من قم إلى كربلاء.. لماذا يمر جثمان خامنئي عبر العراق؟

"تتحول جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الممتدة بين الرابع والتاسع من يوليو/تموز، إلى برنامج سياسي موزع بين مدن طهران وقم ومشهد الإيرانية وصولا للعراق.

ويكشف الترتيب، حاجة النظام الإيراني إلى إعادة تثبيت مركز القرار وربط الخلافة الجديدة بالحوزة، وقياس ما تبقى من حضوره في العراق بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي أنهت حياة المرشد السابق أواخر فبراير/شباط.

 


 

ووفقًا لمصدر أمني أمريكي مطلع على تقديرات حديثة بشأن سلوك النظام الإيراني بعد مقتل خامنئي، فإن إدراج العراق في برنامج التشييع يرتبط بقلق طهران من انكماش صورة نفوذها بعد الضربات التي أصابت رأس القيادة، إذ تشير التقديرات إلى أن النظام يريد استخدام النجف وكربلاء لإنتاج مشهد خارجي يخفف ضغط الخلافة داخل إيران.

 


قم وطهران تحت ضغط الشرعية

ويقول المصدر الأمريكي ، إن "التقديرات تربط محطة طهران بحاجة النظام إلى ضبط صورة الداخل بعد الضربة التي أصابت رأس القيادة، إذ تعتمد الأجهزة الإيرانية على حشود منظمة وإشراف أمني واسع في العاصمة لإظهار ولاء جماعي، وسط خشية من أن يتحول التشييع إلى اختبار أمني جديد أمام الداخل والخارج".

في حين أفاد موقع "إيران إنترناشيونال" بأن تسمية مجتبى خامنئي داخل مجلس الخبراء واجهت اعتراضات جرى احتواؤها تحت ضغط الحرس الثوري، كما ذكر أن بعض رجال الدين لم يتلقوا إخطارًا بالاجتماع الحضوري رغم وجودهم في قم، ما يضفي على محطة المدينة بعدًا سياسيًا مرتبطًا بخلل الشرعية داخل آلية الخلافة.

وتحمل محطة قم معنى أكثر حساسية في هذا السياق، فالنظام يحتاج إلى تطويق أزمة الشرعية داخل الحوزة بعد انتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي، وفق تقديرات المصدر الأمني، إذ تستهدف المراسم هناك رجال الدين والمؤسسات القادرة على ضبط المشهد العام، في ظل توريث منصب المرشد وما يحمله من إشكاليات شرعية داخل بنية الجمهورية الإسلامية.

 


 

جنازة خامنئي تختبر النفوذ
وأوردت "يورونيوز" في تقرير لها أن جنازة خامنئي ستقام في عدة مدن بعد أشهر من التأجيل، وسط إجراءات أمنية مشددة ومحادثات مضطربة بشأن مضيق هرمز والملف النووي والعقوبات، في مشهد يضاعف الضغط على النظام في ملفات الخلافة والأمن والصورة الخارجية.

فيما اعتبر مصدر دبلوماسي أوروبي مطلع على إحاطات أمنية غربية، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن اختيار قم يهدف إلى تحصين الخلافة الجديدة من داخل المؤسسة الدينية، وأن التقديرات الأوروبية ترى أن النظام والحرس الثوري يضغطان باتجاه إلزام الحوزة بالانخراط في الصورة العامة للمراسم، لأن ظهور الجثمان في قم يمنح السلطة الجديدة مشهد قبول ديني أمام جمهور داخلي وخارجي يدرك أن خامنئي خلّف شبكة عائلية وأمنية تضغط باتجاه انتقال السلطة.

وتبقى المحطة العراقية أكثر عناصر البرنامج حساسية، بحسب المصدر، لأن إدراج النجف وكربلاء يكشف قلق طهران من تآكل حضورها في العراق بعد الضربة التي أصابت رأس القيادة، فإدخال العراق بين قم ومشهد يهدف إلى جر الحوزة العراقية والفصائل والجمهور الموالي لإيران إلى مشهد سياسي يخدم الخلافة الجديدة، وسط خشية من أن تكشف المراسم حدود الحضور الإيراني في الساحة العراقية.

الخلافة تبحث عن ولاء
من جانبه، رأى الخبير في الشؤون الإيرانية مهدي رضا، أن توزيع مراسم تشييع خامنئي يكشف تصميمًا سياسيًا مقصودًا من النظام الإيراني، موضحًا أن السلطة تسعى إلى تحويل الجنازة إلى أداة لإعادة تثبيت الخلافة الجديدة داخل أربع دوائر حساسة، تبدأ من مركز القرار في طهران، وتمر بالحوزة في قم، ثم التعبئة الرمزية في مشهد، وصولًا إلى الامتداد الخارجي في العراق.


 

وأضاف خلال حديثه، أن النظام وجد نفسه، بعد الضربة التي استهدفت رأس القيادة، أمام فراغ سياسي ورمزي واسع، لذلك يحاول تقديم التشييع بوصفه اختبارًا للولاء الداخلي تجاه استمرار السلطة الجديدة، مشيرًا إلى أن تنقل الجثمان بين المدن والمراكز الدينية والسياسية يعكس حاجة عميقة إلى ترميم صورة تضررت بعد صدمة داخلية وإقليمية كبيرة، خاصة مع تصاعد حضور المعارضة الإيرانية المنظمة في مؤتمر "إيران الحرة 2026" في باريس، حيث برز خطاب سياسي بديل في مواجهة سلطة تعتمد على الرموز القديمة لإعادة حشد جمهورها.

وتابع رضا، أن إدراج النجف وكربلاء يمثل الجزء الأكثر حساسية في البرنامج، لأنه ينقل التشييع إلى ساحة عراقية ذات رمزية دينية وسيادية كبيرة، لافتًا إلى أن طهران تسعى من خلال هذه المحطة إلى قياس ما تبقى من نفوذها في العراق، واختبار ولاء الفصائل المرتبطة بها، ودفع حاضنتها إلى إثبات حضورها تحت ضغط داخلي وخارجي متزايد.

واعتبر أن "استخدام النجف وكربلاء في تشييع خامنئي يحمل استفزازًا سياسيًا وأخلاقيًا للعراقيين، لأن العراق دفع ثمنًا باهظًا من سيادته وأمنه ومؤسساته بسبب مشروع ولاية الفقيه، من تمدد الميليشيات والاغتيالات والفساد إلى التهريب وتفكيك الدولة"، مؤكدًا أن حضور الجثمان في المدن الدينية يتصل بالصراع على القرار الوطني العراقي، في ظل اتساع إرادة التخلص من الوصاية الإيرانية داخل المجتمع العراقي.