الأردن لا يحتاج إلى مؤشرات أكثر... بل إلى مؤشرات أصدق
الأردن لا يحتاج إلى مؤشرات أكثر... بل إلى مؤشرات أصدق
لماذا حان الوقت للانتقال من M&E إلى MERAL في إدارة الأداء الحكومي؟
في الإدارة كما في الطب، قد تبدو نتائج الفحوصات ممتازة بينما يبقى المريض يعاني. المشكلة ليست في الأرقام، بل في الاعتقاد أن الأرقام هي الحقيقة.
هذه هي الفكرة التي يلخصها قانون غودهارت: "عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يفقد قيمته كمؤشر" فالمؤشر وُجد ليقيس الواقع، لكنه قد يتحول إلى غاية بحد ذاته، فتُوجَّه الجهود لتحسين الرقم بدل تحسين حياة الناس.
عندها تصبح المؤسسة ناجحة على الورق، بينما لا يشعر المواطن بأي فرق. تُنجز المعاملات ضمن الزمن المستهدف، لكن تجربة المراجع لا تتحسن. تُنفذ البرامج التدريبية كاملة، لكن فرص العمل لا ترتفع بالوتيرة المأمولة. ويزداد الإنفاق على المشاريع، بينما يبقى الأثر التنموي دون التوقعات.
الأردن لا يعاني نقصًا في الرؤى أو الخطط. فرؤية التحديث الاقتصادي وبرنامجها التنفيذي الثاني (2026-2029)، إلى جانب خارطة طريق تحديث القطاع العام، تمثل واحدة من أكثر منظومات الإصلاح المؤسسي طموحًا في المنطقة.
فهناك مئات المشاريع والمبادرات، وعشرات المؤشرات الاستراتيجية، وتقارير متابعة دورية تصدر عن وحدة متابعة الأداء الحكومي، وهو تطور مؤسسي مهم يعكس انتقال الدولة إلى الإدارة المبنية على النتائج.
لكن نجاح أي منظومة لا يقاس بعدد المؤشرات التي تتابعها، بل بقدرتها على الإجابة عن سؤال واحد: هل تغيّرت حياة المواطن؟
فقد تنخفض مدة إنجاز الخدمة الحكومية إلى دقائق، لكن إذا اضطر المواطن إلى مراجعة ثلاث جهات مختلفة لإتمامها، فإن المؤشر نجح بينما التجربة فشلت.
وقد يرتفع عدد الخدمات الرقمية عامًا بعد عام، لكن إذا بقي كبار السن أو سكان المناطق البعيدة غير قادرين على الوصول إليها بسهولة، فإننا نكون قد قسنا التحول الرقمي ولم نقس العدالة في الوصول إليه.
وقد تنفذ برامج تشغيل الشباب وفق الخطة، لكن المعيار الحقيقي ليس عدد المشاركين، بل عدد من حصلوا على وظائف مستقرة بعد عام، وعدد من بقي في سوق العمل، ومستوى دخلهم. فالتدريب نشاط، أما التوظيف المستدام فهو الأثر.
وهنا يكمن الفرق بين إدارة الإنجاز وإدارة الأثر.
لقد اعتمدت المؤسسات التنموية لعقود مفهوم M&E (Monitoring & Evaluation)، لكنه لم يعد كافيًا وحده لإدارة البرامج المعقدة.
واليوم تتجه الحكومات والمؤسسات الدولية إلى نموذج أكثر تطورًا هو MERAL:
Monitoring للمتابعة، و Evaluation للتقييم، و Reporting للتقارير الدورية التي تدعم القرار، و Accountability للمساءلة أمام المواطنين وأصحاب المصلحة، و Learning لاستخلاص الدروس وتحويلها إلى سياسات أفضل.
إن قيمة MERAL ليست في إضافة ثلاثة أحرف، بل في تغيير طريقة التفكير. فالتقرير لم يعد وثيقة لإثبات ما أُنجز، بل أداة لتحسين ما سيُنجز.
والمساءلة لم تعد مقتصرة على الرؤساء، بل أصبحت تجاه المواطن الذي خُصصت السياسات لخدمته. أما التعلم، فأصبح جزءًا من دورة صنع القرار، لا ملحقًا يُكتب في نهاية المشروع ثم يُنسى.
ولذلك، فإن تطوير منظومة الأداء في الأردن لا يحتاج إلى مؤشرات أكثر، بل إلى مؤشرات أصدق، ومؤشرات تقيس جودة الحياة قبل عدد الأنشطة، وتقيس رضا المستفيد قبل رضا المؤسسة، وتقيس الأثر بعد سنة أو سنتين، لا الإنجاز في نهاية الربع المالي.
ويمكن تحقيق ذلك بثلاث خطوات بسيطة: إضافة مؤشر مستقل لرضا المستفيد في كل تقرير دوري، والفصل بين مؤشرات النشاط ومؤشرات الأثر، وإلزام كل تقرير بالإجابة عن سؤالين: ماذا تعلمنا؟ وما الذي غيّرناه بناءً على هذا التعلم؟
فالدول لا تتقدم لأنها تنتج تقارير أكثر، بل لأنها تتعلم منها أكثر.
وفي النهاية، لا يعيش المواطن داخل لوحة مؤشرات، ولا تعنيه نسب الإنجاز بقدر ما تعنيه جودة المدرسة، وسرعة العلاج، وفرصة العمل، وكفاءة النقل، ومستوى الدخل، ونوعية الحياة.
لهذا، إذا كانت رؤية التحديث الاقتصادي تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية ودولة أكثر كفاءة، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون الانتقال من ثقافة قياس ما ننجزه إلى ثقافة قياس ما نُغيّره.
فالأردن لا يحتاج إلى مؤشرات أكثر...
بل إلى مؤشرات أصدق.