دور النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الفساد الدولي


يعد الفساد الدولي من أبرز التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات , اذ يؤثر في التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي والعدالة الاجتماعية . ولا ينشأ الفساد بمعزل عن البيئة المحيطة . بل تسهم النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بدرجات متفاوتة في انشاءه أو الحد منه .

قد يلعب النظام السياسي دورا أساسيا في مكافحة الفساد أو تفاقمه . ففي الأنظمة التي تفتقر الى الشفافية والمساءلة واستغلال القضاء تزداد فرص استغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية . أما الأنظمة التي تعتمد على سيادة القانون والفصل بين السلطات , وحرية الاعلام فتكون أكثر قدرة على كشف الفساد ومحاسبة المسؤولين مما يقلل من انتشاره .

أيضا يساهم النظام الاقتصادي في زيادة الفساد اذا غابت الرقاية على الأسواق أو انتشرت الاحتكارات والرشوة في العقود الحكومية , والمناقصات وغيرها , كما أن ضعف الرقابة المالية وغياب الشفافية في ادارة الموارد العامة يفتحان المجال أمام غسيل الأموال والتهرب الضريبي والاختلاس , وفي المقابل فان تطبيق قواعد الحوكمة الرشيدة , وتعزيز المنافسة العادلة , والرقابة المالية الفعالة يساعد في الحد من مظاهر الفساد .

وتبين النظم الاجتماعية  انتشار الفساد من خلال القيم والعادات السائدة في المجتمع . فقد تؤدي المحسوبية والواسطة والعلاقات الشخصية الى تفضيل الأفراد على أساس القرابة أو النفوذ بدلا من الكفاءة والاستحقاق . كما أن ضعف الوعي المجتمعي بأضرار الفساد وقلة المشاركة في الرقابة المجتمعية يسهمان في استمراره . وعلى الجانب الآخر فان نشر ثقافة النزاهة وتعزيز قيم المسؤولية والمواطنة ودعم التعليم والتوعية يسهم في بناء مجتمع يرفض الفساد . ومن جانب آخر ان دور سلوك الأفراد , لايقل أهمية عن العوامل المؤسسية , فالنزاهة الشخصية , والالتزام بالقانون , والقيم الأخلاقية , والثقافة المجتمعية , تؤثر في انتشار الفساد أو الحد منه . حتى في البيئات التي توجد فيها فرص للفساد , قد يمتنع الكثير من الأفراد عن ممارسته بسبب وازع أخلاقي أو خوف من العقوبات , وفي المقابل قد يسهم قبول المجتمع للرشوة أو المحسوبية في ترسيخ هذه الممارسات .

لذلك فان الرأي الأكثر توازنا هو أن العوامل المؤسسية والاقتصادية وسلوك الأفراد عوامل متكاملة ولا يمكن تفسير ظاهرة الفساد بأشكاله المتعددة باعتماد على أحدهما بمعزل عن الآخر.

وقد يكون هنالك علاقة قوية بين الفساد وارتفاع نسب الفقر والبطالة والمديونية وعجز الميزان التجاري وعجز الموازنة العامة وتذبذبات الأسواق المالية , ولكن العلاقة ليست دائمة مباشرة أو وحيدة , فهذه الظواهر الاقتصادية غالبا ماتنتج عن مجموعة من العوامل والفساد قد يكون أحدهما وأهمهما .

عندما تهدرالأموال العامة أو تسرق , تقل الموارد المتاحة الى التعليم والصحة والبنية التحتية وبرامج الحماية الاجتماعية مما يزيد من معدلات الفقر . والفساد يضعف الاستثمار ويجعل بيئة الأعمال أقل جاذبية فيتراجع انشاء المشاريع وفرص العمل مما يزيد من معدلات البطالة . واذا انخفضت الايرادات بسبب الفساد أو زاد الانفاق العام , قد تلجأ الحكومة الى الاقتراض لتغطية العجز , والرشوة , والتهرب الضريبي وسوء ادارة الانفاق العام قد تؤدي الى انخفاض الايرادات وارتفاع النفقات مما يزيد من عجز الموازنة العامة . واذا أدى الفساد الى ضعف الانتاجية وانخفاض القدرة التصديرية يؤدي ذلك الى ارتفاع الفجوة بين المستوردات والصادرات وبالتالي زيادة عجز الميزان التجاري . وان تذبذبات الأسواق المالية من انتشار الفساد يضعف ثقة المستثمرين وقد يؤدي الى تقلبات في أسواق الأسهم والعملة وهروب رؤوس الأموال .

