استحالة الحل مع إسرائيل متطرفة
إذا كان هناك جانب إيجابي واحد لتبعات هجوم «طوفان الأقصى» يمكن القول إنه قابل للفهم وللقبول به، على صعيد فلسطيني، فهو يتمثل في إثبات، ومن ثم تثبيت، حقيقة أن السلام مستحيل مع إسرائيل ما دام بنيامين نتنياهو في الحكم، وما بقيت قوى التطرف «الصهيوديني» ممسكة بزمام إدارة أي حكومة في تل أبيب، سواء الراهنة، أو الآتية بعدها. عدا ذلك، لم يترتب على كارثة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أكرر؛ فيما يخص مواطني قطاع غزة أولاً، يليهم فلسطينيو الضفة الغربية، سوى المزيد من ضياع الأرض، والمزيد من تشتت شمل العائلات، والمزيد من استشراس المستوطنين في قضم مزيد من الأراضي لبناء جديد المستوطنات، فضلاً عن إشعال الحرائق في مزارع وبيوت الفلسطينيين. نعم؛ يحق لمن يرى غير ذلك أن يجهر بالاعتراض، إنما ليس مقبولاً فرض الاقتناع بما يسمى «مكاسب» تغير الرأي العام العالمي، ولو بنسبة مائة وثمانين درجة، أو غير ذلك مما قد يُقال بغرض تخفيف وقع الكارثة. كلا؛ معاناة وتضحيات الغزيين تحديداً، ومواطني جنين، والخليل، ونابلس، وغيرها، لا يمكن تعويضها بما يوصف «مكاسب سياسية».
ضمن سياق ما سبق، يمكن القول إن قرار حركة «حماس» القبول بنزع السلاح، وفق إعلانها الصادر يوم الجمعة الماضي، هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولو أنها تأخرت كثيراً، وهو ما يوظفه المُخادِع نتنياهو جيداً كي يبرر التنصل من الاستمرار في تطبيق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذات العشرين بنداً. لقد كان الأولى بقيادات حركة «حماس»، تليها قيادات حركة «الجهاد الإسلامي»، أن تُحكِّم العقل مباشرة بعدما «وقع الفأس في الرأس»، وفق المثل الفلسطيني الشائع بين الناس، أي خلال الأسابيع الأولى لما بعد وقوع هجوم السابع من أكتوبر، واتضاح إلى أي مدى سوف تذهب إسرائيل «الصهيودينية» في وحشية ردها، خصوصاً إزاء أهل قطاع غزة تحديداً. لو حصل تحكيم للعقل على هذا النحو لما كان ضرورياً التعامل مع ملف الرهائن كأنما هو فصول مسرحية، ينتهي فصل ليبدأ التفاوض على آخر، بينما يتواصل الرد الوحشي، فيستمر القتل، والتدمير، ويُستأنف التهجير، بقصد فرض أمر واقع جديد على الأرض.
يوم الجمعة الماضي استبشر كثيرون خيراً حين سارع الرئيس ترمب نفسه إلى الترحيب بقرار «حماس» نزع سلاحها، خصوصاً حين عدّه «خطوة هائلة»، لكن نتنياهو الذي يراقب مواقف ترمب إزاء حرب إيران، وربما يلمس مدى ترقب الرئيس الأميركي لما سوف تسفر عنه نتائج الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، سارع يوظف منهج المراوغة لكي يفشل أي تفاؤل بحلحلة الموقف على جبهة قطاع غزة. مع ذلك، يبقى الأمل في أن يدرك الرئيس ترمب نفسه أن نتنياهو والفريق المتحالف معه في حكومته لن يقدموا مصالح «الحزب الجمهوري» على مصالح أحزابهم الانتخابية في إسرائيل، فيتخذ خطوة حاسمة فعلاً تجبر تل أبيب على الانصياع للموقف الأميركي، وتثبت أن استحالة الحل يمكن إزاحتها من الطريق، حتى لو بقي نتنياهو وفريق التطرف «الصهيوديني» في الحكم بعد الانتخابات البرلمانية في أكتوبر المقبل.