أزمة سبتة بين الواقع والتأويل… لماذا يندفع عشرات الآلاف من المغاربة نحو الهجرة؟
في أكبر موجة هجرة جماعية عرفتها الحدود المغربية الإسبانية في التاريخ الحديث؛ "درج” تابع من سبتة والفنيدق ما جرى؛ عبر شهادات العابرين، خلفيات الأزمة، القراءات السياسية والحقوقية، الروايات الرسمية للجانبين، وحلّل التقارير والأرقام التي تكشف لماذا يخاطر آلاف المغاربة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفّة الأخرى.
في الأسبوع الماضي تحوّلت مدينة الفنيدق شمال المغرب، وهي أقرب مدينة مغربية إلى الحدود مع سبتة، إلى بؤرة أكبر أزمة هجرة بين المغرب وإسبانيا؛ حيث أصبحت نقطة تجمّع لآلاف الأشخاص القادمين من مختلف أنحاء البلاد بهدف واحد: الوصول إلى الأراضي الإسبانية، سواء عبر المعبر البرّي أو سباحةً عبر البحر.
ولم يقتصر الوافدون على مناطق الشمال، بل قدم كثيرون بعد رحلات امتدّت مئات الكيلومترات من مدن مثل الدار البيضاء وطنجة، بعدما انتشرت أخبار تفيد بأن الحدود أصبحت شبه مفتوحة أمام الراغبين في العبور.
فرصة استثنائية: "اعتقدنا أننا قد ننجح نحن أيضاً”
يوم الخميس الماضي، بدا أن الوصول إلى سبتة أصبح ممكناً بالنسبة إلى الكثيرين، غير أن المشهد تبدّل بالكامل يوم الجمعة، عندما دفعت السلطات المغربية بقوّات أمنية كبيرة مزوّدة بمعدّات مكافحة الشغب، والغاز المسيل للدموع، وشاحنات مزوّدة بخراطيم المياه، لتفريق الحشود وإبعادهم عن الحدود.
ولم تقتصر تدخّلات الأجهزة الأمنية على الطرق الرئيسية ومنافذ العبور، بل شملت أيضاً حملات تمشيط في التلال والمناطق الجبلية القريبة، حيث كان عدد من الأشخاص يختبئون أو ينتظرون فرصة جديدة للاقتراب من الحدود.
وكان الهدف إخلاء المنطقة بالكامل ومنع أيّ محاولات جديدة للوصول إلى سبتة، ولكن وفي الوقت نفسه، وبينما كانت الشرطة تدفع الراغبين في العبور إلى الداخل المغربي، شهد الاتّجاه المعاكس حركة واسعة، إذ عاد آلاف الأشخاص الذين تمكّنوا من دخول سبتة إلى المغرب.
وما تزال آثار المواجهات واضحة على الطريق المؤدّي إلى المدينة، حيث تنتشر عشرات المركبات المحترقة، والحجارة المبعثرة على الإسفلت، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالطريق وبقايا مواد استُخدمت خلال أعمال الشغب.
وتختزل هذه المشاهد حجم التوتّر الذي طبع الليالي الماضية، منذ يوم الثلاثاء الماضي، وما رافقها من تدخّلات أمنية واشتباكات مع بعض المجموعات المحتشدة، كما تعكس تصاعد حجم الانتشار الأمني يوماً بعد آخر، بعدما بدا في البداية غير كافٍ لاحتواء الأعداد الكبيرة من الوافدين.
ويؤكّد كثير ممّن يوجدون اليوم في الفنيدق أنهم قرّروا التوجّه إلى الحدود بعد مشاهدة مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، زُعم من خلالها أن الحدود مفتوحة، وأظهرت أشخاصاً نجحوا في دخول سبتة خلال الأيّام السابقة.
وغذّت هذه المقاطع الاعتقاد بوجود "فرصة استثنائية” للوصول إلى الأراضي الإسبانية، فكان مجرّد احتمال النجاح، مهما بدا ضئيلاً، كافياً للدفع بالكثيرين إلى خوض الرحلة؛ ويردّد عدد من العائدين الفكرة نفسها: "رأينا أن آخرين تمكّنوا من العبور، فاعتقدنا أننا قد ننجح نحن أيضاً”.
ولكن بعد ذلك، أعرب كثيرون عن خيبة أملهم بعدما وجدوا في سبتة أوضاعاً مختلفة تماماً عمّا توقّعوه؛ الجوع والعنصرية حتى من بني جلدتهم المغاربة، ويؤكّدون أن الطعام كان شحيحاً، وأن الظروف كانت بالغة الصعوبة، إذ اضطرّ كثير منهم إلى قضاء الليل في العراء ومن دون أيّ موارد، في وقت أغلقت فيه غالبية المتاجر أبوابها. ويقول أحد الشبّان: "لم نجد حتى الطعام”.
العودة طواعيةً أو قسراً!
أمام استحالة البقاء في تلك الظروف، قرّر عدد كبير من المهاجرين العودة إلى المغرب طواعيةً، بعدما لم تستغرق رحلتهم إلى سبتة سوى ساعات قليلة. ومع ذلك، يؤكّد بعضهم أنهم قد يحاولون العبور مجدّداً في المستقبل، معتبرين أن عودتهم الحالية لا تعني التخلّي نهائياً عن حلم الهجرة، بل مجرّد تراجع مؤقّت فرضته الظروف التي واجهوها على الجانب الآخر من الحدود.
وعكست الحدود يوم الجمعة المنصرم، ثلاثة مشاهد متزامنة؛ عمليّات الإخلاء التي نفّذتها الشرطة المغربية، وعودة آلاف الأشخاص من سبتة إلى المغرب، وتحوّل مدينة الفنيدق إلى نقطة تجمّع لعشرات الآلاف من الأشخاص.
ففي الشوارع ومداخل المدينة، حاول آلاف العائدين إيجاد وسيلة للعودة إلى مدنهم وقراهم، بعدما غادرها كثير منهم على عجل في اليوم السابق إثر انتشار أخبار عن إمكانية العبور إلى سبتة. بعضهم لم يتمكّن من الوصول إلى المدينة، فيما دخلها آخرون ثم عادوا بعد وقت قصير. أما الآن، وبعد الإنهاك الذي أصابهم، فقد أصبحت أولويتهم الوحيدة هي العودة إلى منازلهم.
وتبدو علامات التعب واضحة على الوجوه، كما تخيّم عليهم حالة من عدم اليقين؛ فما زال بعضهم يأمل في أن تتاح فرصة جديدة لعبور الحدود، بينما استسلم آخرون لفكرة العودة إلى ديارهم.
ويعكس هذا المشهد البعد الإنساني للأزمة؛ نساء وأطفال وبالغون أنهكهم الانتظار، يحملون القليل من المتاع، ويتمسّكون بأمل قد لا يتحقّق. ويجمع كثيرون على شعور واحد يتكرّر بينهم، وهو فقدان الثقة في إمكانية بناء مستقبل داخل المغرب.
فبالنسبة إلى عدد منهم، لا تمثّل سبتة مجرّد وجهة للهجرة، بل مخرج يائس من واقع يفتقر إلى الفرص، ما يدفعهم إلى اغتنام أيّ احتمال، مهما كان ضئيلاً أو محفوفاً بالمخاطر، أملاً في بدء حياة جديدة على الضفّة الأخرى من الحدود.
وبعد عودتهم إلى الأراضي المغربية، وجد كثيرون أنفسهم عالقين بسبب غياب وسائل النقل، فتجمّعوا عند المدارات الطرقية وعلى الطرق المؤدّية إلى خارج الفنيدق، ينتظرون لساعات طويلة رافعين أيديهم طلباً لإيصالهم، أو يحاولون الصعود إلى شاحنات قد تقرّبهم، ولو نسبياً، من مدنهم وقراهم.
ويختزل هذا المشهد النهاية المؤقّتة ليوم اتّسم بالتوتّر والإحباط؛ أشخاص وصلوا إلى الفنيدق وهم يأملون في دخول سبتة، فإذا بهم ينتهون عالقين، منهكين، ومن دون طعام، يبحثون عن أيّ وسيلة تعيدهم إلى منازلهم، فيما كان الهدوء على الأرض ما زال هشّاً وقابلاً للانفجار في أيّ لحظة.
