بين المؤشرات والواقع… لو بدها تشتي كان غيّمت!
يقول الموروث الشعبي: "لو بدها تشتي كان غيّمت.” وتبادرت إلى ذهني هذه المقولة وأنا أطالع خبراً يتحدث عن تحسن أحد المؤشرات التقنية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وفق تصنيف إحدى المنصات العالمية.
بدايةً، لا بد من التأكيد على حقيقة لا يختلف عليها اثنان؛ فكل أردني غيور يفرح لأي إنجاز يحققه وطنه، مهما كان حجمه أو مجاله، ويتمنى أن يرى الأردن في مقدمة الدول في التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي ، وعندما يتقدم وطننا في أي مؤشر عالمي، فإن ذلك يسعدنا جميعاً ويدفعنا للفخر والاعتزاز.
لكن… وهنا أضع تحت كلمة لكن مئات الخطوط.
هل لمس المواطن الأردني أثراً حقيقياً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إنجاز معاملاته الحكومية؟ وهل أصبحت الخدمات الإلكترونية مترابطة ومتكاملة بحيث يستطيع المواطن إنهاء معاملته من منزله وهو يحتسي فنجان قهوته؟ أو على الأقل إنجازها من نافذة حكومية واحدة، بدلاً من التنقل بين مؤسسة وأخرى، حاملاً الأوراق والوثائق من مكان إلى آخر؟
إن التحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بعدد المؤتمرات، ولا بحجم التصريحات الإعلامية، ولا بعدد المؤشرات التي تتحسن على الورق، وإنما يُقاس بالفرق الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية.
كل معاملة تُنجز إلكترونياً تعني وقتاً أقل، وجهداً أقل، وكلفة أقل. وتعني أيضاً ازدحاماً أقل، واستهلاكاً أقل للوقود، وضغطاً نفسياً أقل، بل وحتى تقليلاً لاحتمال الوقوع في مخالفة سير بسبب البحث الطويل عن موقف للسيارة أمام إحدى الدوائر الحكومية.
لذلك، فإن المواطن لا يبحث عن عناوين براقة بقدر ما يبحث عن خدمة حكومية سهلة وسريعة وذكية، يشعر معها بأن التكنولوجيا جاءت لتخدمه، لا ليقرأ عنها في الأخبار فقط.
إن الأردن يمتلك ثروة حقيقية من الكفاءات الشابة المؤهلة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي ، وهذه الطاقات تستحق أن تكون جزءاً من دائرة صنع القرار، وأن تُمنح الفرصة لتقود مشاريع التحول الرقمي برؤية حديثة، تواكب طموحات جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، اللذين يؤكدان باستمرار أهمية بناء اقتصاد رقمي حديث، ووضع الأردن في مصاف الدول المتقدمة تكنولوجياً.
نحن لا نفتقر إلى العقول، ولا إلى الإرادة، ولا إلى الإمكانات البشرية، وإنما نحتاج إلى قيادة تنفيذية تمتلك الرؤية والخبرة والقدرة على تحويل الخطط إلى واقع يلمسه المواطن، فتقود سفينة التحول الرقمي بثقة حتى تصل إلى بر الأمان.
وأخيراً… أتمنى ألا يصل بنا الإحباط إلى أن نردد كلمات الأغنية المشهورة :
"كتبنا وما كتبنا… ويا خسارة ما كتبنا، كتبنا مية مكتوب… ولهلّا ما جاوبنا.”
فالمواطن لا يريد وعوداً جديدة، بل يريد نتائج يراها بعينه، ويعيشها في يومه، ويشعر بأن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من حياته، لا مجرد أرقام تتصدر التقارير والمؤشرات.