد» تراجع بنسبة لا تقل عن 38% منذ بداية الحرب مع إيران، استنادًا إلى تحليل بيانات مفتوحة المصدر وبيانات الموازنة. وذكرت «رويترز» أن مصدرين أكّدا أن هذه الأرقام تتوافق إلى حد كبير مع البيانات الداخلية للجيش الأميركي.
كما نشر المركز ذاته تحليلًا لاحقًا، أواخر يوليو، أشار فيه إلى أن مخزون صواريخ «باتريوت» تراجع إلى أقل من ألف صاروخ، فيما بات مخزون «ثاد» في حدود 250 صاروخًا فقط، محذّرًا من أنه لا توجد بدائل جيدة لمنظومتي «باتريوت» و«ثاد» في مهمة الدفاع الصاروخي الباليستي، إذ إن سفن البحرية المزوّدة بصواريخ «ستاندرد» القادرة على اعتراض تهديدات مماثلة تكون غالبًا بعيدة جدًا عن مسرح العمليات.
وبحسب المركز، فإن استنزاف هذه الذخائر يخلق خطرًا في المديين القريب والمتوسط على جاهزية الولايات المتحدة لخوض أي مواجهة محتملة مع الصين في منطقة المحيط الهادئ الغربي، وهو ما انعكس، بحسب التحليل، في طلب إدارة ترامب تخصيص 95 مليار دولار للذخائر ضمن موازنة الدفاع للسنة المالية 2027، إلى جانب 21 مليار دولار أخرى ضمن طلب تمويل إضافي لتغطية تكاليف الحرب.
بطء وتيرة التعويض الصناعي
رغم إعلان واشنطن عن اتفاقيات إنتاج جديدة لبعض أهم الذخائر، مثل صواريخ «باتريوت»، إلا أن عملية تصنيع هذه الأسلحة قد تستغرق ما يصل إلى عامين كاملين، ما يعني عدم وجود أي حل سريع في الأفق لسد هذا العجز.
ويرى محللون أن هذه الفجوة الزمنية تعكس مشكلة بنيوية طويلة الأمد في القطاع الصناعي الدفاعي الغربي، إذ إن القدرة على تصنيع أسلحة موجهة معقدة وباهظة الثمن على نطاق واسع تراجعت بشكل ملحوظ منذ انتهاء الحرب الباردة، في ظل اعتماد متزايد على سلاسل توريد عالمية دقيقة ومتخصصة، خصوصًا في مجالي الإلكترونيات الدقيقة والوقود الصلب للصواريخ.
وأفادت شركة «رايثيون»، المصنّعة لصواريخ «توماهوك» ومنظومات «باتريوت» الاعتراضية، بأنها توصلت إلى اتفاق مبدئي متعدد السنوات مع البنتاغون يهدف إلى تعزيز وتيرة إنتاج «توماهوك»، إلى جانب زيادات مماثلة في إنتاج ذخائر أخرى، في وقت تسابق فيه واشنطن الزمن لإعادة بناء مخزوناتها.
رد فعل ترامب: نفي وتهديد بملاحقة «المسربين»
رفض الرئيس الأميركي بشكل قاطع وصريح كل ما تردد عن نقص خطير في المخزون العسكري.
وقال ترامب، في تصريحات لصحيفة «وول ستريت جورنال» ثم عبر منشور على منصته «تروث سوشيال»، إن الولايات المتحدة تملك من الذخائر أكثر من أي دولة أخرى في العالم، وأكثر بكثير مما تحتاجه فعليًا، مضيفًا أن شركات الدفاع تعمل حاليًا على تصنيع كميات قياسية من الذخائر يجري شحنها إلى الجيش حسب الحاجة، وأن هذه الشركات تشيّد في الوقت ذاته أكبر عدد من المصانع والمنشآت في تاريخ الولايات المتحدة.
كما شنّ ترامب هجومًا لاذعًا على من وصفهم بـ«مسربي» المعلومات المتعلقة بحالة المخزون العسكري، واصفًا تصريحاتهم بأنها «خيانة»، وأكد أن جهات الأمن تلاحق هؤلاء الأشخاص حاليًا، متعهدًا بالسعي لفرض أحكام سجن طويلة الأمد بحقهم إذا ثبتت إدانتهم.