الفردوس الموعود
قبل أيّام قليلة، غادر علي منزله مدفوعاً باليأس ورغبة عارمة في الهروب من الفقر الذي لازمه طوال حياته؛ انطلق من مدينة الجديدة، القريبة من الدار البيضاء، متّجهاً إلى الفنيدق، آخر مدينة مغربية قبل الحدود مع سبتة. وفي يوم الخميس الماضي، وللمرّة الأولى، وطئت قدماه الأراضي الإسبانية بعدما تمكّن من عبور الحدود برّاً.
غير أن فرحة علي بتحقيق حلم لطالما تخيّله بوصفه "الفردوس الموعود” لم تدم طويلاً؛ إذ كان علي، وهو شابّ في العشرينات من عمره، من أوائل نحو ستين ألف شابّ دخلوا مدينة سبتة خلال ساعات قليلة، قبل أن يُعاد فوراً إلى المغرب في إطار ما يُعرف بعمليّات "العودة السريعة” أو "العودة الساخنة”.
نقله عناصر الحرس المدني الإسباني إلى المغرب بعد ظهر اليوم نفسه، ثم أعادته السلطات المغربية إلى مدينة الجديدة، "لم أكن لأنتهي عند هذا الحدّ”، يقول علي لـ”درج”.
ولذلك عاد مجدّداً إلى الطريق نفسه، ومن الجديدة سافر إلى طنجة بالقطار، ومن هناك قطع رحلة استغرقت 16 ساعة سيراً على الأقدام من طنجة حتى سبتة، حسب روايته.
بالنسبة إليه، كان المحاولة تستحقّ العناء؛ فقد تمكّن مرّة أخرى من دخول الأراضي الإسبانية، ويحاول الآن البقاء فيها، "عليّ أن أواصل، لا أستطيع العودة إلى المغرب، أنا بحاجة إلى العمل”، يوضح علي لهذه المنصّة.
وعلى خلاف كثيرين ضمن الـ60 ألف شخص الذين دخلوا جيب سبتة، -وفق أرقام السلطات الإسبانية- ثم قرّروا العودة بعد موجة العبور الجماعي، يصرّ علي على الصمود والبقاء في أوروبا. وعلى الضفّة الأخرى من مضيق جبل طارق، في مالقة، ينتظره شقيقه حسن، الذي يعيش ساعات من القلق بعدما فقد علي هاتفه أثناء عبور الحدود. ومنذ ذلك الحين، لم يفارق حسن هاتفه، مترقّباً مكالمة من رقم مجهول، على أمل أن يكون شقيقه هو المتّصل.
ساعات من السباحة
إذا كان هناك من يعرف هذه الطريق جيّداً، فهو حسن نفسه؛ حيث قرّر قبل سنوات مغادرة منزله والسفر إلى الأرض التي كان يعتقد أن "كل شيء فيها سيكون أسهل”، حسب ما يرويه لـ”درج” من مدينة مالقة الأندلسية.
يتذكّر حسن أنه ما إن وصل إلى الفنيدق حتى نزل إلى البحر مع الشابّ الذي تعرّف عليه في المدينة الحدودية، مستغلّين حلول الظلام، وهما يرتديان بدلات غوص لمحاولة قطع المسافة الفاصلة بين شاطئي الفنيدق وسبتة، التي تبلغ نحو خمسة كيلومترات في خطّ مستقيم.
لكنّ الصديقين افترقا سريعاً؛ إذ انحرف أحدهما قليلاً عن المسار، ليقع في قبضة الحرس المدني الإسباني الذي أعاده إلى المغرب، بينما واصل حسن طريقه.
يسرد حسن ذلك الموقف بتأثّر شديد: "كان هناك كثير من الناس في الماء يستغيثون ويطلبون النجدة… لكنّني كنت وحدي، ولم أكن قادراً على فعل أيّ شيء”، كان عمر حسن آنذاك أقلّ من ثمانية عشر سنة.
ويُعدّ هذا المسار البحري من أكثر الطرق التي استخدمها الشبّان خلال الأيّام الأخيرة للوصول إلى سبتة، لكنّها طريق شديدة الخطورة، إذ إن تيّارات مضيق جبل طارق قد تكون قويّة، وغالباً ما تحوّل رحلة سباحة لا تتجاوز ثلاثة كيلومترات إلى مسافة أطول بكثير. وعندما وصل أخيراً إلى اليابسة في سبتة، حيث كان ينتظره أحد أصدقائه، كان قد أمضى سبع ساعات كاملة في البحر وقطع نحو 14 كيلومتراً.
بين الحلم والواقع… الحقيقة أكثر تعقيدًا!
على اليابسة، وبعد وصوله تمكّن حسن من التواصل مع عائلته، فكان أوّل ما سمعه منهم: "الحمد لله أنك لم تمت”، بعدئذٍ أمضى حسن بضعة أسابيع في مركز لإيواء القاصرين بمدينة سبتة، قبل أن ينتقل للعيش في ظروف قاسية داخل مزرعة بمدينة هويلفا، حيث اشتغل في جني الفواكه الحمراء، وبفضل تدخّل أحد المشرفين الاجتماعيين الذين رافقوه في سبتة، وتواصله مع منظّمات حقوقية، تمكّن من الانتقال إلى شقّة في مالقة يتقاسمها مع شبّان آخرين هاجروا بمفردهم.
ينتظر حسن اليوم قبولَ طلب تسوية وضعه القانوني، حتى يتمكّن من العمل في شركة لتركيب ألواح الطاقة الشمسية، حيث سبق أن أجرى تدريباً مهنياً.
حسن وعلي ليسا سوى مثالين من بين آلاف الشباب الذين يغادرون المغرب وهم يعتقدون أن الحياة في أوروبا أسهل، فالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المغرب هي كذلك ليست سهلة.
ويوضح حسن: "كنّا نظنّ أن كل شيء سيكون سهلاً، لكنّ الأمر ليس كذلك”، حيث يشتكي من "العنصرية” التي يواجهها في إسبانيا، ومن صعوبة بناء حياة مستقرّة دون دعم المؤسّسات الاجتماعية والمنظّمات الحقوقية، "أنا ممتنّ جداً لهم، فهم كل شيء بالنسبة لي”، يقول حسن.
من سبتة، اعتبرت الناشطة الحقوقية نور العمارتي في منشور عبر حسابها على إنستغرام، أن "ما يجري على الحدود يمثّل واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في هذا القرن، وأن آلاف الأشخاص تُركوا من دون غذاء أو رعاية طبّية، رغم تعرّض كثير منهم للإغماء والإصابات والإنهاك بعد ساعات طويلة من السير”.
وترى أن "غياب الإغاثة على جانبي الحدود يرقى إلى جريمة ضدّ الإنسانية، وأن المأساة لا تقتصر على لحظة الوصول، بل تمتدّ أيضاً إلى رحلة العودة”.
سبتة تستعيد هدوءها بحذر!
"لم تستعد سبتة بعدُ حياتها الطبيعية”، بهذه العبارة لخّص رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس الوضع في المدينة يوم السبت الماضي، مضيفاً أنه "ما زال في سبتة عدّة آلاف من الأشخاص الذين ينبغي إعادتهم”.
وجاءت تصريحاته خلال زيارة رئيس الحزب الشعبي الإسباني ألبرتو نونييث فييخو، الذي انتقل إلى المدينة للاطّلاع ميدانياً على تداعيات أحدث أزمة هجرة.
وبحسب المصادر التي تحدّثت إلى "درج”، فإن الأولوية الحالية تتمثّل في إعادة من تبقّى من المهاجرين، بعدما عاد "طوعاً” الكثيرون إلى المغرب، إلا أن التقديرات الرسمية تشير إلى أن نحو 5 آلاف شخص ما زالوا يتجوّلون في أنحاء مختلفة من المدينة.
وتراهن السلطات على أن يؤدّي الانتشار الأمني والعسكري، إلى جانب الجوع والإرهاق وما تصفه برفض جزء من سكّان سبتة وجودهم، واعتدى عليهم جزء آخر؛ إلى دفع هؤلاء المهاجرين للعودة إلى المغرب. لكنّها تقرّ بأن هذا السيناريو ينطبق فقط على من لهم أسر أو جذور داخل المغرب، بينما يظلّ مصير الآخرين، خصوصاً القادمين من بلدان إفريقية أخرى، موضع تساؤل.
ويتركّز هؤلاء، ومعظمهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في محيط مركز الإقامة المؤقّتة للمهاجرين (CETI)، الذي اكتملت طاقته الاستيعابية ولم يعد يستقبل وافدين جدداً.
