توثيق السردية الأردنية.. لماذا؟
يكاد يتكرر هذا السؤال في كل لقاء أو محاضرة قدمتها عن السردية الأردنية، حيث يبدو لي أن هناك حاجة ماسة لأن تضاعف وزارة الثقافة جهودها، لبيان الأهداف والغايات المرجوة من توثيق السردية الأردنية أمام الرأي العام الأردني، من أجل رفع مستوى التحفيز الوطني للمشاركة في هذا المشروع الوطني، الذي أعتقد جازماً بأنه لا يقل أهمية عن باقي المشروعات الوطنية، الإقتصادية، الإدارية، التعليمية، والسياسية.
المأمول أن يوفر المنتج النهائي لتوثيق السردية مشروعاً ثقافياً أردنياً، عريقاً في الأصل، غنياً في المحتوى، قابلاً لأن يكون مرجعاً لكل باحث، يجد فيه كاتب الروايات ضالته حين يبحر في كم هائل من التراث الموثق، يبني عليه رواياتٍ تحمل مغازيها وعبقها الثقافي إلى الأجيال القادمة، ويلقى فيه كاتب القصة القصيرة، مخزوناً رائعاً لإنتاج أدبٍ رفيع وحبكاتٍ تعيد إحياء تراثنا الغائر في خبايا التاريخ، ويجد بعد ذلك منتجو الدراما مادةً غزيرة تمكنهم من إعادة الألق للدراما الأردنية، وانعاشٍ لسوق الفن الأردني، وحكايانا البدوية والريفية الجميلة.
من جانبٍ آخر، سيتمكن باحثو التراث من تحقيق موادٍ علمية موثقة، مؤطرةً منهجياً، يستندون عليها في كتابة اطروحاتهم العلمية والفكرية، وكذلك يجد الأدباء والشعراء الباحثين عن موضوعاتٍ جزلة المعاني وعميقة المباني، فيها مرادهم المنشود لإنتاجهم الأدبي والشعري.
أما باحثو التاريخ العسكري وكتاب الفكر السياسي، فحتماً، سيكتشفون رؤية أخرى للمعارك التي خاضها الجيش العربي المصطفوي، لم ترَ النور الذي تستحق، ناهيك عن اعادة الاعتبار للمواقف الأردنية القومية التي سرقها أصحاب الأجندات غير الوطنية، الذين حرَّفوا وحوَّروا، تفسيراً وتأويلاً، محطات التاريخ الأردني عن مقاصده، خدمةً لمشاريعهم التي لم تملك إرثاً، ولم تحدث أثراً، في القضايا العربية.
يُعيد توثيق السردية الأردنية أيضاً تسليط الضوء من جديد، على دور العشائر الأردنية التاريخي، بأبعاده المحلية والقومية، بعد نفض الغبار عن فترات زمنية أخفت أدوارها ومواقفها السياسية، نتيجة غياب التوثيق. وتبيانٌ للأجيال القادمة، أن ذلك التحالف الذي قاده الآباء والأجداد، جنباً إلى جنب مع الهاشميين، في ملحمة بناء الوطن، لم يكن سهلاً، بل كان حفراً في الصخر، حيث واجهوا الصعب في معركة التنمية، بعزيمةٍ لم تقهرها دعاوى المناكفين، ولا يأس المحبطين، ولم يشغلهم ذلك أبداً عن تقديم الغالي والنفيس على أرض فلسطين وباحات الأقصى المبارك.
بايجازٍ شديد، توثيق السردية الأردنية يهدف في النتيجة إلى حفظ وتمتين بناء الرواية الوطنية الموثقة، التي تعكس تاريخ الأردن القديم والحديث، وهويته ومسيرته العريقة، بما يضمن انتقالها بشكل دقيقٍ ومستدام إلى الأجيال القادمة.