تصدعات خطيرة.. تغيّر المناخ يهدد نصف المنازل في فرنسا

يواجه أكثر من نصف المنازل في فرنسا مخاطر متزايدة نتيجة تشققات التربة الطينية الناجمة عن تعاقب موجات الجفاف والأمطار الغزيرة بفعل تغيّر المناخ؛ مما يؤدي إلى تصدعات خطيرة في المباني.

ويصف متضررون الظاهرة بأنها تحوّلت إلى "مأساة وطنية"، في ظل اتساع نطاق الأضرار وارتفاع كلفة الإصلاحات.


وكشفت صحيفة "لو موند" الفرنسية، في تقرير ميداني، أن ظاهرة انكماش وانتفاخ التربة الطينية لم تعد مشكلة محلية محدودة، بل تحوّلت إلى خطر واسع النطاق يهدد البنية السكنية في مختلف مناطق البلاد، لا سيما في الجنوب الغربي والمناطق المحيطة بمدينة تولوز، حيث تتفاقم التشققات في المنازل بشكل ملحوظ مع كل موجة حر جديدة.

وبحسب التقرير، فإن التغيّرات المناخية المتسارعة، وما يصاحبها من فترات جفاف طويلة تتبعها أمطار غزيرة، تؤدي إلى تمدد وانكماش طبقات الطين في التربة؛ ما يُضعف أساسات المباني تدريجياً ويؤدي إلى تشققات قد تمتد عبر الجدران وتؤثر في الأبواب والنوافذ، بل وتعرقل استخدامها في بعض الحالات.

في أحد الأحياء السكنية ببلدة بولوك في إقليم أوت-غارون، يروي أحد السكان تفاصيل معاناته اليومية مع منزله الذي بدأ يتشقق منذ سنوات، حيث بات يراقب باستمرار تطور الشقوق وقياس اتساعها، في محاولة لتوثيق تدهور البنية الإنشائية، وسط مخاوف من فقدان كامل لقيمة العقار.

وتشير بيانات رسمية أوردتها الصحيفة إلى أن نحو 55% من الأراضي الفرنسية أصبحت معرّضة بدرجات متوسطة أو مرتفعة لخطر حركة التربة الطينية، بزيادة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل هذه الظاهرة اليوم أحد أبرز التهديدات التي تطال السكن الفردي في البلاد، الذي يضم أكثر من 20 مليون منزل.

من جهته، يؤكد خبير المخاطر الجيولوجية في جامعة مونبلييه، فريدي فينيه، بحسب ما نقلته "لو موند"، أن هذه الظاهرة كانت في السابق محصورة في مناطق جيولوجية محددة، لكنها توسّعت بشكل كبير منذ موجة الجفاف عام 2022، لتصبح "أزمة وطنية صامتة" تمتد إلى مناطق لم تكن معروفة سابقاً بهذا النوع من المخاطر.

وفي شمال تولوز، تتزايد شكاوى السكان من تدهور سريع في منازل شُيّدت خلال العقود الماضية، إذ تؤدي التغيّرات المتكررة في رطوبة التربة إلى ظهور شقوق عميقة، بينما تواجه بعض المنازل الحديثة بدورها أضراراً مماثلة رغم خضوعها للمعايير الإنشائية المعتمدة.

وتكشف الأرقام عن تسجيل مئات البلاغات في عدد من البلديات المتضررة، بينها بولوك وفاكير وكاستلنـو، حيث يطالب السكان باعتراف رسمي بالأضرار ضمن نظام الكوارث الطبيعية، أملاً في الحصول على تعويضات لإصلاح الأساسات التي تتطلب في بعض الحالات حقناً بالراتنج أو إعادة تدعيم شاملة.

وتبقى عملية التعويض معقدة، إذ تشير تقارير رقابية فرنسية إلى أن نسبة الاعتراف بهذه الأضرار أقل بكثير مقارنة بالكوارث الطبيعية الأخرى، ما يضع آلاف الأسر أمام أعباء مالية ثقيلة وخسائر في قيمة ممتلكاتها العقارية، في ظل غياب تغطية تأمينية كافية في العديد من الحالات.

وتنعكس الأزمة أيضاً على المستوى الاجتماعي، إذ تتراجع قيمة بعض المنازل إلى أقل من نصف سعرها الأصلي، ما يهدد مدخرات الأسر التي اعتمدت على السكن كأصل استثماري طويل الأمد، بينما يواجه بعض المتضررين صعوبات حتى في تأمين منازلهم ضد المزيد من الانهيارات.