وتحوّلت التلال والشاطئ المحاذي للمركز إلى أماكن يقيم فيها مئات الأشخاص بلا مأوى أو وجهة، تحت مراقبة مشدّدة من عناصر الشرطة الوطنية، لا سيّما بعد محاولة عشرات المهاجرين، ليلة الجمعة- السبت، اقتحام المركز بالقوّة.
وكرّر فيفاس، كما فعل خلال زيارة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الجمعة، ضرورة "توفير كل الوسائل الفعّالة لضمان استكمال إعادة جميع من دخلوا المدينة بصورة غير نظامية خلال الأيّام الماضية”.
وأكّد أن استعادة "الأمن والطمأنينة، لن يتحقّقا إلا بعد اختفاء مشاهد تجوّل المهاجرين في المدينة”، وبينهم هذه المرّة عدد كبير من الفتيات.
ورغم أن المدينة بدأت تستعيد تدريجياً إيقاعها المعتاد مع إعادة فتح المتاجر وعودة الحركة إلى الشوارع، فإن مشاهد انتشار الجيش ما زالت حاضرة، إذ يواصل الجنود حراسة المتاجر الكبرى وتطويق أجزاء من وسط المدينة لمنع استقرار أيّ شخص يُعتقد أنه من المهاجرين.
وعادت الشوارع تمتلئ بالمتسوّقين وروّاد المقاهي، كما عاد بعض السكّان والسيّاح إلى شاطئي "ريبيرا” و”تشوريّو” هرباً من حرارة الصيف، رغم أن آثار الأزمة ما تزال واضحة، من أحذية وعوّامات تركها المهاجرون، إلى جانب وجود بعضهم في المنطقة.
لكنّ أحاديث السكّان ما زالت تدور حول ما عاشته المدينة، مؤكّدين أن ما حدث "لا يشبه إطلاقاً أزمة أيّار/ مايو 2021”. ويعبّر كثير منهم عن شعور بأنهم "رهائن في يد طاغية المغرب”، في إشارة إلى الملك محمّد السادس، الذي يتّهمونه بـ”اللعب بحياة البشر”، وهو خطاب يتناقض مع موقف وزير الداخلية الإسباني الذي شدّد على متانة العلاقات مع المغرب، واصفاً إيّاه بأنه "شريك موثوق بحقّ”.
ولا يفهم كثير من سكّان سبتة، ولا رئيس الحزب الشعبي ألبرتو نونييث فييخو، كيف "لم ينتبه أحد في المغرب”، كما يقولون بسخرية، إلى تجمّع آلاف الأشخاص في مدينة الفنيدق؛ استعداداً لعبور الحدود نحو سبتة، مشيرين إلى أن "الكثير منهم قدموا سيراً على الأقدام من مدن مغربية أخرى مثل تطوان”.
وفي هذا السياق، طالب فييخو الحكومة الإسبانية بتوضيح "سبب عدم تحرّكها”، معتبراً أنه "من المستحيل ألا تكون السلطات على علم مسبق بالعبور الجماعي”، وقال: "كان هذا التهديد معروفاً”، لكنّ وزير الداخلية فرناندو غراندي- مارلاسكا نفى ذلك بشكل قاطع، مؤكّداً أنه "لا يوجد أيّ تقرير بشأن ما حدث”.
واعترفت مصادر حكومية بأن الوضع "تغيّر فجأة يوم الخميس”، إذ تحوّلت زيادة أعداد المهاجرين الذين يعبرون سباحة إلى ما وصفه فيفاس بـ”الغزو”، بعدما دخل أكثر من 60 ألف شخص إلى مدينة لا يتجاوز عدد سكّانها 80 ألف نسمة.
غير أن مارلاسكا أكّد أن السلطات "تمكّنت من احتواء الأزمة خلال 24 ساعة”، وذلك قبل مغادرته سبتة عائداً إلى مدريد، منتقداً ما وصفه بالمواقف "الأنانية وغير المتضامنة وغير المسؤولة، لبعض الدول، وفي مقدّمتها إيطاليا”.
وأضاف وزير الداخلية: "لقد تجاوزنا هذه الأزمة بمفردنا، بالتعاون مع المغرب”، وهو تصريح يتناقض مع شعور كثير من سكّان سبتة الذين انتقدوا تأخّر نشر القوّات الأمنية والعسكرية، وما اعتبروه "تقاعساً مغربياً عند المعبر الحدودي”.
في السياق ذاته، أعرب العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس، عن "قلقه واستيائه الشديدين” إزاء الأحداث التي شهدتها مدينتا سبتة ومليلية، مؤكّداً أن "الدولة يجب أن تحرص على أمن المدينتين وأن تمنع تكرار ما حدث”.
وبحسب رسالة نشرها القصر الملكي الإسباني، السبت، أجرى الملك خلال الأيّام الماضية سلسلة اتّصالات مع رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، وزعيم المعارضة ألبرتو نونييث فييخو رئيس الحزب الشعبي، إلى جانب رئيسي مدينتي سبتة ومليلية للاطّلاع على تطوّرات الأزمة.
وشدّد فيليبي السادس على ضرورة اتّخاذ جميع التدابير اللازمة لإيصال "رسالة موحّدة وواضحة وحازمة إلى سكّان سبتة ومليلية تؤكّد دعم ومحبّة بقيّة الإسبان لهم”، مضيفاً أن "الدولة يجب أن تضمن أمنهم، وأن تحول دون تكرار هذه الأحداث، التي أسفرت، فضلاً عن ذلك، عن خسارة مؤسفة ومأساوية لعشرات الأرواح”.
ويُعدّ هذا الموقف لافتاً، إذ يُنظر إليه بوصفه تدخّلاً غير مسبوق من العاهل الإسباني في أزمة دبلوماسية وأمنية بين المغرب وإسبانيا، فرغم أن الملك يتمتّع بصلاحيات دستورية محدودة ويؤدّي دوراً رمزياً في النظام السياسي الإسباني، فإن هذا هو أوّل تدخّل على هذا المستوى في أزمة من هذا النوع منذ إقرار دستور 1978 وبداية المرحلة الديمقراطية في البلاد.
وتجدر الإشارة إلى أن المعبر الحدودي بين سبتة والفنيدق، أصبح مزوّداً بحاجز هوائي بطول 500 متر، وبدأ يستعيد نشاطه تدريجياً، رغم استمرار انتشار الجيش فيه، مع تواصل خروج الأشخاص عبر ممرّ خاصّ خارج نقاط التفتيش، بالتنسيق مع الحرس المدني والصليب الأحمر الإسباني، الذي يواصل تقديم الإسعافات للمهاجرين، خصوصاً المصابين بجروح أو المنهكين بسبب الإرهاق والجوع.
لكنّ هؤلاء، ليسوا مجرّد أشخاص يحتاجون إلى العلاج، بل يحملون أيضاً قدراً كبيراً من اليأس، وهو ما دفع السلطات إلى تشديد إجراءات التفتيش على الشاحنات التي تغادر سبتة نحو شبه الجزيرة الأيبيرية عبر العبّارة، بعدما أُلغيت فعّاليات معرض المدينة بسبب الأزمة، التي أودت بحياة نحو 100 شخص، حسب أرقام السلطات الإسبانية.
حقيقتان مؤلمتان!
ويعزو بعض المسؤولين والمنظّمات هذه الزيادة إلى حلول فصل الصيف، الذي يشهد عادة ارتفاعاً في محاولات العبور، فيما يرى آخرون أن حكماً حديثاً للمحكمة العليا الإسبانية، يقيّد العودة الفورية (العودة الساخنة)؛ لمن يصلون إلى الساحل عبر البحر دون اجتياز الحواجز الحدودية، أسهم في تشجيع مزيد من الأشخاص على خوض الرحلة عبر البحر.
لكنّ ارتفاع أعداد الواصلين فاق قدرة المدينة على الاستيعاب؛ فخلال أسبوع ونصف الأسبوع فقط، استقبلت سبتة نحو ألفي شخص، بينهم 40 غلى 50 قاصراً جديداً كل ليلة، وفق رئاسة الحكومة المحلّية يوم الخميس الماضي، مشيرة إلى أن البالغين يواصلون التدفّق بالمئات يومياً، الأمر الذي يضاعف الضغوط على مراكز الإيواء والمنظّمات الإنسانية.
