إعلانات ميتا تستغل الأطفال جنسيا بالذكاء الاصطناعي
كشف تحقيق جديد لمجلة وايرد أن منصة الإعلانات التابعة لشركة ميتا عرضت، على مدى الأشهر التسعة الماضية، عشرات الإعلانات المدفوعة التي تضمنت صورًا مولدة بالذكاء الاصطناعي تمثل استغلالًا جنسيًا للأطفال، وهو ما يتعارض مع تعهدات الشركة المتكررة بمنع هذا النوع من المحتوى. ووفقًا للتحقيق، بقي بعض هذه الإعلانات منشورًا حتى بعد إبلاغ الشركة بها بشكل مباشر.
وتأتي هذه القضية بعد أسابيع فقط من تحقيق أجرته بي بي سي، كشف أن إنستغرام كان يعرض إعلانات مدفوعة تروج لمواد استغلال جنسي للأطفال في الهند، وتقود المستخدمين إلى قنوات على تلغرام تبيع محتوى غير قانوني.
إعلانات وافقت عليها ميتا وحققت منها أرباحًا
عثر باحثون من مشروع Tech Transparency Project (TTP) على هذه الإعلانات داخل مكتبة إعلانات ميتا العامة، وهي المنصة التي أنشأتها الشركة لتعزيز الشفافية في الإعلانات.
وبحسب التحقيق، عُرضت الإعلانات بين نوفمبر 2025 وبداية أغسطس 2026، ووصلت إلى مستخدمين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأكثر من 12 دولة أوروبية، فيما وصل أحد الإعلانات وحده إلى أكثر من 2500 حساب داخل أوروبا.
وقالت مديرة المشروع كاتي بول لمجلة وايرد إن الصور لم تحاول إخفاء طبيعتها، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق بمنشورات نشرها مستخدمون، بل بإعلانات راجعتها ميتا بنفسها ووافقت عليها قبل تحصيل عائداتها الإعلانية.
وأضافت: "لم يكن هذا محتوى نشره المستخدمون، بل إعلانات قبلتها ميتا."
تطبيقات لتعرية الصور
قاد عدد من الإعلانات مباشرة إلى تطبيقات تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعرية الصور، من بينها تطبيق MaskAI، الذي أزالته آبل من متجرها بعد تنبيه من مجلة وايرد.
وفي تطور لافت، عثر الباحثون بدايةً على نحو 24 إعلانًا مخالفًا، ثم اكتشفوا قرابة 30 إعلانًا إضافيًا قبل ساعات فقط من نشر التحقيق، وكان عدد منها قد بدأ بالظهور بعد أن سألت وايرد شركة ميتا رسميًا عن القضية.
وأشارت كاتي بول أيضًا إلى أن بعض الإعلانات الجديدة كانت مطابقة تقريبًا لإعلانات سبق أن حذفتها ميتا بسبب المخالفة نفسها، ما يثير تساؤلات حول قدرة أنظمة الشركة على رصد المخالفات المتكررة.
كما أوضح التحقيق أن العديد من الحسابات المعلنة كانت تمتلك عددًا قليلًا جدًا من المتابعين أو لا تمتلك أي متابعين، وأن بيانات بعض المعلنين تشير إلى شركات صينية، بينها شركة كانت سابقًا وسيطًا إعلانيًا مع ميتا.
استخدمت ميتا في ردها عبارات مشابهة لما سبق أن صرحت به في قضايا مماثلة، ووصفت المحتوى بأنه "مروع"، وقالت إن معظم الإعلانات كان انتشارها محدودًا، مشيرة إلى اعتماد نظام جديد للكشف باستخدام الذكاء الاصطناعي، وإلى أنها أزالت 36 مليون مادة مرتبطة باستغلال الأطفال خلال العام الماضي.
سجل طويل من الإخفاقات
يرى التحقيق أن هذه ليست أول أزمة تواجهها ميتا فيما يتعلق بحماية الأطفال.
ففي عام 2017، كان فيسبوك يتعامل شهريًا مع أكثر من 50 ألف بلاغ يتعلق بالابتزاز الجنسي ونشر الصور الحميمية دون موافقة أصحابها، ما دفع الشركة إلى توظيف آلاف المشرفين الإضافيين على المحتوى.
