أميركا في عامها الـ 250: صورة الجمهورية في كهولتها

يتباهى الأميركيون بأنهم أقوى وأعظم وأغنى أمة في العالم، وهم كذلك بالفعل. ولكنني أزعم أن ما ينبغي أن يعتزّون به حقاً يقع في مكان آخر.

لا ريب في أن هارفرد وستانفورد ويال ووادي السيليكون وناسا وصواريخ كروز وباتريوت وحاملات الطائرات والقاذفة بي 52، كلها مدعاة اعتزاز للأميركيين. ومع ذلك، أحسب أن أهم اختراع أميركي كان، قبل هذا وذاك، وثيقة صاغها سياسي ودبلوماسي عظيم اسمه توماس جيفرسون، فكانت الإعلان عن استقلال مجموعة من الولايات الأميركية عن التاج البريطاني، وفي الوقت نفسه أسست لجملة من الحقوق التي تتمحور حول المساواة والحرية لجميع الناس.

في هذه السنة، ونحن نقترب من الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة عن التاج البريطاني، أجد أن أفضل ما يمكن تقديمه هو الإضاءة على هذا الجانب المنسيّ من العبقرية الأميركية، التي أضاءت العالم بمفاهيم العدالة والمساءلة والمساواة وسيادة القانون، وألهمت الثورة فرنسية التي ستندلع بعد ثلاثة أعوام من إعلان الاستقلال. 

تكمن أهمية إعلان الاستقلال في أنه لم يقتصر على إعلان الانفصال السياسي، بل أسس لفلسفة ترى الحرية والمساواة بعدين متعاضّدين في ثقافة ديمقراطية واحدة. فهو يقر مبدأ "التحرر من الهيمنة”، ويثبت حق الشعوب في تقرير مصيرها الجماعي بعيداً عن التدخل الخارجي، ثم يوسّع هذا المعنى إلى أفق إنساني أشمل حين يعلن أن "جميع الناس خُلقوا متساوين”.

ويتجلى عمق هذه الرؤية في إعادة تعريف مفهوم "السعي وراء السعادة”، الذي اعتبره الإعلان حقاً أساسياً من حقوق الأميركيين. فالمقصود هنا لا ينحصر في المتعة الفردية، وإنما يمتد إلى بعد اجتماعي وجماعي يعكس تساوي البشر في قدرتهم على إدراك مصالحهم، والمشاركة في صياغة عالمهم المشترك. ومن هنا، يقدم الإعلان تصوراً أخلاقياً يجعل الحرية والمساواة ركيزتين متلازمتين، ويؤكد أن الحقوق ليست منحة عابرة، بل حقوق أصيلة لا يجوز انتزاعها، وأن الديمقراطية الحقّة لا تستقيم من دون اعتراف متبادل بالتكافؤ الإنساني والسياسي بين الجميع.

مصارعة حرة 
في 4 تموز/ يوليو 2026، تبلغ الولايات المتحدة عامها المئتين والخمسين منذ إعلان الاستقلال. وكنت أود لو تحتفي هذه المناسبة بإعلان الاستقلال بدل الاحتفاء بالقوة غير المنضبطة. ولكن الرئيس دونالد ترامب اختار، احتفاءً بهذه المناسبة، أن يقيم في البيت الأبيض حلبة للمصارعة الحرة، حشر فيها المصارعون في قفص، يذكر بمشاهد أباطرة الرومان، الذين كنا نشاهدهم في أفلام ستيف ريفز، وهم يشاهدون الصراع المميت، حيث يتصارع رجلان حتى يقضي أحدهما على الآخر بحركة من إبهام الإمبراطور. 

كذلك كان المشهد في البيت الأبيض: تحولت أرض تابعة للأمة إلى منصة تجارية، وصار البيت الأبيض جزءاً من الديكور. وامتزجت القوات الأميركية المسلحة ونصب لنكولن وفرقة مشاة البحرية والطائرات المقاتلة والهتافات الوطنية وشعارات الرعاة التجاريين وكبار التنفيذيين في شركات التكنولوجيا لتصبح المنصة التي أقيم فوقها نزال المصارعين، في عرض واحد للقوة والعنف والمال والفرجة. فبدا المشهد أقرب إلى استعراض مدروس للهيمنة منه إلى احتفال وطني.

