حين يتحدث غير المختص… تصبح الكارثة مشروعًا!
في السنوات الأخيرة، تصدرت عناوين مثل التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني المشهد، وأصبحت من أكثر المصطلحات تداولًا في المؤتمرات والندوات ووسائل التواصل الاجتماعي ، وهذا أمر طبيعي في ظل الثورة التقنية التي يشهدها العالم.
لكن ما ليس طبيعيًا، بل يدعو إلى القلق، هو أن يتحول هذا الزخم إلى فرصة يتصدرها أشخاص لا يمتلكون التأهيل العلمي أو الخبرة العملية الكافية، فيقدمون أنفسهم خبراء، ويعقدون الدورات، ويمنحون الاستشارات، ويضعون الخطط، وهم بعيدون عن جوهر هذه التخصصات الدقيقة.
إن التحول الرقمي ليس مجرد شراء أنظمة أو رقمنة بعض الإجراءات، والذكاء الاصطناعي ليس استخدام تطبيقات شهيرة، والأمن السيبراني ليس مجموعة من المصطلحات التقنية أو الشهادات السريعة ، إنها منظومة متكاملة تقوم على العلم، والخبرة، والتجربة، والتطوير المستمر، لأن الخطأ فيها قد تكون كلفته باهظة.
والأخطر من ذلك أن هناك من يركب موجة هذه التخصصات ليقدم استشارات لمؤسسات وجهات تنوي تنفيذ مشاريع استراتيجية بملايين الدنانير ، فتُبنى القرارات على تصورات غير ناضجة، وتُعتمد حلول لا تستند إلى فهم عميق للواقع أو للمخاطر، فتكون النتيجة مشاريع متعثرة، وهدرًا للمال والوقت، وربما ثغرات أمنية تهدد بيانات المؤسسات وسمعتها ، وعند وقوع الفشل، يدفع الجميع الثمن، بينما يغيب من قدم المشورة غير المؤهلة عن المشهد.
إن احترام التخصص ليس ترفًا، وليس محاولة لإقصاء أحد، بل هو أساس النجاح في أي مشروع. فمن حق الجميع أن يتعلموا ويطوروا أنفسهم، لكن ليس من حق أحد أن يدّعي الخبرة قبل أن يمتلك أدواتها، أو أن يتصدر المشهد على حساب أصحاب الكفاءة الذين أفنوا سنوات طويلة في الدراسة والعمل والتجربة.
لقد علمتنا التجارب أن أخطر ما يواجه المؤسسات ليس نقص التقنيات، بل نقص الخبرات الحقيقية ، فالتكنولوجيا يمكن شراؤها، أما الخبرة فلا تُشترى، بل تُبنى عبر سنوات من التعلم والممارسة ومواجهة التحديات.
ويبقى المثل الشعبي خير ما يختصر هذه الحقيقة: "أعطِ الخبز لخبازه ولو أكل نصفه.” فحين تُسند المسؤولية إلى أهلها، تقل الأخطاء، وتنجح المشاريع، ويكون الاستثمار في التقنية استثمارًا في المستقبل، لا مغامرةً قد تكون نتائجها كارثية.
إن بناء المستقبل الرقمي يبدأ أولًا باحترام التخصص، وتقدير الكفاءة، وإسناد القرار إلى من يملكون العلم والخبرة، لا إلى من يجيدون التسويق لأنفسهم.