وفي عام 2019، كشفت وثائق داخلية ظهرت لاحقًا أمام القضاء أن ميتا غيّرت طريقة مشاركة بيانات ماسنجر مع جهات إنفاذ القانون، وهو ما أثر في نحو 7.5 مليون بلاغ يتعلق باستغلال الأطفال.
وفي عام 2021، سربت الموظفة السابقة فرانسيس هاوغن أبحاثًا داخلية أظهرت أن الشركة كانت تعلم بأن إنستغرام يؤثر سلبًا في الصحة النفسية للفتيات المراهقات.
وفي العام نفسه، أرسل المهندس أرتورو بيخار رسالة مباشرة إلى مارك زوكربيرغ يبلغه فيها بأن ابنته تعرضت لتحرشات جنسية عبر إنستغرام.
وفي عام 2023، توصل تحقيق مشترك أجرته وول ستريت جورنال وجامعتا ستانفورد وUMass Amherst إلى أن خوارزميات إنستغرام كانت تربط بين حسابات يديرها متحرشون بالأطفال وتوصي بها للمستخدمين.
وشهد بيخار لاحقًا أمام مجلس الشيوخ الأمريكي بأن أدوات السلامة التي توفرها ميتا ليست سوى "واجهة شكلية"، ووصف أعضاء في المجلس تلك النتائج بأنها خطيرة، لكن لم تُفرض تشريعات ملزمة على الشركة، واستمرت ممارساتها دون تغييرات جوهرية.
غرامة بقيمة 375 مليون دولار
امتدت القضايا إلى خارج الكونغرس أيضًا، إذ رفعت المدعية العامة لولاية نيومكسيكو دعوى ضد ميتا بعد تحقيق سري أنشأ حسابًا مزيفًا لطفلة تبلغ 13 عامًا، ليتلقى الحساب فورًا عروضًا ورسائل جنسية من بالغين.
وانتهت القضية في مارس 2026 بإلزام هيئة المحلفين شركة ميتا بدفع 375 مليون دولار، بعدما رأت أنها عرضت الأطفال للخطر وضللت الرأي العام.
وأظهرت شهادات خلال المحاكمة أن اعتماد الشركة المتزايد على الإشراف المدعوم بالذكاء الاصطناعي أدى إلى تدفق بلاغات منخفضة الجودة، ما صعّب عمل جهات إنفاذ القانون في التحقيق بالقضايا الحقيقية.
ويرى التحقيق أن هذه الغرامة كان ينبغي أن تشكل إنذارًا واضحًا، لكن المشكلة لا تزال قائمة بسبب ضعف تطبيق سياسات المنصات الرقمية.
هل أخفقت ميتا... أم اختارت ألا تعالج المشكلة؟
يختتم التحقيق بالقول إن وصف ما يحدث بأنه "إخفاق متكرر" قد يمنح ميتا عذرًا أكثر مما تستحق.
فبحسب التقرير يتكرر السيناريو نفسه في كل مرة: يكتشف باحثون أو صحفيون محتوى مخالفًا، فتزيله الشركة بعد انكشاف الأمر، ثم تستشهد بأرقام ضخمة عن المحتوى الذي حذفته لإثبات جديتها، قبل أن تتكرر المشكلة مجددًا.
وبعد ما يقارب عقدًا من الحوادث المتشابهة، ومع وجود مؤشرات على أن أنظمة ميتا قادرة على التعرف إلى المخالفات المتكررة دون اتخاذ إجراءات فعالة، يرى التحقيق أن الشركة ربما خلصت إلى أن تكلفة اكتشاف هذه المخالفات أقل من تكلفة إصلاح النظام بالكامل.
ويؤكد التقرير أن المستخدمين لا يحتاجون إلى بيانات جديدة تؤكد أن الشركة "تأخذ الأمر على محمل الجد"، بل إلى نظام يمنع وصول هذا المحتوى من الأساس. وحتى يتحقق ذلك، ستظل التعهدات المتكررة، بحسب التحقيق، مجرد وعود تنتظر أن ينقضها تحقيق جديد.