ليلة لا ينام فيها أحد.. كيف يواجه اللاعبون قلق نهائي كأس العالم؟


تتحول الليلة التي تسبق نهائي كأس العالم إلى اختبار نفسي لا يقل صعوبة عن المباراة نفسها، إذ يواجه اللاعبون صراعًا بين الحاجة إلى النوم وضغط الحدث التاريخي. ورغم أن القلق قد يعرقل الراحة، يؤكد مختصون أن الاستعداد النفسي والروتين اليومي وإدارة التوتر عوامل تساعد اللاعبين على تقديم أفضل أداء عندما تنطلق صافرة البداية. يطفئ اللاعب الضوء، لكن المباراة تستمر في رأسه؛ فرصة قد تصل إليه، أو مهاجم عليه مراقبته، أو ركلة جزاء قد يضطر إلى تنفيذها، أو خطأ واحد قد يبقى مرتبطًا باسمه طوال حياته.

يعرف اللاعبون أنهم بحاجة إلى النوم كي تتعافى أجسادهم ويحافظوا على قدرتهم على التركيز. لكن إدراكهم أهمية النوم قد يتحول إلى ضغط إضافي: "يجب أن أنام الآن، لم يبق سوى ساعات، ماذا لو استيقظت متعبًا؟"

وأظهرت دراسات أجريت على رياضيين محترفين أن اضطرابات النوم تزداد قبل المنافسات المهمة. وفي إحدى الدراسات، قال 64% من المشاركين إنهم ناموا بصورة أسوأ قبل حدث مهم مرة واحدة على الأقل خلال العام الماضي. وكان القلق والضوضاء والاستيقاظ المتكرر من أبرز الأسباب.

فكيف يواجه اللاعبون الليلة الأكبر في حياتهم؟ جسد متعب وعقل لا يتوقف يصل اللاعب إلى النهائي بعد أكثر من شهر من التدريبات والمباريات والسفر. ومن المفترض أن يكون التعب كافيًا للنوم، لكن التوتر يرفع مستوى الاستثارة الجسدية والذهنية.

وقد يزداد نبض القلب، وتبقى العضلات في حالة استعداد، فيما يعيد العقل مشاهد متخيلة للمباراة. ولا تكون الأفكار سلبية دائمًا، إذ إن الحماس الشديد وتخيل رفع الكأس قد يمنعان الدماغ من الانتقال إلى حالة الهدوء المطلوبة للنوم.

ويصبح الأمر أكثر صعوبة لمن يخوض النهائي للمرة الأولى. فالمباراة ليست مجرد موعد رياضي جديد، بل حدث يدرك اللاعب أن عائلته وبلده ومئات الملايين يتابعونه. ويزداد القلق حين يحاول العقل توقع كل ما قد يحدث خلال 90 دقيقة لا يمكن التحكم فيها بالكامل.

هل تفسد ليلة سيئة النهائي؟ قد تؤثر قلة النوم في سرعة رد الفعل واتخاذ القرار والمزاج والإحساس بالتعب. كما تؤدي اضطرابات النوم المتكررة إلى إضعاف الاستشفاء البدني والذهني. لكن ليلة واحدة سيئة لا تعني بالضرورة أن اللاعب سيقدم مباراة سيئة.

ويستطيع الجسم تحمل نقص محدود في النوم، خصوصًا إذا حصل اللاعب على نوم جيد خلال الأيام السابقة. ولهذا تعمل الأجهزة الطبية على ما يسمى أحيانًا "تخزين النوم"، أي زيادة مدته تدريجيًا قبل الحدث، بدلًا من وضع كل الرهان على الليلة الأخيرة.

وقد يساعد توقيت النهائي المتأخر أيضًا في منح اللاعبين فرصة للراحة أو القيلولة خلال النهار، لكن القيلولة نفسها تحتاج إلى تنظيم حتى لا يستيقظ اللاعب مثقلًا أو يجد صعوبة أكبر في النوم ليلًا. وتشير مراجعات علمية إلى أن القيلولة التي تتراوح بين 20 و90 دقيقة قد تكون مفيدة، مع ترك وقت كاف للتخلص من خمول الاستيقاظ قبل النشاط.

الروتين يحمي اللاعب من حجم المناسبة تحاول المنتخبات التعامل مع ليلة النهائي بوصفها ليلة طبيعية قدر الإمكان. فلا يُغيَّر موعد العشاء من دون ضرورة، ولا تُضاف اجتماعات طويلة، ولا يُطلب من اللاعبين البقاء معًا طوال الوقت.