وقال الناشط الحقوقي المغربي محمّد أمين أبيدار عضو الجمعيّة المغربية لحقوق الإنسان: "ما تشهده مدينتا سبتة ومليلية من محاولات عبور مئات الشباب المغاربة سباحة، لا يمكن اختزاله في كونه هجرة غير نظامية، بل يعكس حقيقتين مؤلمتين”.
وأوضح أبيدار أن "ملفّ الهجرة كان وما يزال ورقة ضغط سياسية في العلاقة بين المغرب وأوروبا، في انتهاك للمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان”، مستحضراً أحداث العام 2021، ومحاولة آلاف المغاربة العبور إلى سبتة، وما وصفها بـ”مجزرة 24 حزيران/ يونيو 2022″، عند معبر باريو تشينو بمليلية، معتبراً أن "ما يحدث اليوم يأتي في سياقات إقليمية جديدة، بينما يدفع الشباب المغاربة ثمن هذه التجاذبات السياسية والدبلوماسية”.
وقال إن الحقيقة الثانية تتمثّل في أن "الفقر والهشاشة والتهميش وانسداد الأفق تدفع آلاف الشباب إلى الاعتقاد بأن مستقبلهم لم يعد في وطنهم”، مشدّداً على أن "الوطن يفترض أن يكون فضاءً يحفظ الكرامة والحرية والعدالة، لا مكاناً يفرّ منه أبناؤه”.
وختم أبيدار تصريحه بالتعبير عن تضامنه مع الشباب المغاربة الذين يخاطرون بحياتهم في البحر، موجّهاً انتقادات حادّة للسلطات المغربية، التي حمّلها مسؤولية الأوضاع التي "تدفع أعداداً متزايدة من الشباب إلى الهجرة”، وفق تعبيره.
أما الصحافي السابق الذي يقدّم بودكاست "في السياسة” عبر يوتيوب توفيق بوعشرين، فيؤكّد مع الجميع أن ما جرى "أزمة”، حيث يقول: "نحن أمام حدث يفيض بالدراما، ويختزن إحساساً عميقاً بالإهانة، ونحن نشاهد صور مواطنينا تجوب العالم”.
ويضيف مؤسّس ومدير صحيفة "أخبار اليوم”، أن ذلك "يحدث في بلد لا يعيش حرباً أهلية، ولا مجاعة جماعية، ولا كارثة بيئية، ومع ذلك يبدو أن شعار جيل كامل أصبح: أيها الشباب… على آخر من يغادر البلاد أن يطفئ الأنوار خلفه”.
هذا، وتقول الوقائع، أن هذه الرحلات لا تمرّ دائماً بسلام؛ ففي يوم الأربعاء، انتشل الحرس المدني جثتي رجلين غرقا أثناء محاولة الوصول إلى المدينة سباحة، ليرتفع عدد ضحايا طريق سبتة البحري إلى 29 وفاة منذ بداية العام 2026، بحسب إحصاءات الحرس المدني.
يوم السبت الماضي، وفق الأرقام الرسمية الصادرة عن السلطات الإسبانية، بلغ عدد الضحايا 90 قتيلاً، ويحتمل أن يرتفع، وهي حصيلة تجعل أزمة سبتة واحدة من أكثر الأحداث دموية على الحدود الإسبانية المغربية.
وفي عام 2014، لقي 14 شخصاً مصرعهم عند الحاجز البحري بين المضيق وسبتة في معبر "تاراخال”، بينما في حزيران/ يونيو 2022 قُتل وفق الرواية الرسمية 23 مهاجراً خلال محاولة اقتحام السياج الحدودي لمدينة مليلية، رغم أن منظّمة العفو الدولية "أمنستي” ترفع حصيلة الضحايا إلى 37 قتيلاً.
ورغم هذا المشهد المزدحم بالنجاة والموت في آن واحد، تتكرّر الحكاية نفسها؛ أناس يخاطرون بحياتهم في البحر، ومدينة صغيرة تكافح لاستيعاب موجة بشرية لا تبدو نهايتها قريبة.
مراكز الإيواء: ضغط غير مسبوق
رغم أنها غضّت الطرف عن الأزمة في البداية، إلا أن السلطات المغربية وبعد صدور بلاغ الحكومة الإسبانية الذي قال إن "المغرب يتعاون مع إسبانيا بشكل دائم ومخلص”، نشرت قوّاتها الأمنية لمنع الأعداد الكبيرة من المرشّحين للهجرة من الوصول إلى سبتة انطلاقاً من الأراضي المغربية.
مقابل صمت الحكومة المغربية عن الأزمة، الذي استمرّ من بدايتها حتى يوم أمس الأحد، قال الصحافي المغربي علي أنوزلا: "الحقيقة أن الشعب لم يهرب… بل الدولة هي التي هربت من مسؤولياتها، وتركت الشعب في مواجهة البحر!”
هذا، وبعد بلاغ الإسبان، بدأت السلطات المغربية التدخّل، وشهدت مدن الفنيدق والناظور أعمال عنف، وقمع في صفوف المهاجرين، باستخدام الرصاص والقنابل الدخانية، ما دفع بالكثير من الحقوقيين إلى مطالبة المغرب بالوفاء بالتزاماته الدولية وحماية المواطنين، كما دعوا السلطات الإسبانية إلى الالتزام بالاتّفاقيات الدولية، واستقبال القاصرين الذين دخلوا سبتة خلال الأيّام الماضية، وضمان عدم إعادتهم قسراً، وتمكينهم من الاستفادة من تدابير الحماية القانونية، بما في ذلك حقّ طلب اللجوء.
غير أن ضمان هذه الحقوق على أرض الواقع ليس بالأمر السهل، إذ تعاني مراكز الإيواء المؤقّتة للقاصرين في سبتة من اكتظاظ شديد، ليس فقط بسبب موجة الوافدين الأخيرة، وإنما أيضاً لأن عدداً من هذه المراكز أُغلق خلال السنوات الماضية.
ويكشف ديفيد توريس وهو اختصاصي إدماج اجتماعي في منظّمة "سور أكوخي” (Sur Acoge) التي تواكب المهاجرين في سبتة منذ سنوات، إن "هذه المراكز كانت في الأصل مستودعات صناعية جرى تهيئتها لاستقبال القاصرين”، ويقول: "قبل سنوات كان هناك أربعة أو خمسة مراكز، أما اليوم فلم يبق سوى اثنين”.
ويشير توريس إلى أن نقل القاصرين غير المصحوبين بذويهم إلى مناطق أخرى من إسبانيا أدّى إلى تراجع مدّة بقائهم في سبتة، الأمر الذي تسبّب في إغلاق العديد من المراكز المؤقّتة والدائمة، حتى إن بعضها اضطرّ إلى تعليق نشاطه مؤقّتاً.
أمّا اليوم، فقد امتلأت محيطات تلك المراكز بمئات الشباب الذين صدّقوا الوعد بحياة أفضل على الضفّة الأخرى من البحر. وهو الوعد ذاته الذي كلّف، وفق آخر أرقام الحكومة الإسبانية، نحو 100 شخصٍ حياتهم خلال أيّام قليلة فقط.
سانشيز في سبتة: استقبال بالسبّ والشتم
لم يكن الاستقبال الذي حظي به رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، في سبتة يوم الجمعة، يشبه استقبال رؤساء الحكومات في أوقات الرخاء ولا الأزمات؛ فبينما كانت المدينة تعيش على وقع وصول عشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من المغرب، استقبله عشرات السكّان بالهتافات الغاضبة وعبارات الاستهجان والشتائم، متّهمين حكومته بالتأخّر في احتواء الأزمة والتخلّي عن المدينة.
وفي هذا المناخ المشحون، الذي كانت تطغى عليه شعارات "سانشيز ابن العا…”، ألقى سانشيز خطاباً حاول فيه طمأنة سكّان سبتة، مؤكّداً أن حكومته تسيطر على الوضع، ومعلناً أن ما جرى يمثّل "انتهاكاً للسلامة الإقليمية لإسبانيا”.
وقدّم سانشيز، الأزمة بوصفها "انتهاكاً للسلامة الإقليمية لإسبانيا” في أكبر تدفّق للمهاجرين تشهده المدينة منذ أزمة أيّار/ مايو 2021، محمّلاً المسؤولية لشبكات الاتّجار بالبشر، كما حرص في الوقت نفسه على تجديد وصف المغرب بأنه "حليف وشريك” لإسبانيا، مؤكّداً أن قنوات التواصل مع الرباط ظلّت، بحسب تعبيره، "مستمرّة وسلسة ومعقولة”، خلافاً لما جرى خلال أزمة 2021.
