المقاعد لا تصنع الكبار… الأخلاق هي التي تتصدر المشهد.


في كل مناسبة اجتماعية نحضرها، نرى صورًا متعددة من السلوك الإنساني؛ بعضها يبعث على الارتياح ويعكس رقيًّا في التعامل، وبعضها الآخر يدعونا إلى التوقف والتأمل ، ومن أكثر الظواهر التي باتت تتكرر، مع الأسف، الحرص المبالغ فيه على الجلوس في المقاعد المخصصة لكبار الضيوف أو ما يُعرف بمقاعد VIP.

لا خلاف على أن احترام الناس وتقديرهم قيمة أصيلة في مجتمعنا، وقد أحسن السلف حين قالوا: "أنزلوا الناس منازلهم”. لكن هذا الاحترام لا ينبغي أن يتحول إلى فوضى، أو إلى سباق على المقاعد، أو إلى مشهد يربك أصحاب المناسبة ويشغل الحضور عن الهدف الحقيقي من اللقاء.

فمن يصل متأخرًا إلى أي مناسبة، فالأولى به أن يجلس في أول مقعد متاح، بكل هدوء وتواضع، دون أن يضطر الجميع للالتفات إليه، أو أن يتحرك الآخرون لإفساح مكان له في الصفوف الأولى. فالمقعد لا يرفع من قيمة الإنسان، كما أن الجلوس في الصفوف الخلفية لا ينتقص من قدره ، قيمة الإنسان تُقاس بأخلاقه، واحترامه للآخرين، وتواضعه، وحسن حضوره، لا بموقع الكرسي الذي يجلس عليه.

بل إنني أرى أن الوقت قد حان لإعادة النظر في ثقافة المقاعد المخصصة لكبار الشخصيات في كثير من مناسباتنا الاجتماعية، وأن تكون جميع المقاعد متاحة للجميع، فيجلس كل إنسان حيث يصل، بعيدًا عن الحساسيات والمجاملات والعتب الذي لا داعي له ، فالمناسبات الاجتماعية وجدت لتقريب القلوب، لا لترتيب المراتب.

كم هو جميل ذلك الإنسان الذي يدخل بابتسامة صادقة، يصافح الجميع بمحبة، ويجلس حيث يجد مكانًا، فلا يرهق المنظمين، ولا يلفت الأنظار إلى نفسه، ولا يشعر الآخرين بأن حضوره يحتاج إلى ترتيبات خاصة ، هذا الإنسان يفرض احترامه بأدبه، لا بمنصبه، ويكسب القلوب بتواضعه، لا بمكان جلوسه.

وفي المقابل، فإن الانشغال بالمظاهر والحرص على تصدر الصفوف الأولى لا يضيف إلى صاحبه وقارًا، بل قد يترك انطباعًا سلبيًا بأن المظهر أهم لديه من الجوهر، وأن المكانة تُطلب بالمقاعد لا بالأخلاق.

ويبقى الدرس الأجمل أن التواضع لا ينتقص من أحد، بل يزيده رفعة في أعين الناس، وأن الاحترام الحقيقي لا يُفرض بالمكان، وإنما يُكتسب بحسن الخلق وصدق التعامل.

فالقاعدة الذهبية التي لا تخيب هي:
احترم تُحترم، وتواضع ترتفع، فمكانتك الحقيقية في قلوب الناس، لا في الصف الأول.