وزاد من ثقل الدلالة أن المناسبة تزامنت مع عيد ميلاد الرئيس الثمانين، فبدا الاحتفال، على رغم تقديمه جزءاً من الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة، أقرب إلى عرض شخصي يتمحور حول الرئيس نفسه. الجمهور المختار، والمسرح، ودخول ترامب على طريقة المقاتلين، وجلوسه إلى جانب دانا وايت، وحضور كبار الشخصيات، والاستدعاء المتكرر لمعاني الصلابة، كلها عناصر صاغت مشهداً سياسياً مألوفاً في قاموسه، الذي يحب مفردات القوة والذكورة واستخدام الدولة كخلفية والمنصب العام كخشبة عرض.

ودعونا لا نكن مثاليين. الديمقراطية قادرة على احتمال كثير من سوء الذوق، لكنها لا تتسامح بسهولة مع تحويل مؤسساتها إلى أكسسوارات. ونعرف جميعاً أن المرج الجنوبي استضاف عبر السنين مراسم رسمية، وحفلات تأبين، واحتفالات للأطفال، واستقبالات دبلوماسية، ولحظات مواساة وطنية. ولكنّ ذلك شيء، ونصب قفص ثماني الأضلاع للمصارعة شيء آخر، وبخاصة عندما يتمّ ذلك تحت شعارات الشركات التجارية أمام جمهور سياسي مدعو. تلك كانت سابقة تمتاز بدرجة عالية من الفجاجة ورداءة الذوق، لا تليق برئيس أكبر دولة في العالم ولا بجلال المناسبة.

وكان أكثر ما أقلق النقاد حضور الجيش في تلك الأمسية على نحو خاص. لقد أضفى أفراد الخدمة وحملة الرايات وتحليق الطائرات على الحدث هالة وطنية رسمية، استخدمت لغايات شخصية وتجارية وسياسية ضيقة. أما البعد التجاري فكان صارخاً، إذ أحاطت دعايات الشركات العملاقة بالمشهد، وتم البث عبر منصة تلفزيونية مدفوعة. وكانت المقاعد نادرة شغلها التنفيذيون والنافذون السياسيون. فتحوّل بذلك ما كان يُفترض أنه عرض وطني عام إلى عرض حصري مربح أُقيم على أرض عامة. 

تسييس العدالة
حوّل ترامب – عامداً – أميركا في ذكرى يوبيلها الذهبي المخمّس إلى مهزلة. نعم إنها لا تزال دولة غنية، قوية، ذات مؤسسات راسخة ونفوذ هائل، لكنها في الوقت نفسه مهزوزة ومثقلة بالشك والارتياب. تحولت السياسة في أميركا ترامب إلى خصومة وعداوة، وتحولت بلاد أبراهام لنكولن وهنري ديفيد ثورو وإميلي ديكنسون ومارتن لوثر مينغ إلى بلد يغفو فيه رئيسه في الاجتماعات، بينما تنصب له تماثيل من ذهب، ويمجّده وزراؤه ومساعدوه، بصورة تذكر أكثر ما تذكر بصورة صدام حسين وحافظ الأسد وكيم جونغ أون. 

لا تكمن المشكلة الأعمق في وجود خلاف بين السياسيين والاقتصاديين ورجال الدولة والشعب. فأميركا وُلدت أساساً من الخلاف. والديمقراطيات لا تقوم عموماً لكي تلغي النزاع، بل لكي تهذبه وتمنحه شكلاً مدنياً. سوى أن الخطر الأكبر اليوم هو أن قطاعات واسعة من الأميركيين لم تعد ترى في الخصوم السياسيين مواطنين آخرين يخوضون معها نقاشاً مشروعاً حول مستقبل البلاد، بل باتوا أعداء ينبغي هزيمتهم وإقصاؤهم. وبذلك انقلب النصر السياسي المؤقت والمرحلي بطبيعته، في نظر كثيرين، تفويضاً للحكم وسماحاً بالعقاب. وهو ما نراه اليوم بوضوح في محاولات الرئيس ترامب الثأر من خصومه السياسيين.

أطلقت وزارة العدل الأميركية، منذ عودة ترمب إلى الرئاسة، تحقيقات وملاحقات قضائية عدة ضد خصومه السياسيين، ولا تجد الوزارة ولا الرئيس غضاضة في أن يأتي ذلك عقب تهديدات مباشرة من ترمب نفسه. ونعلم أنه، في الديمقراطية السليمة، لا يجوز استخدام نظام العدالة كسلاح لمعاقبة الخصوم السياسيين، أو بث الخوف في صفوف المعارضين، أو تحقيق أهداف سياسية بوسائل أخرى. فهذه كلها من سمات الدليل السلطوي في الحكم. أما الديمقراطية فتقتضي ألا يكون أحد فوق القانون، وأن تمضي الملاحقات القضائية قدماً، حتى في القضايا ذات الأهمية السياسية، متى كانت قائمة على أساس قانوني وعلى أولويات إنفاذ قانون غير حزبية.