من جهته، أكد مسؤول أميركي آخر لم يُكشف عن اسمه أن الجيش، رغم الاستخدام الكثيف للذخائر الدقيقة، لا يزال قادرًا على إعادة التزود، مشيرًا إلى أن القيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن قوات الشرق الأوسط تمكنت من إعادة التزويد من مخزونات عسكرية أميركية موزعة حول العالم.
كما نفى مسؤول أميركي آخر أن يكون قرار ترامب بعدم شن هجوم واسع إضافي على إيران مرتبطًا بنقص الذخائر، مرجعًا القرار إلى ضغوط مارستها دول عربية.
معركة الميزانية في الكونغرس
على الصعيد التشريعي، طلب وزير الحرب هيغسيث، إلى جانب نائبه فاينبرغ ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، من المشرّعين تخصيص تمويل عسكري إضافي بقيمة 67 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب مع إيران، ضمن موازنة دفاع إجمالية قياسية للسنة المالية المقبلة بلغت 1.5 تريليون دولار، تتضمن عشرات المليارات لبناء الصواريخ وتشمل أيضًا زيادة تفوق الضعف في الإنفاق على الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل. غير أن هذا المقترح تعثّر بفعل اعتراض النواب الديمقراطيين على حجم الزيادة الضخمة، ما يترك البنتاغون حتى الآن من دون خطة تمويل واضحة ومحددة لتجديد ترسانته من الأسلحة الحيوية.
تداعيات إقليمية ودولية
تحمل أزمة نفاد الذخائر الأميركية أبعادًا تتجاوز الساحة الأميركية الداخلية أو حتى مسرح العمليات في إيران. فقد أعربت دول حليفة لواشنطن عن قلقها من أن تراجع توافر منظومات الدفاع الجوي الأميركية قد يحد من قدرتها على التصدي لأي هجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة محتملة من إيران، خصوصًا إذا ما أصبحت هذه الدول أهدافًا في حال تصعيد أميركي إضافي.
كما تثير الأزمة مخاوف مماثلة لدى أوكرانيا، التي تعتمد بشكل كبير على منظومات الدفاع الجوي الغربية لصد الهجمات الروسية المستمرة، في ظل مخاوف من أن يضطر البنتاغون إلى إعطاء الأولوية لمخزوناته الاستراتيجية الخاصة على حساب الدعم المقدم لكييف.
وقد أفاد مصدر مطلع بأن مخزون صواريخ «أتاكمس» قصيرة المدى، التي تطلبها أوكرانيا أيضًا، شارف على النفاد التام تقريبًا.
وعلى صعيد اقتصادي أوسع، تنعكس حالة التوقف النسبي في التصعيد العسكري الأميركي ضد إيران على استقرار أسعار النفط العالمية، إذ تراقب دول مصدّرة ومستوردة للطاقة، من بينها نيجيريا وكينيا، تطورات التوتر في الشرق الأوسط باستمرار لتحديد أسعار الوقود المحلية، في ظل ترقب لأي تصعيد جديد قد يهدد إمدادات النفط الخام من منطقة الخليج.
وتكشف هذه السلسلة من التقارير المتقاطعة، رغم تباين بعض التفاصيل والأرقام بينها، عن أزمة حقيقية في جاهزية المخزون العسكري الأميركي بعد خمسة أشهر من الحرب مع إيران، وعن توترات داخلية متصاعدة بين البيت الأبيض والبنتاغون حول كيفية إدارة هذا الملف الحساس.
وبينما يواصل ترامب وإدارته النفي القاطع لوجود أي أزمة، ويؤكدون أن جهود إعادة بناء الترسانة الأميركية تسير بأقصى سرعة ممكنة، تشير تقديرات مراكز الأبحاث المستقلة إلى أن إعادة تعويض هذه الذخائر المتطورة قد يستغرق سنوات، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يترك هذا الاستنزاف الولايات المتحدة في موقف أقل استعدادًا لمواجهة أزمات مستقبلية محتملة مع قوى كبرى أخرى، مثل الصين وروسيا.