ويحافظ بعض اللاعبين على روتين بسيط، مثل تناول وجبة مألوفة، وإجراء مكالمة قصيرة مع العائلة، والاستماع إلى الموسيقى، أو القراءة، أو مشاهدة محتوى بعيد عن كرة القدم. والفكرة ليست نسيان النهائي، بل منع المباراة من احتلال كل دقيقة حتى موعد النوم.

وتساعد الطقوس المتكررة في منح العقل شعورًا بأن الأمور تحت السيطرة. وتشمل هذه الطقوس تمارين التنفس، والحديث الذاتي، والتخيل الذهني، وارتداء ملابس مألوفة، أو الجلوس في المكان نفسه داخل الحافلة.

ولهذا لا يسخر المختصون دائمًا من عادات اللاعبين الغريبة، فما يبدو خرافة بسيطة قد يؤدي وظيفة نفسية حقيقية، ما دام لا يتحول إلى شرط يشعر اللاعب بالعجز إذا تعذر تنفيذه.

تخيل المباراة من دون العيش فيها طوال الليل يستخدم اللاعبون التخيل الذهني للتحضير للمواقف المتوقعة، مثل استلام الكرة تحت الضغط، أو تنفيذ ركلة ثابتة، أو التصدي لانفراد، أو التعامل مع خطأ مبكر.

ويمكن لهذا التدريب أن يعزز الثقة ويجعل الموقف مألوفًا عندما يحدث. لكن التخيل يفقد فائدته إذا تحول إلى تكرار قهري لجميع السيناريوهات السلبية.

رياضة - العالم إسبانيا والأرجنتين في نهائي المونديال.. بين عبقرية الاستحواذ وهيبة البطل وهنا يأتي دور اختصاصي علم النفس الرياضي، إذ لا يطلب من اللاعب إلغاء أفكاره، لأن محاولة منع التفكير بالمباراة قد تجعلها أكثر حضورًا. بل يساعده على ملاحظة القلق، وتنظيم التنفس، ثم إعادة التركيز إلى الأمور التي يستطيع التحكم فيها.

وتُستخدم تقنيات مثل التنفس البطيء، والاسترخاء العضلي، والحديث الذاتي الإيجابي، والتخيل الذهني، للمساعدة في خفض القلق وتحسين الاستعداد للمنافسة.

عندما يصبح الهاتف خصمًا آخر قد يزيد الهاتف من صعوبة النوم، ليس بسبب الضوء وحده، بل بسبب ما يحمله. فقبل النهائي، تتدفق الرسائل من الأصدقاء والعائلة، وتظهر التوقعات والانتقادات ومقاطع المباريات السابقة وتعليقات الجماهير.

ولا يحتاج اللاعب إلى قراءة شتيمة كي يتوتر، فقد تكون رسالة دعم طويلة كافية لتذكيره بحجم ما ينتظره. لذلك تضع بعض الفرق قواعد أو تقدم نصائح تحد من استخدام الأجهزة مساءً، وتساعد اللاعبين على الانفصال مؤقتًا عن الضجيج الخارجي. ولا يعني ذلك عزلهم بالكامل، فالحديث مع شخص يثقون به قد يكون مهدئًا، لكن التنقل المستمر بين الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي يجعل الدماغ في حالة تأهب لا تتوافق مع النوم.

القلق ليس عدوًا دائمًا لا يسعى الجهاز النفسي إلى جعل اللاعب خاليًا من القلق، فمستوى معتدل من التوتر يرفع الانتباه ويهيئ الجسم للمنافسة. وتبدأ المشكلة عندما يفسر اللاعب كل علامة جسدية على أنها دليل على عدم استعداده. فالنبض السريع قد يعني الخوف، لكنه قد يعني أيضًا أن الجسد يستعد للمواجهة. كما أن الشعور بثقل المسؤولية لا يعني بالضرورة أن اللاعب سينهار تحتها. ولهذا يحاول اللاعبون الأكثر خبرة تغيير علاقتهم بالقلق، لا التخلص منه. فهم يتقبلون أن النوم قد يتأخر، وأن المباراة ستقام سواء ناموا 7 ساعات أو 5 ساعات، وأن الهدف ليس الشعور بالهدوء التام، بل القدرة على الأداء رغم الضجيج الداخلي. وفي صباح النهائي، قد يتبادل اللاعبون السؤال المعتاد: "هل نمت جيدًا؟" وقد يجيب بعضهم بـ"نعم"، فيما يكتفي آخرون بابتسامة من دون إجابة. لكن مع انطلاق المباراة، لا يبقى أحد يفكر في عدد ساعات النوم، إذ يتحول القلق إلى حركة وركض وقرارات داخل الملعب، وتتحول الليلة التي لم تنته في الرأس إلى 90 دقيقة يمكن أخيرًا عيشها على أرض الملعب.