حين تلبس السياسة قميص كرة القدم!
لم تعد الرياضة مجرد مباراة تُلعب بين فريقين، ولا كرة تتقاذفها الأقدام فوق مستطيل أخضر ، لقد كانت ولسنوات طويلة، الملاذ الأخير للإنسان الهارب من صخب السياسة، وضغوط الاقتصاد، وتعب الحياة اليومية ، كانت المساحة التي يلتقي فيها الناس على اختلاف أعراقهم وأديانهم وأفكارهم، ليصفقوا للمهارة، ويحترموا المنافس، ويؤمنوا بأن العدالة تبدأ مع صافرة الحكم.
لكن يبدو أن هذا الملاذ لم يعد بمنأى عن الشكوك والأسئلة.
فالإنسان الذي أنهكته فواتير الحياة، وأثقلته الأزمات، لم يكن يبحث في كرة القدم عن معركة سياسية جديدة، بل عن فسحة أمل تنسيه بعض ما يحيط به ، إلا أن ما شهدناه في بطولة كأس العالم الحالية دفع كثيرين إلى التساؤل: هل ما زال المستطيل الأخضر ساحةً للتنافس العادل، أم أن السياسة والنفوذ والمصالح أصبحت تلقي بظلالها حتى على اللعبة الأكثر شعبية في العالم؟
قد يختلف الناس في تفسير النتائج، لكنهم يتفقون على أن العدالة ليست مجرد قرار تحكيمي، بل شعور عام بأن الجميع بدأوا من نقطة واحدة، وأن الطريق إلى المجد لا يُرسم وفق المكانة، ولا الشهرة، ولا التصنيف، بل وفق ما يقدمه اللاعبون داخل الملعب.
وعندما يلاحظ المتابع أن بعض المنتخبات تشق طريقها إلى الأدوار المتقدمة دون مواجهة منافسين من الصف الأول، بينما تجد منتخبات أخرى نفسها في مواجهات نارية منذ البداية، فإن الأسئلة تصبح مشروعة، حتى وإن اختلفت الإجابات ، فالثقة في النهاية لا تبنى على القوانين وحدها، بل على اقتناع الجماهير بأن المنافسة متكافئة.
لقد اعتدنا، في عالم السياسة، على سماع عبارات مثل "ازدواجية المعايير”، و”الكيل بمكيالين”، و”العدالة الانتقائية”. والمؤلم أن يشعر المشجع بأن هذه المفاهيم بدأت تجد طريقها إلى الرياضة أيضًا، ولو على مستوى الانطباع العام لدى كثير من المتابعين.
إن كرة القدم أكبر من بطولة، وأعظم من كأس، وأبقى من لقب ، إنها لغة الشعوب، ومتنفس البسطاء، والابتسامة التي تنتظرها الملايين بعد يوم طويل من التعب ، وإذا اهتزت الثقة في نزاهتها، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون منتخبًا غادر البطولة، بل الرياضة نفسها.
وفي النهاية، لا نطالب إلا بشيء واحد: أن يبقى الفوز ثمرة للجهد، والهزيمة نتيجةً للمنافسة، وأن يشعر كل منتخب، صغيرًا كان أم كبيرًا، بأن حظه يُصنع في الملعب لا خارجه.
فإذا فقد الناس ثقتهم حتى بالمستطيل الأخضر… فماذا بقي لهم ليصدقوه في هذا العالم؟