ورغم إشادته بالتنسيق مع السلطات المغربية، دعا سانشيز الرباط إلى "تسريع عمليّات استعادة المهاجرين واتّخاذ إجراءات أكثر حزماً لوقف تدفّقهم”، مشيراً إلى أن "السلطات الإسبانية تمكّنت حتى عصر الجمعة من إعادة أكثر من 37 ألف شخص إلى الجانب المغربي”.
وربط رئيس الحكومة الإسبانية تفاقم الأزمة بحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية قبل ثلاثة أسابيع، اعتبر أن "العودة الفورية” لا تنطبق على الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية سباحة، وإنما تقتصر على من يحاولون اجتياز وسائل الحماية الحدودية، مثل الأسوار، معتبراً أن "شبكات تهريب البشر استغلّت هذا الحكم وروّجت على أنه يتيح للمهاجرين فرصة دخول الأراضي الإسبانية عبر البحر”.
وفي السياق ذاته، كشف سانشيز أن حكومته تدرس "نشر عوّامات أو حواجز بحرية عند الرصيف الفاصل بين سبتة والفنيدق”، بما يخلق حاجزاً مادّياً يسمح قانونياً بتطبيق الإعادة الفورية على الوافدين بحراً، كما لم يستبعد "إدخال تعديلات تشريعية لتسهيل عمليّات الترحيل والإعادة إلى الحدود”.
في المقابل، انتقد رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس، ما وصفه بـ”الاستجابة المتأخّرة وغير الكافية” للحكومة المركزية، محذّراً من أن المدينة تعيش حالة "انهيار نتيجة التدفّق غير المسبوق للمهاجرين”.
وطالب فيفاس بـ”اتّخاذ إجراءات هيكلية تمنع تكرار مثل هذه الأزمات”، بل دعا إلى إعلان حالة الطوارئ الوطنية، وهو طلب رفضته وزارة الداخلية الإسبانية بدعوى أن "هذا النظام القانوني مخصّص للكوارث الطبيعية والمخاطر التكنولوجية، ولا يشمل أزمات الهجرة”.
وحسب آراء استشارها "درج” تُظهر تصريحات سانشيز أن مدريد تتعامل مع الأزمة على مستويين متوازيين؛ سياسياً عبر الحفاظ على الشراكة مع المغرب وتجنّب تحميله المسؤولية المباشرة، وأمنياً وتشريعياً عبر البحث عن أدوات قانونية وميدانية جديدة لتشديد الرقابة الحدودية وتسريع إعادة المهاجرين.
خلفيات الأزمة
في غياب معلومة واضحة، تقطع دابر الشك باليقين، تتعدّد قراءات هذه الأزمة التي قذفت بآلاف المغاربة، السواد الأعظم منهم شباب، إلى هذه المغامرة، فهناك من يعيد السبب إلى أن القرار الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية أثار تحوّلاً مهمّاً في طريقة تعامل السلطات مع المهاجرين الواصلين إلى مدينتي سبتة ومليلية عبر البحر.
حيث قضت المحكمة بعدم جواز تنفيذ ما يُعرف بـ”العودة الفورية” أو "الساخنة” بحقّ الأشخاص الذين يتمكّنون من الوصول إلى الأراضي الإسبانية سباحة أو بواسطة قوارب، مؤكّدة ضرورة "إخضاعهم للإجراءات القانونية والإدارية المنصوص عليها في قانون الهجرة”.
وبموجب هذا القرار، أصبحت السلطات الإسبانية ملزمة بتسجيل هويّات الوافدين، وتمكينهم من الاستعانة بمحامٍ ومترجم عند الحاجة، ودراسة كل حالة على حدة، بما في ذلك التحقّق ممّا إذا كان الشخص قاصراً أو يرغب في طلب اللجوء أو يحتاج إلى حماية دولية، قبل اتّخاذ أيّ قرار بشأن إبعاده أو بقائه.
ولا يعني هذا الحكم منح المهاجرين حقّ الإقامة أو البقاء في إسبانيا، وإنما يكرّس حقّهم في الاستفادة من الضمانات القانونية الأساسية، ويمنع إعادتهم إلى المغرب بشكل فوري دون استكمال الإجراءات القانونية الواجبة.
ويقتصر نطاق القرار على المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية عن طريق البحر، ولا يشمل محاولات العبور عبر السياج الحدودي البرّي، التي تخضع لإطار قانوني مختلف.
وفي خضمّ أزمة الهجرة الأخيرة إلى سبتة، يرى الكثيرون أن الشباب المغربي استغلّ هذا الحكم للترويج عبر مواقع التواصل لفكرة أن كل من يصل سباحة إلى المدينة لن يُعاد مباشرة إلى المغرب، وهو ما اعتبروه أحد العوامل التي أسهمت في تزايد محاولات العبور خلال الأيّام الماضية.
في المقابل، تربط بعض التحليلات بين الأزمة الأخيرة في سبتة والتطوّرات التي شهدتها العلاقات الإقليمية، ولا سيّما الزيارة التي أجراها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إلى الجزائر، وما رافقها من تفاهمات سياسية واقتصادية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن التوقيت، المتزامن بين الزيارة وتصاعد موجة الهجرة، أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت الأزمة تحمل رسائل سياسية تتجاوز بعدها الإنساني.
ويذهب بعض المحلّلين إلى الربط بين الأزمة الحالية وأحداث أيّار/ مايو 2021، عندما دخل نحو 10 آلاف مهاجر، معظمهم من المغاربة، إلى مدينة سبتة خلال يومين، في أزمة غير مسبوقة بين الرباط ومدريد أعقبت استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، وهو ما اعتبره المغرب مساساً بمصالحه الاستراتيجية وبالثقة المتبادلة بين البلدين.
ويعتبر مؤيّدو هذا الطرح أن الهجرة ظلّت، خلال السنوات الأخيرة، حاضرة في خلفية التوتّرات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، وأن أيّ تحوّل في العلاقات الإقليمية أو الثنائية يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت تدفّقات الهجرة تحمل أيضاً أبعاداً سياسية، إلى جانب دوافعها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
وتذهب قراءات سياسية أخرى إلى أبعد من ذلك، إذ تربط الأزمة الراهنة بالسياق الجيوسياسي المحيط بموقف الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز من الحرب على غزّة، وما نتج عنه من توتّر مع إسرائيل، فضلاً عن علاقات الرباط الوثيقة بكل من واشنطن وتل أبيب.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن موجة الهجرة قد تكون استُخدمت، أو جرى توظيفها سياسياً، لإضعاف حكومة سانشيز وتعزيز خطاب اليمين المعارض، الذي جعل من الهجرة أحد أبرز محاور حملاته السياسية، خاصّة أن حكومة مدريد بعد تطبيع العلاقات مع الرباط، لم تسلّم لها بعد إدارة أجواء الصحراء الغربية، وكذلك مضيّها قدماً في مشروع قانون تجنيس الصحراويين المولودين في فترة الاستعمار الإسباني للصحراء.
ويستند أنصار هذه القراءة إلى تبنّي أحزاب اليمين واليمين المتطرّف في إسبانيا وإيطاليا خطاباً يحمّل حكومة سانشيز مسؤولية ما جرى، وإلى تصريحات صدرت عن بعض المسؤولين الإسرائيليين انتقدت مواقف الحكومة الإسبانية من الحرب في غزّة.
من جهتها، حمّلت النائبة الأوروبية عن حزب "بوديموس” اليساري إيرين مونتيرو، إسبانيا والاتّحاد الأوروبي مسؤولية السياسات التي أفضت، بحسب رأيها، إلى "تفاقم أزمات الهجرة على الحدود”.
وقالت إن "إسبانيا والاتّحاد الأوروبي يدفعان منذ سنوات الأموال للمغرب وليبيا وموريتانيا كي تقوم بالعمل القذر، وحتى نتمكّن من الاستمرار في الادّعاء بأننا ديمقراطية مكتملة الأركان”.
وأضافت: "إذا كنت تدفع لدكتاتورية مثل المغرب كي تقوم بالعمل القذر، فعندما يريد المغرب المزيد، أو عندما تأمره بذلك الولايات المتّحدة وإسرائيل، فإنه يتوقّف عن القيام بهذا العمل ليبتزّك”.
