ما بعد 7 أكتوبر: العالم يدخل عصر الحركات الاجتماعية... والسياسة تعود إلى الناس



منذ السابع من أكتوبر 2023، لم يعد العالم كما كان. فقد تحولت الحرب على غزة إلى لحظة كاشفة أعادت رسم الخريطة الأخلاقية والسياسية العالمية، وأسقطت كثيرًا من المسلمات حول النظام الدولي وحقوق الإنسان، وأطلقت موجة غير مسبوقة من الحراك الشعبي، خاصة بين الشباب، الذين باتوا يعيدون تعريف السياسة خارج الأطر الحزبية التقليدية.
لم تعد فلسطين قضية إقليمية، بل أصبحت معيارًا أخلاقيًا يختبر مواقف الحكومات والأحزاب والنخب، وفي الوقت ذاته كشفت الأزمة حدود النموذج السياسي والاقتصادي الذي هيمن على العالم لعقود، في ظل اتساع الفجوة الاجتماعية، وارتفاع المديونية، وتراجع الثقة بالمؤسسات.
وفي المقابل، برزت موجة سياسية جديدة لا تقوم على الأيديولوجيات التقليدية، بل على قضايا الحياة اليومية والعدالة الاجتماعية والسكن والتعليم والرعاية الصحية والكرامة الاقتصادية. 
 ويعد فوز زهران ممداني في نيويورك أحد أبرز تجليات هذا التحول؛ إذ نجح في بناء حركة اجتماعية واسعة خاطبت هموم السكان الحقيقية، من أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة إلى العدالة الضريبية والخدمات العامة، مؤكداً أن السياسة تستعيد تأثيرها عندما تعود إلى الناس لا إلى جماعات الضغط.
ولم يعد هذا التحول مقتصرًا على الولايات المتحدة، بل يتكرر بأشكال مختلفة في بريطانيا، حيث يشهد المشهد السياسي إعادة تشكل عميقة بعد سنوات من الاضطرابات، كما يظهر في صعود قوى وحركات محلية وشبابية، وفي المغرب وعدد من الدول العربية والأوروبية، حيث تتقدم مبادرات مدنية وشبكات اجتماعية رقمية تتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، وتضع قضايا التشغيل، والعدالة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وجودة الحياة في مقدمة الأولويات.
في المقابل، تتعرض المنظومة الاقتصادية العالمية لأسئلة أكثر عمقًا من أي وقت مضى.
 فالنقاش لم يعد يقتصر على السياسات المالية، بل يمتد إلى طبيعة النظام النقدي نفسه، وآليات خلق الائتمان، واتساع الاعتماد على الديون، ومدى قدرة النظام المالي الحالي على تحقيق تنمية عادلة ومستدامة. 
ومع تصاعد هذه النقاشات، تزداد الدعوات إلى نماذج اقتصادية تربط التمويل بالإنتاج الحقيقي، وتعزز الشفافية الرقمية، وتوسع أدوات التمويل التشاركي، وتستفيد من تقنيات البلوك تشين، بما يحقق توازنًا بين كفاءة السوق والعدالة الاجتماعية.

أما في الأردن، فإن هذه التحولات تفتح نافذة تاريخية لإعادة التفكير في السياسة والاقتصاد معًا. فالأزمة لم تعد أزمة أحزاب فقط، بل أزمة نموذج كامل لم يعد قادرًا على استيعاب جيل جديد يعيش في اقتصاد رقمي وعالم متصل، ويبحث عن فرص حقيقية أكثر من بحثه عن الشعارات.

المطلوب اليوم ليس حزبًا تقليديًا جديدًا، بل تيارًا اجتماعيًا ديمقراطيًا حديثًا، يربط بين العدالة الاجتماعية، واقتصاد السوق الاجتماعي، والتحول الرقمي، والسيادة الاقتصادية، وتمكين الشباب والنساء، ويستند إلى البيانات والمعرفة والابتكار، لا إلى الانقسامات الأيديولوجية.

العالم يدخل بالفعل مرحلة ما بعد الديمقراطية الحزبية؛ حيث تتراجع الأحزاب الكبرى لصالح الحركات الاجتماعية المرنة التي تنشأ حول قضايا محددة تمس حياة الناس مباشرة.
 ومن يفهم هذا التحول مبكرًا، سيكون الأقدر على صناعة المستقبل.

ويبقى السؤال أمام الأردن والمنطقة: هل نكتفي بمراقبة هذا التحول العالمي، أم نشارك في صناعته عبر مشروع وطني جديد يعيد السياسة إلى المجتمع، ويعيد الاقتصاد إلى خدمة الإنسان، ويمنح الأجيال القادمة فرصة لبناء دولة أكثر عدالة وإنتاجًا وسيادة؟