النرجسية الفنية
في الفن، كما في الحياة، لا يصنع المجد شخصٌ واحد، بل تصنعه منظومة متكاملة تبدأ بالكاتب، وتمر بالمخرج، والممثل، ومدير التصوير، وفني الإضاءة، ومهندس الصوت، والمؤلف الموسيقي، ومهندس الديكور، وصولاً إلى ذلك الممثل الذي قد يظهر لثوانٍ معدودة، لكنه يمنح المشهد صدقه وحياته. ومع ذلك، يظهر بين الحين والآخر من يعتقد أن العمل الفني خُلق من أجله وحده، وأن الجميع مجرد كواكب تدور في فلكه.
هذا الفنان النرجسي يعيش في عالمه الخاص؛ يرى نفسه المؤلف، وإن لم يكتب حرفاً، والمخرج، وإن لم يقل يوماً "أكشن"، والبطل، حتى في الأعمال الجماعية. وليس في ذلك ما يعيب إذا امتلك الموهبة والقدرة، فالفنان الشامل ظاهرة جميلة حين يحترم زملاءه ويقدّر جهودهم. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقة بالنفس إلى نرجسية، ويتحول النجاح الجماعي إلى ملكية خاصة، ويصبح الآخرون مجرد كومبارس في عمل يراه بطولةً مطلقة له.
والمفارقة أن بعض هؤلاء يتعامل مع زملائه، صغاراً وكباراً، وكأنهم دخلوا الوسط الفني بالأمس، متجاهلاً تاريخهم الطويل وتجاربهم وما قدموه للمسرح والدراما والتلفزيون. يتحدث بثقة العارف بكل شيء، ناسياً أن الفن لا يعترف بسلطة المال أو الصوت المرتفع، بل بالإنجاز والاحترام والتاريخ المهني.
والأغرب أنهم يطالبون الجميع بالتصفيق لهم، بينما يبخلون بكلمة تقدير لفنان سبقهم إلى المسرح، أو لممثل حمل أدواراً صعبة وأسهم في نجاح أعمال كاملة دون أن يبحث عن الضجيج الإعلامي. فالنجم الحقيقي لا يخشى وجود نجوم آخرين إلى جانبه، أما النرجسي فيرى في كل موهبة تهديداً لمكانته.
ومن أكثر المصطلحات ظلماً في الوسط الفني كلمة "كومبارس"، إذ تُستخدم أحياناً وكأنها وصف لمن لا قيمة له، بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً. فالكومبارس ليس زينة للمشهد، بل عنصر أساسي في بنائه. ففي الأعمال التاريخية والبدوية وأعمال البيئة والمسرح، كثيراً ما يكون هو من يمنح المكان روحه، ويجعل المدينة مدينة، والسوق سوقاً، والمعركة معركة، والفرح فرحاً.
الكومبارس هم ملح العمل الفني. يقضون ساعات طويلة في مواقع التصوير، ينتظرون دورهم بصبر، وقد يظهر أحدهم لدقيقة واحدة، لكن غيابه قد يكشف فراغ المشهد بأكمله. إنهم الجنود المجهولون الذين تُبنى فوق أكتافهم نجاحات النجوم، ويحصد المنتجون ثمار أعمالهم، بينما يكتفي كثير منهم بأجر متواضع، وربما لا ينال حتى كلمة شكر.
وللأسف، ما زال بعض المنتجين والمخرجين يتعاملون مع أصحاب الأدوار الثانوية وكأنهم مجرد أرقام، رغم أن بينهم مواهب حقيقية تستحق فرصاً أكبر. فكثير من نجوم اليوم بدأوا بأدوار صغيرة، ولولا تلك الفرص لما عرفهم الجمهور.
ومن وجهة نظري الشخصية، وبحكم متابعتي المتواضعة للوسط الفني، فإن الفنان الأردني نضال البتيري الذي فقد بصرة ولم يفقد موهبتة يمثل نموذجاً لفنان يمتلك حضوراً مسرحياً وتلفزيونياً لافتاً، وخبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود. وبرأيي، فإن إمكاناته في تجسيد الشخصيات لا تقل عن إمكانات كثير من نجوم الدراما العربية، ومع ذلك أشعر أحياناً بأن بعض المنتجين لم يمنحوه المكانة الفنية التي يستحقها، أو حصروه في مساحة أقل من قيمة خبرته وتجربته. وهذا، بطبيعة الحال، رأي شخصي يحتمل الاتفاق أو الاختلاف.
الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد اللقطات، ولا بحجم الاسم المكتوب على شارة العمل، بل بالأثر الذي يتركه الفنان في ذاكرة الجمهور. فكم من بطل نسيه الناس بعد انتهاء المسلسل، وكم من صاحب دور صغير بقي عالقاً في ذاكرتهم لسنوات.
في النهاية، يحتاج الوسط الفني إلى جرعة من التواضع أكثر من حاجته إلى جرعة من النرجسية. فالمسرح لا يضيء بمصباح واحد، والكاميرا لا ترى وجهاً واحداً، والعمل الفني لا ينجح إلا عندما يشعر كل فرد فيه بأن جهده محل احترام، من البطل الأول إلى آخر كومبارس يقف في خلفية المشهد. فربما كان ذلك الكومبارس هو من منح المشهد صدقه، بينما اكتفى النرجسي بالبحث عن زاوية تُظهره أكبر من الجميع.