واعتبرت مونتيرو أن الأزمة ما كانت لتقع "لو توفّرت مسارات قانونية وآمنة للهجرة”، داعية إلى الكفّ عن الاعتماد على "أنظمة دكتاتورية” في إدارة سياسات الهجرة، مطالبةً بـ”معاملة الأطفال والعائلات الذين يظهرون في تلك الصور كبشر… ككائنات إنسانية”.
إلى ذلك، اعتبر المتحدّث الوطني باسم حزب اليسار الجمهوري الكتالوني (ERC) غابرييل روفيان، أن الأزمة الإنسانية في سبتة، التي أودت بحياة ما لا يقلّ عن 19 شخصاً، تمثّل "ابتزازاً يمارسه المغرب ضد إسبانيا”.
وكتب روفيان في منشور على منصّة X "إكس” (تويتر سابقاً): "الدكتاتورية المغربية، التي تعمل في خدمة الولايات المتّحدة وإسرائيل، تبتزّ إسبانيا وأوروبا مرّة أخرى هذا الصيف، محوّلةً أبناء شعبها إلى وقود لهذه المواجهة”.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، استغلّ الأزمة لتوجيه انتقادات حادّة لسياسات الهجرة، معتبراً أن ما جرى في سبتة "يمثّل نموذجاً لما قد تواجهه الولايات المتّحدة مستقبلاً”؛ ففي مقابلة مع شبكة” فوكس نيوز” وصف ترامب ما حدث بأنه "كارثة”، مضيفاً: "تذكّروا هذه الصورة. هكذا سنصبح نحن بعد ثلاث سنوات إذا فاز الطرف الخطأ”، في إشارة إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.
كما عاد ترامب، خلال اجتماع مفتوح لمجلس الوزراء الأميركي، إلى التعليق على المشاهد القادمة من سبتة، قائلاً: "رأيت الكارثة التي حدثت أمس في إسبانيا، لقد بدت وكأنها غزو لبلد من قبل مئات الآلاف من الأشخاص”، وأضاف أن الولايات المتّحدة ستواجه المصير نفسه إذا عاد الديمقراطيون إلى السلطة.
وفي السياق ذاته، شنّ السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتّحدة داني دانون، الجمعة، هجوماً على سياسة الهجرة التي تنتهجها الحكومة الإسبانية، على خلفية الأزمة التي تشهدها مدينة سبتة، داعياً مدريد إلى توضيح "سبب استمرارها في الاحتفاظ بجيوب استعمارية في إفريقيا”.
وقال دانون: "إسبانيا، التي لا تفوّت فرصة لإلقاء الدروس على إسرائيل، أعلنت حالة الطوارئ في سبتة بعد الأزمة التي تسبّبت فيها سياستها الخاصّة بالهجرة”.
من جانبه، وصف زعيم حزب "فوكس” (VOX) اليميني المتطرّف سانتياغو أباسكال، ما يجري في سبتة بأنه "غزو”، وذلك في تدوينة نشرها عبر منصّة إكس (تويتر سابقاً)، قال فيها: "هؤلاء لا يفرّون من حرب ولا من الفقر، بل هو غزو. إنهم رجال في سنّ الخدمة العسكرية، استدعتهم حكومة سانشيز الفاسدة لاقتحام حدودنا، إنهم يتجوّلون في شوارع إسبانيا وهم يهتفون: يحيا بيدرو سانشيز”.
وأضاف: "وراء كل حالة اغتصاب، وكل جريمة طعن، وكل عبء مالي يتحمّله الإسبان لإعالتهم؛ يقف مسؤول مباشر، وهو زعيم المافيا الذي يستدعي، في حالة يأس، المزيد من المرتزقة ليبقى في السلطة”، في إشارة إلى سانشيز.
وقال المتحدّث باسم البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "حذّر مراراً من العواقب التي ستترتّب على استمرار أوروبا في تبنّي سياسات اليسار المتطرّف والعولمة، بما في ذلك السياسات التي تسهّل الهجرة الجماعية”.
ودعا إسبانيا والدول الأوروبية التي تنتهج هذا المسار إلى "تغيير نهجها فوراً، وإلا فإنها تخاطر بزوالها”.
وفي السياق نفسه، انضمّ رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك إلى موجة التعليقات على الأزمة عبر سلسلة من المنشورات على منصّة X، شبّه فيها مشاهد التدفّق الجماعي نحو سبتة بفيلم World War Z.
وكتب: "يبدو الأمر وكأنه World War Z"، كما اعتبر أن "كونهم جميعاً رجالاً في سنّ الخدمة العسكرية يعني أن الأمر يتعلّق بغزو”، وبدا أن إيلون ماسك يتقاطع مع خطاب اليمين المتطرّف بشأن توصيف الوافدين، دون أن يذهب إلى حدّ اتّهام الحكومة الإسبانية باستدعائهم، كما فعل زعيم حزب فوكس سانتياغو أباسكال.
وفي منشور آخر، حذّر ماسك من التداعيات الاقتصادية للهجرة غير النظامية، قائلاً: "الميزانية الإسبانية ستُستنزف بسبب المهاجرين”، مضيفاً أن "تقديم مزايا اجتماعية تتجاوز مستوى معيشة معظم سكّان العالم سيخلق، بحسب تعبيره، حافزاً يدفع مليارات الأشخاص إلى التوجّه نحو إسبانيا”، قبل أن يختتم إحدى تدويناته بالقول: "استيقظوا قبل فوات الأوان”.
غير أن هذه القراءة تبقى في إطار التحليل السياسي، ولا توجد حتى الآن أدلّة أو معطيات رسمية تثبت وجود تنسيق أو دور مباشر لأي دولة في الدفع بالأزمة أو توظيفها لتحقيق أهداف سياسية، خاصّة وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعروف بتهوّره في الكلام لم يشر إلى شيء، بل استغلّ الأزمة لإشعال فتيل مناصريه ضد الأجانب.
وفي خضم تصاعد الأزمة، أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية جورجيا ميلوني، استعداد بلادها لـ”اتّخاذ إجراءات استثنائية لحماية الحدود وسلامة المواطنين، بما في ذلك تعليق العمل باتّفاقية شنغن مع إسبانيا”، قبل أن يعلن وزير الخارجية الإيطالي، مساء الجمعة، بدء تنفيذ هذا الإجراء رسمياً.
وسرعان ما اتّسعت دائرة التأييد للمقترح الإيطالي، إذ أعلنت كل من فنلندا والدنمارك دعمهما لهذه الخطوة، معتبرتينِ أن الحكومة الإسبانية أخفقت في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن، "الأمر الذي ينعكس على أمن الاتّحاد الأوروبي بأكمله”، حسب موقفهما.
ورغم عدم وجود حدود برّية مشتركة بين إيطاليا وإسبانيا، فإن تعليق العمل بأحكام اتّفاقية شنغن بين البلدين ستكون له تبعات مباشرة على حركة التنقّل، إذ سيخضع المسافرون جوّاً وبحراً لإجراءات مراقبة حدودية، مع إلزامهم بإبراز جوازات سفرهم قبل السماح لهم بالدخول.
لكن ما يبقى محلّ اهتمام في المغرب، هو رمزية هذه الأزمة التي تزامنت مع الذكرى 27 لعيد العرش، والذي ألقى فيه الملك محمّد السادس خطاباً قال فيه إن هدفه الأساسي ظلّ يتمثّل في "تمكين جميع المغاربة من شروط العيش الكريم”.
وأضاف العاهل المغربي أن "أبرز ما يبعث على الفخر والاعتزاز في المسار الوطني للبلاد هو ما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وما تتميّز به مؤسّسات الدولة من نجاعة وفعّالية”.
وأكّد أن "الاستقرار السياسي والأمني أصبح عملة نادرة، في ظلّ محيط إقليمي ودولي يشهد كثرة تقلّبات واضطرابات”.
قراءات وردود وآراء
من جهتها، الأستاذة الجامعة والناشطة الحقوقية لطيفة البوحسيني، اعتبرت أن "ما يقع على الحدود الشمالية للمغرب، ومهما كانت التوظيفات، يعتبر وصمة عار على جبين خطاب المنجزات المبالغ فيه، والذي يسعى لإخفاء الإخفاقات والاختلالات البنيوية”.
أما أحمد البوز أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمّد الخامس السويسي، فيرى أن "ما شهدته مدينة سبتة من تدفّق آلاف الأشخاص من مختلف الأعمار، بينهم أطفال ونساء وشباب وعائلات بأكملها، وهم يخاطرون بحياتهم لعبور البحر نحو الضفّة الأخرى، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرّد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية، أو حادثاً أمنياً عابراً”.