وقد ترتفع أيضا بسبب عوامل أخرى مثل الأزمات الاقتصادية الدولية , الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية , وضعف السياسات الاقتصادية والنقدية والتغير في أسعار الفائدة عالميا .

لذلك يمكن القول أن الفساد يعد عاملا مهما قد يفاقم هذه المشكلات ولكنه ليس السبب الوحيد لها . وتختلف درجة تأثيره من دولة الى اخرى بحسب قوة المؤسسات وجودة الادارة العامة والسياسات الاقتصادية المتبعة , وان معالجته لاتعتمد فقط على العقوبات بل على اصلاح البيئة الأدارية والاقتصادية , مثل تبسيط الاجراءات وتقليل البيروقراطية وتحسين رواتب الموظفين في حدود الامكانات المالية للدولة وتطوير أنظمة الرقابة الرقمية .

لذا المطلوب من الحكومة الاردنية أن تعالج الظواهر المزمنة من ارتفاع نسب البطالة , وارتفاع حجم الدين العام , وعجز الميزان التجاري , وعجز الموازنة العامة , وضعف الانتاجية الاستثمارية . حيث تظهر المؤشرات الدولية أن الاردن من أعلى دول العالم في البطالة خصوصا بين الشباب والنساء وأسوء من معظم الدول المتقدمة وحتى كثير من الدول النامية , والدين العام مرتفع جدا يقارب مستويات الاقتصادات المثقلة بالديون والعجز المزمن في الميزان التجاري والموازنة العامة , نتيجة ضعف الكفاءة الانتاجية الاستثمارية في الاقتصاد , هذا من الجانب الاقتصادي , ومن الجانب الأداري الحد من الفساد من خلال تفعيل منظومة السلوك . وكما قال جلالة الملك عبد الله الثاني , على كافة المواقع الاعلامية وقد نشر في جريدة الرأي يوم الأحد محرم 1438 هجري المـوافق 16 تشـــرين الأول 2016 ( سيادة القانون أساس الدولة المدنية . وسيادة القانون الجسر الذي ينقلنا لمستقبل أفضل . وضمان حقوق الأقلية متطلب لضمان حقوق الأغلبية . تطبيق القانون على المسؤول قبل المواطن دون محاباة أو تساهل ولا بد من أدوات رقابية فعالة . الواسطة , المحسوبية سلوكيات تفتك بالمسيرة التنموية . صيانة وتطوير القضاء وترسيخ ثقافة النزاهة وتفعيل منظمة السلوك . ) انتهى الاقتباس .

ومن الآيات الكريمة في أداء الأمانات والعدل في المسؤوليات قوله تعالى ( ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) سورة النساء الأية 59 . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) متفق عليه . وقال ( اذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ) فقيل وكيف اضاعتها قال اذا وسد الأمر الى غير أصله فانتظر الساعة رواه محمد بن اسماعيل البخاري .

تقوى الله راحة للنفس البشرية واخلاص في العمل الى الأمة والوطن , ورقي في ثقافتها وحضارتها,  فالثقافة القوة الذاتية التي تكتسب بالتنشئة , أما الحضارة فهي قوة على الطبيعة عن طريق العلم , فالعلم والتكنولوجيا والمدن والدول كلها تنتمي الى الحضارة , وكل من الثقافة والحضارة ينتمي أحدهما للآخر , كما ينتمي عالم السماء الى هذا العالم الدنيوي .