صناعة التشريع بين ثبات الدولة وتخبط المرحلة: رسالة إلى المشرع الأردني

ليس الفقر ولا التحديات السياسية ولا الأزمات الاقتصادية العابرة هي المهدد الأكبر لاستقرار المجتمعات ورسوخ الدول بل إن الخطر الصامت الأشد نكلا ببنيان الدولة يكمن في التخبط التشريعي فالقانون في فلسفته وجوهره لم يوجد ليكون أداة تجريبية تعدل وفق بوصلة اليوم والمواقف الطارئة بل أوجد ليكون صمام أمان وثبات يرسخ قواعد العدالة ويبني بيئة آمنة يطمئن إليها المواطن والمستثمر والقاضي والمحامي على حد سواء
لكن المشهد التشريعي الذي نعيشه اليوم بات يشكل حالة من الإرهاق الوطني الشامل فلا نكاد نستقر على قانون أو نعتاد العمل بنص تشريعي حتى يعاجله تعديل جديد ثم تعديل على التعديل في دورة غير مستقرة أربكت القضاء وسلبت المحامي قدرته على الاستقرار على مبدأ قانوني راسخ كما أدخلت هذه الفوضى المواطن في حيرة حول حقوقه والتزاماته وأرسلت إشارات مقلقة للمستثمر الذي لا يبحث عن تسهيلات وقتية بقدر ما يبحث عن الاستقرار والنفاذ التشريعي فالقوانين المتقلبة تجعل التخطيط الاقتصادي رهانا مخاطرا ورأس المال يحتاج أرضا صلبة لا رمالا تشريعية متحركة
وهنا نتوجه بالخطاب المباشر والصريح إلى المشرع الأردني وإلى مجلس النواب وإلى كافة أركان المطبخ القانوني والدواوين التشريعية في الدولة إنكم حين تجلسون لصياغة نص تشريعي أو التصويت عليه يجب أن تضعوا نصب أعينكم مصلحة دولة بكل ما تعنيه الكلمة من ديمومة ومستقبل واستقرار لا مصلحة حكومة غادرت أو قادمة ولا حسابات أحزاب أو تكتلات تبحث عن مكاسب مرحلية أو شعارات انتخابية براقة الحكومات تتغير والبرلمانات تتبدل والتكتلات السياسية تتشكل وتتفكك لكن التشريع يبقى شاخصا يبني في جسد الوطن أو يهدم فيه
إن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد التشريعات الصادرة أو سرعة إنجازها بل بمدى رصانتها وجودة صياغتها وقدرتها على الصمود أمام الزمن فما نراه من نصوص متناقضة أو فضفاضة تقر عجلا تحت ضغط الاستعجال السياسي أو الفني ليس إلا نتاج إسناد الصياغة لغير أهل الاختصاص والتعمق الحقوقي وغياب دراسات الأثر التشريعي الحقيقية قبل الشروع في التعديل
لقد آن الأوان لنهج تشريعي ناضج نهج يضمن للمؤسسة القضائية استقرار اجتهاداتها وللمحامي عمق أسانيده وللمواطن ثقته في دولة المؤسسات والقانون وللاقتصاد بيئته الجاذبة المستقرة إننا بحاجة ماسة إلى مأسسة دقيقة لعملية الصياغة التشريعية تشرك العقول الحقوقية والأكاديمية والخبرات القضائية الميدانية وتفرض مهلا زمنية وحظرا على تعديل القوانين المفصلية إلا في أضيق الحدود ولضرورات ملحة مسببة
إن جودة الدولة تستمد من جودة قوانينها وثباتها وحين يتحول القانون من ملجأ آمنا إلى مصدر قلق وتغيير مستمر تفقد العدالة هيبتها ويفقد الإصلاح معناه فلنجعل من صناعة التشريع في الأردن عنوانا لرزانة الدولة ومستقبل أجيالها بعيدا عن الاستعجال والمجاملات والمصالح الضيقة