وأوضح البوز: "هي لحظة سياسية واجتماعية بامتياز، لأنها تنبّه إلى المسافة الفاصلة بين خطاب، يحتفي بالتنمية، وواقع، يختار فيه مواطنون المجازفة بحياتهم بحثاً عن مستقبل خارج الوطن”.
خالد البكاري الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي، لخّص المشهد في تدوينة له على فيسبوك: "كفّوا عن إغراقنا في تفسيرات فارغة لا تسمن ولا تغني من جوع؛ تحاولون إقناعنا بأن ما حدث تقف وراءه إسبانيا، لكنّه في النهاية فضيحة للمغرب، وتحاولون إقناعنا بأن الجزائر هي من تقف وراءه، لكنّه يظلّ فضيحة للمغرب”.
وأضاف البكاري: "تحاولون إقناعنا بأن المغرب نفسه هو من يقف وراءه، وفي هذه الحالة أيضاً تبقى النتيجة: فضيحة للمغرب، إذاً، فلا يخرج علينا أحد بمنطق ‘التايمينغ’ (التوقيت) وكأنه يفسّر كل شيء؛ فالتوقيت الوحيد الواضح هو أن هذه الأحداث وقعت يوم عيد العرش، بعد الخطاب الملكي الذي تحدّث عن الاعتزاز بالمغرب، وفي منطقة قريبة من القصر الذي يوجد فيه الملك حالياً”.
"إلا إذا كان المقصود بالحديث عن ‘التوقيت’ هو أن من أطلق شرارة هذه الأحداث كان يوجّه رسالته إلى الملك نفسه”، يستفسر البكاري بحدّة.
واعتبر أنه "وبحساب الخسائر، وإذا أخذنا بالمقولة التي تقول: إذا لم تفهم حدثاً، فانظر إلى من تضرّر ومن استفاد… فإن صورة المؤسّسة الملكية في يوم عيد العرش تبدو الأكثر تضرّراً”.
وأكّد أنه "إذا كان بعض المسؤولين في أجهزة الدولة هم من يقف وراء ما جرى، فلا شيء يمكن أن يبرّر استغلال بؤس الناس ومعاناتهم لتصفية حسابات داخلية أو خارجية”.
"ويبقى أمر واحد لا يقبل الجدل؛ إن كل من يدّعي أن الواقع المغربي لا يدفع أعداداً هائلة من الناس إلى الرغبة في الهجرة، إنما يقول كلاماً يخالف ما تكشفه الوقائع” يخلص البكاري.
وفي قراءتها للأزمة، قالت منظّمة "مقاومة الحدود” (Border Resistance)، المعنيّة بالدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين، أنه "بعد زيارة بيدرو سانشيز الجزائر، عاد المغرب إلى ممارسة الضغط على إسبانيا باستخدام الهجرة أداةً للضغط السياسي”.
وأضافت "فآلاف الأشخاص، الذين تدفعهم أوضاع الفقر وصعوبة ظروف العيش في المغرب، يحاولون الفرار بحثاً عن مستقبل أفضل. وفي عام 2021 مارس المغرب ضغوطاً على إسبانيا لتغيير موقفها من الصحراء الغربية، من خلال السماح لآلاف الأشخاص بدخول سبتة”.
وتساءلت المنظّمة "اليوم ومع تجدّد التوتّر بين البلدين، يسمح مرّة أخرى لمواطنيه بمحاولة الوصول إلى سبتة، فيما يبقى السؤال المطروح: ماذا سيحدث للقاصرين؟ وهل ستتمّ إعادتهم كما حدث في عام 2021؟ وكيف يمكن الدفاع عن حقوقهم وضمان حصولهم على الحماية بدل إعادتهم؟”
بدورها، اعتبرت الجمعيّة المغربية لحقوق الإنسان أن ما تشهده مدينتا الفنيدق وسبتة "يمثّل نتيجة مباشرة لاستمرار توظيف ملفّ الهجرة كورقة ضغط سياسية بين المغرب وإسبانيا”، محذّرة من "استغلال معاناة آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية على حساب حقوقهم الأساسية”.
وأضافت الجمعية، في بيان وقّعته فروعها بضفّتي البحر الأبيض المتوسّط، أن "الأزمة الحالية تعكس كذلك عمق الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع أعداداً متزايدة من الشباب والعائلات إلى محاولة الهجرة، إلى جانب تشديد السياسات الأوروبية الخاصّة بالهجرة واللجوء، وما رافقها من ارتفاع في عمليّات الترحيل وتشديد مراقبة الحدود”.
وانتقدت الجمعية ما وصفته بـ”التعامل المزدوج، من جانب السلطات المغربية والإسبانية مع محاولات العبور”، مشيرة إلى أن "التدخّلات الأمنية اختلفت بين الفنيدق وبني أنصار، وأن عدداً من المهاجرين الذين تمكّنوا من الوصول إلى سبتة تعرّضوا لعمليّات إرجاع فوري”، معتبرة أن ذلك "يتعارض مع قرار المحكمة العليا الإسبانية القاضي بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون سباحة إلى المدينة”.
كما طالبت المنظّمة بفتح تحقيقات مستقلّة وشفّافة بشأن الوفيات والمفقودين والانتهاكات التي رافقت الأزمة، وترتيب المسؤوليات القانونية، مع احترام حقّ المهاجرين في تقديم طلبات اللجوء، والكشف عن مصير المفقودين وتمكين عائلات الضحايا من الحقيقة والعدالة.
وبعد أيّام من الصمت المطبق، وفي أوّل تعليق رسمي، أكّد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية أن الأحداث "لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدّة عوامل متداخلة، في مقدّمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلّلة، ودور عصابات الاتّجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية، استهدفت الإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية”.
وفي ما يتعلّق بالحصيلة البشرية، أفادت وزارة الداخلية بأن الأحداث أسفرت، إلى حدود الساعة، عن "وفاة 11 شخصاً، بينهم شخص قضى إثر سقوطه من منطقة صخرية مجاورة لمدينة سبتة، فيما لقي عشرة آخرون مصرعهم غرقاً”.
وأضافت أن "هذا الواقع يكشف أن قِصَر المسافة الفاصلة، التي تقلّ عن سبعين متراً، ومحدودية عمقها النسبي، الذي لا يتجاوز في بعض النقاط أكثر بقليل من مترين، وَلَدَا لدى عدد من المشاركين شعوراً مضلّلاً بسهولة العبور، فدفعهم إلى التقليل من حجم المخاطر والإقدام على محاولات انتهى بعضها بعواقب مأساوية”.
وفي ما يخصّ ما يُتداول بشأن تسجيل حالات وفاة أخرى بمدينة سبتة، أوضحت الوزارة أن "السلطات المغربية تواصل، في إطار قنوات التعاون والتنسيق الرسمية مع نظيرتها الإسبانية، عمليّات التحقّق من صحّة هذه المعطيات، ومن العدد الفعلي للأشخاص المعنيين وهويّاتهم وجنسياتهم، وذلك قصد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية والإنسانية الواجبة”.
مأساة فاتن: "من يقتل أبناءنا؟”
في الأزمات، عادة ما تبدأ الأرقام أوّلاً، ثم الأسباب السياسية، بعدئذٍ تظهر وجوه الضحايا؛ ومن بين ضحايا مأساة سبتة؛ الذين يُرجَّح أن يكون عددهم نحو مائة لقوا مصرعهم غرقاً أو بسبب الإصابات أو انخفاض حرارة الجسم، وفق المعطيات الأولية؛ فاتن، وهي لاعبة كرة قدم في ريعان شبابها.
فإلى حدود اللحظة، تُحصي قوّات الحرس المدني الإسباني 72 وفاة، بينما يتحدّث رئيس مدينة سبتة عن 88 ضحيّة، وهذا في الجانب الإسباني فقط؛ حيث أعلنت وزارة الداخلية المغربية، مساء أمس الأحد، انتشال 11 جثّة أُودعت بمستودع الأموات في تطوان، الواقعة على بعد نحو 30 كيلومتراً جنوب سبتة.