يبدأ الضرر الناجم عن الإجراءات الانتقامية قبل أي حكم بوقت طويل. فالتحقيق المفتوح، بصرف النظر عما إذا كانت ستُوجَّه اتهامات في نهاية المطاف، يستنزف الموارد، ويهدد الأمن، ويعرّض المسارات المهنية والتمويل للخطر. كما يرسل إنذاراً إلى كل من قد يميل إلى معارضة الإدارة، وقد يكون ذلك هو الغرض بحد ذاته. وفي الوقت نفسه، تقوض مثل هذه الإجراءات حكم القانون، وتضعف قدرة وزارة العدل على حمايته. 

إعلان ناقص
ولعلّ هذا المناخ هو أسوأ مناخ ممكن لإحياء ذكرى تأسيس الدولة التي قامت على أساس الموافقة الشعبية، والحقوق، والحكم المحلّي، وسيادة القانون وسريانه على الحكومة والمواطنين على حد سواء. والحق أن إعلان الاستقلال تجاوز القطيعة مع التاج البريطاني، ليطرح تصوراً لمصدر الشرعية السياسية: السلطة مسؤولة أمام الشعب، والحكومة وُجدت لحماية الحقوق، ولا يجوز لأي حاكم أن يقف فوق القانون. صحيح أن هذه المبادئ طُبقت منذ البداية على نحو منقوص، وخانتها الجمهورية مراراً في تاريخها، لكنها ظلت النحو الأخلاقي الذي صاغ التجربة الأميركية وأعطاها لغتها الكبرى.

لكن الإعلان تعرّض للخيانة مرّات ومرّات. وحين صاغ جيفرسون الإعلان، ثم عدّله زملاؤه والكونغرس، خرج النص صوتاً جماعياً يحمل في داخله عبقرية اللغة وأثر المساومة في آن. أعلن أن الناس خُلقوا متساوين، فيما بقيت العبودية قائمة، وتحدث عن الحرية بينما كان السود محرومين من حقوقهم، والسكان الأصليون يُقتلعون من أراضيهم، والنساء مستبعدات من السياسة. 

وبعد الحرب العالمية الثانية، تحولت أميركا إلى إمبراطورية فاسدة ومفسدة، شنت حرباً في فيتنام وأطاحت حكومات منتخبة ديمقراطياً، كحكومة مصدّق في إيران وأليندي في تشيلي، ودعمت الإرهاب الإسلامي في أفغانستان وتغاضت عن أنظمة قمعية وفاشية، فقط لأنها كانت موالية لها ومعادية خصمها الاستراتيجي، الاتحاد السوفياتي. 

قبل خمسين سنة، احتفلت الولايات المتحدة بمرور مئتي سنة على استقلال الولايات المتحدة. كانت أميركا قد خرجت لتوّها من فيتنام، مثقلة بمخلفات فضيحة ووترغيت، وقد انهارت الثقة بالحكومة، ولا تزال ذكريات عقد الستينات مثقلة بالاغتيالات والاضطرابات العرقية ونضال الأميركيين من أجل الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ. ومع أنها لم تكن – آنذاك – في أفضل حالاتها، كان في وسعها أن تجتمع حول صورة الجمهورية، ولو على نحو ناقص. استطاعت أن تحتفي بذاتها من دون أن تدعي الكمال، وأن تتذكر جراحها من دون أن تفقد تماماً لغة الانتماء المشترك.

بعد خمسين عاماً، تبدو تلك اللغة أكثر وهناً. فالولايات المتحدة في ذكراها المئتين والخمسين تعاني انقساماً أعمق في معنى الوطن نفسه. إنه انقسام إن كان عليه أن يذكّر بشيء، فسيذكّر بالانقسام الذي دفع البلاد إلى الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر. لم تعد المشكلة أن الأميركيين يختلفون حول الضرائب والهجرة والسياسة الخارجية ودور الدولة في الاقتصاد، فتلك خلافات طبيعية في أي ديمقراطية حية. الأخطر أن قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي لم تعد ترى في الطرف الآخر شريكاً في مشروع وطني واحد، وصارت تعتبره تهديداً وجودياً. وبدأ التفكير في "نحن” و”هم”، وفقدت السياسة معناها المدني، فتحولت من تنافس على الحكم إلى صراع على الشرعية، وتقرير من يملك البيت ومن ينبغي أن يُطرد منه.