ومن بين الضحايا فاتن بن عمر العزيزي، الشابّة التطوانية البالغة من العمر عشرين عاماً، والتي كانت تُعدّ من أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم النسوية بالمغرب؛ التي لقيت مصرعها أثناء محاولتها السباحة من الفنيدق نحو مدينة سبتة، بعدما جرفت التيّارات البحرية القويّة جسدها خلال الرحلة، بحسب ما أوردته وسائل إعلام مغربية؛ قبل أن يؤكّد نادي "المغرب التطواني”، الذي كانت تلعب في صفوفه، خبر وفاتها في بيان رسمي.
رحلت الشابّة المغربية على أبواب سبتة، ضحيّة ما يصفه الكثيرون بـ”خليط قاتل من التجاذبات الجيوسياسية، والمصالح الدولية، والشعور الدائم بانعدام الفرص الذي يعبّر عنه كثير من شباب المغرب”.
والدة فاتن، وبصوت يملأه الانكسار، في مقطع فيديو نشره موقع "اليوم 24” على منصّات التواصل الاجتماعي، قبيل دفن ابنتها في مقبرة بتطوان، تقول: "الشباب ضاع، كلهم ذاهبون إلى الموت. لماذا؟ من الذي فتح الباب أوّل مرّة؟ ولماذا فتحوه حتى يقتلوا أبناءنا؟”.
وتشير الأمّ إلى أن ابنتها كانت تعمل في المقبرة نفسها منذ أن كانت في الثالثة عشرة من عمرها، رغم أن السنّ القانونية للعمل في المغرب هي 14 عاماً.
وتضيف أن أوضاع الأسرة كانت مأساوية، مرجعة جزءاً من ذلك إلى الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الرباط على سبتة، ففي عام 2019، أنهى المغرب من جانب واحد النشاط الاقتصادي المعروف بـ”التهريب المعيشي”، الذي كان يشكّل شرياناً أساسياً لاقتصادِ المدن المجاورة لسبتة، ويوفّر مصدر رزق لآلاف الأسر، خاصّة تلك التي تُعيلها النساء في غياب الرجال.
وتتابع والدة الضحيّة قائلة: "السلطة تمنعنا من البيع، سواء كنّا نبيع قنينات ماء صغيرة أو ننظّف القبور… السلطة توقفنا وتقتل أبناءنا، هذا ما رأيناه من دولتنا! يعتقلون الباعة المتجوّلين، ويعتقلون الشباب… ماذا بقي في المغرب؟ المخدّرات. المخدرات في كل مكان والشباب ضاع”.
هذه الانتقادات الحادّة الموجهة إلى السلطات المغربية، ليست فقط من أمّ ثكلى بل هي واقع له صدى في في كل ربوع البلاد، تترجمه التعليقات والمواقف عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وتزداد مأساة قصّة فاتن، وفق رواية والدتها، عندما تؤكّد أنها تلقّت، قبل ساعات فقط من وفاة ابنتها وهي تسبح نحو سبتة، إشعاراً من القنصلية الإسبانية في طنجة يفيد بمنحها تأشيرة الدخول، التي طلبتها من أجل "بناء مستقبلها وتحقيق أحلامها”، لكنّ القدر سبق الخبر الذي جاء متأخراً بالنسبة إلى فاتن.
بالأرقام: لماذا يريد المغاربة الهجرة؟
بعيداً عن سيل التأويلات والآراء السياسية التي رافقت مشاهد تدافع آلاف المغاربة نحو سبتة، سواء تلك التي أرجعت ما جرى إلى توتّر في العلاقات بين الرباط ومدريد، أو إلى صراعات إقليمية، أو حتى إلى حسابات داخل أجهزة الدولة، فإن لغة الأرقام تبدو أكثر قدرة على تفسير المشهد.
فالمعطيات الصادرة عن المؤسّسات الرسمية المغربية والمنظّمات الدولية ترسم صورة لواقع اقتصادي واجتماعي يرزح تحت وطأة البطالة، وتراجع فرص الشغل، واتّساع دائرة الإحباط بين الشباب؛ وفي ظلّ هذه الظروف، لا تبدو الرغبة في الهجرة استثناءً أو ردّ فعل ظرفيٍّ، بقدر ما هي خيار يتشكّل يومياً تحت ضغط الواقع، حتى قبل أن تلوح أيّ فرصة للعبور، فكيف إذا فُتحت الحدود، ولو لساعات، كما حدث في سبتة؟
تشير "المندوبية السامية للتخطيط”، وهي المؤسّسة الرسمية المكلّفة بالإحصاء في المغرب، إلى أن البطالة ما تزال من أبرز التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد؛ فبعد أن "بلغ معدّل البطالة 13 في المائة خلال سنة 2025″، بقيت "الفئات الشابّة الأكثر تضرّراً، إذ تجاوزت بطالة الشباب 37 في المائة، بينما استمرّت معدّلات البطالة مرتفعة بين النساء وحاملي الشهادات، رغم تسجيل تحسّن نسبي في بعض المؤشّرات الاقتصادية”.
وفي أحدث بياناتها الخاصّة بالربع الأوّل من سنة 2026، أوضحت "المندوبية السامية للتخطيط” أن "معدّل البطالة انخفض إلى 10.8 في المائة، إلا أن البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة ظلّت عند 29.2 في المائة، وهو ما يعكس استمرار الصعوبات التي تواجه هذه الفئة في الولوج إلى سوق العمل، رغم التحسّن المسجّل على المستوى الوطني”.
ولا تقتصر هذه الخلاصات على الإحصاءات الوطنية؛ إذ تؤكّد منظّمة التعاون والتنمية الاقتصادية (Organisation for Economic Co-operation and Development – OECD)، في تقريرها الاقتصادي حول المغرب، أن "البطالة المرتفعة، ولا سيّما بين الشباب، إلى جانب انتشار العمل غير المهيكل وضعف مشاركة النساء في سوق الشغل، تمثّل عوائق هيكلية أمام النمو الاقتصادي، وتحدّ من قدرة الاقتصاد على استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل”.
أما في ما يتعلّق بالهجرة، فيكشف "البارومتر العربي” (Arab Barometer)، وهو أحد أكبر برامج استطلاعات الرأي المستقلّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن "الرغبة في مغادرة المغرب أصبحت واسعة الانتشار، خاصّة بين الشباب”.
وأظهر أحدث استطلاع أنجزه "البارومتر” حول المغرب أن "35 في المائة من المغاربة يرغبون في الهجرة، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 55 في المائة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة”.
كما أكّد أكثر من نصف الراغبين في الهجرة أنهم "مستعدّون للمغادرة حتى بطرق غير نظامية إذا أتيحت لهم الفرصة”، وكانت الدوافع الاقتصادية والحصول على فرص عمل أفضل في مقدّمة الأسباب.
وتدعم هذه النتائج معطيات "أفروبارومتر” (Afrobarometer)، التي تُظهر أن "البطالة تتصدّر أولويات الشباب المغربي، وتوفير فرص الشغل يمثّل المطلب الأكثر إلحاحاً بالنسبة إليهم، في وقت يستمرّ فيه الاهتمام بالهجرة باعتبارها أحد المخارج الممكنة من واقع اقتصادي يصفه كثير من المستجوبين بأنه يفتقر إلى الفرص”.
وعند وضع هذه المؤشّرات إلى جانب مشاهد الآلاف وهم يتدفّقون نحو سبتة، تبدو تلك الصور أقلّ ارتباطاً بالتفسيرات الظرفية وأكثر اتّصالاً بواقع اجتماعي واقتصادي موثّق بالأرقام، فعندما تتقاطع البطالة المرتفعة مع اتّساع الرغبة في الهجرة، تصبح أي فرصة للعبور، مهما كانت محفوفة بالمخاطر، كافية لتحويل الإحباط المتراكم في نفوس الشباب إلى حراكٍ شعبي كما وقع في احتجاجات "جيل زد”، أو إلى تحرّك جماعي باتّجاه الضفّة الأخرى.
أما بالنسبة إلى علي، فلم تنتهِ القصّة بعد؛ فهو مثله مثل الكثيرين؛ ما زال يرفض العودة إلى المغرب، ويتمسّك بأمل البقاء في أوروبا والالتحاق بشقيقه؛ فبينما يختلف السياسيون حول أسباب الأزمة، يبدو أن آلاف الشباب الذين اندفعوا نحو سبتة كانوا يحملون جواباً واحداً خاصّاً بهم لا يحتاج إلى كثير من التأويل؛ إنه ببساطة فرصة البحث عن حياة يعتقدون أنها لم تعد ممكنة في وطنهم.