"التشجيع العاطفي".. كيف تقود المشاعر سلوك الجماهير الرياضية؟
أمزجة متقلبة، وتفاعل افتراضي وواقعي بين جماهير المنتخبات الرياضية في شتى بقاع العالم، مهما اختلفت الرياضات وتعددت التوجهات، لتكون العاطفة هي المحرك الرئيس للتشجيع والبوصلة التي تحرك المجتمعات وتتحكم بها.
ومن خلال ما تظهره تلك التفاعلات، التي باتت أكثر وضوحا مع ما يشهده العالم الآن من حضور جماهيري عالمي كبير، يعبر ملايين الناس عن ذلك بكلمات وعبارات، وحتى أغان، مليئة بالمشاعر، ما بين حب وتقدير وفرح وانكسار وحزن، واحيانا تصل إلى حد الغضب.
لذا، يرى العديد من علماء النفس أن العاطفة تتحكم بمثل هذه التوجهات في التشجيع الرياضي على مختلف المستويات، ومهما كان عمر المشجع، فإن روابط تفاعلية تقودها المشاعر هي ما تحكم توجهه وحبه لفريق على حساب آخر أو لاعب دون الآخرين.
مشاركة الاهتمامات والمشاعر
وتشير أبحاث في علم النفس، ودراسات متخصصة في هذا النطاق إلى أن "متابعة الفعاليات الرياضية وحضورها لا يقتصران على الترفيه، بل يسهمان في تعزيز جودة الحياة والشعور بالسعادة والانتماء".
ويعود ذلك إلى شعور المشجعين بالانتماء إلى جماعة تشاركهم الاهتمامات والمشاعر، كما أن تشجيع الفرق الرياضية ينشط مراكز المكافأة في الدماغ ويحفز إفراز الدوبامين، مما يعزز مشاعر المتعة والسعادة، خاصة خلال لحظات الفوز والإثارة.
"يوما ما، كنت من مشجعي فريق عالمي معين"، يقول علاء مقبل، حيث كان يتابع كل تحركاته وأهدافه، وحتى عقود لاعبيه المتجددة، وذلك لوجود لاعبين من أصول عربية ضمن تشكيلته، وبحكم هذا التعاطف والشعور بالتقارب، كنت أشجعه".
ويضيف: "ولكن ما إن أعلن هذا الفريق بطرق غير مباشرة، تعاطفه ودعمه لبعض الأنظمة والتوجهات الفكرية والمجتمعية المخالفة لتوجهه الشخصي، قرر أن يختار فريقا آخر للتشجيع. "أنا شخص أحب كرة القدم، وأبحث دوما عما يجعلني أتفاعل مع الفريق بما تمليه علي مشاعري بالدرجة الأولى".
مشاعر تتحول لأرضية خصبة لنشر الكراهية
أما عمر محمود، وهو أيضا مشجع رياضي بامتياز، كما يصف ذلك، فيرى أن الجانب الأكثر خطورة في المنافسات الرياضية لا يكمن في الفوز أو الخسارة بحد ذاتهما، بل في مشاعر الحزن والغضب التي قد ترافق الهزيمة إذا جرى توجيهها أو استغلالها بصورة سلبية.
ويعتقد محمود أن هذه المشاعر قد تتحول إلى أرضية خصبة لنشر الكراهية والتعصب بين الجماهير، بل إن التاريخ شهد في بعض الأحيان، توترات ونزاعات ساهمت المنافسات الرياضية في تأجيجها أو تعميقها.
وكان للجانب النسائي أيضا رأيه في هذا الموضوع، حيث علقت رحمة زيدون على إحدى المنشورات بقولها إن توظيف المنافسات الجماهيرية لإثارة الحماسة والانفعالات ليس بالأمر الجديد، إذ تعود جذوره إلى مشاهد المصارعة في روما القديمة، وإن هذه الآليات ما تزال حاضرة بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا، الأمر الذي يفرض أهمية تعزيز قيم الروح الرياضية والتسامح واحترام المنافس بين الجماهير.
في حين تقول سحر عباس إن من المضحك والمستهجن في التشجيع أن نجد اللاعب نفسه أو الفريق ذاته نحبه اليوم وندعمه بكلمات الفخر، بينما نحن أنفسنا نصب جام غضبنا عليه في مباراة أخرى، في حال كان هناك تقصير أو خسارة توجعنا وتؤثر في مزاجنا العام وشعورنا بالحزن والخذلان.
حاجة الإنسان للانتماء والهوية الاجتماعية
وهنا، يقول استشاري أول الطب النفسي الدكتور وليد سرحان إن التشجيع العاطفي يعد من منظور علم النفس، انعكاسا لحاجة الإنسان إلى الانتماء والهوية الاجتماعية، إذ يميل الأفراد إلى ربط أنفسهم بجماعات أو فرق أو شخصيات يشعرون بأنها تمثلهم، بحيث يصبح نجاحها مصدر فخر شخصي لهم، فيما تترك خسارتها مشاعر من الإحباط والحزن.
ووفق سرحان فإن التشجيع يمنح الأفراد مساحة للتعبير عن المشاعر والتخفيف من ضغوط الحياة اليومية، كما يسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية والشعور بالمشاركة والانتماء إلى مجموعة تتقاسم القيم والرموز والذكريات نفسها.
وأوضح سرحان أن الارتباط العاطفي الشديد بفريق أو شخصية معينة يرتبط بعدة عوامل، من بينها تأثير الأسرة والأصدقاء، والهوية الوطنية أو المحلية والذكريات المرتبطة بمرحلة الطفولة، إضافة إلى البحث عن القدوة والإنجاز أو الرغبة في الهروب المؤقت من الضغوط اليومية.
كما يشير سرحان إلى أن التشجيع يحمل آثارا إيجابية عندما يعزز روح الانتماء والعمل الجماعي واحترام المنافس، ويسهم في نشر الطاقة الإيجابية وتوحيد المجتمع حول لحظات الفرح والإنجاز الوطني.
بناء الهوية وصورة الذات
ولكن قد يتحول هذا التشجيع، بما تمليه العواطف والمشاعر على الإنسان إلى تعصب، كما يبين سرحان، فعندما يفقد الفرد القدرة على الفصل بين دعم فريقه واحترام الآخرين، تظهر سلوكيات مثل الإساءة اللفظية والتحريض ورفض الرأي المختلف.
وتتحدث الاختصاصية والمعالجة النفسية خلود الرفايعة عن هذا التأثير العاطفي الذي ينعكس على أفعال وآراء الجماهير، وتقول: "التشجيع العاطفي لا يعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت أو هواية مرتبطة بالمناسبات الرياضية، بل يمثل حاجة نفسية واجتماعية عميقة ترتبط بشعور الإنسان بالانتماء إلى مجموعة أو قضية أو فكرة، وهو ما يلبي احتياجات أساسية تتعلق بالهوية والانتماء وتقدير الذات".
وأوضحت الرفايعة أن التشجيع يعزز شعور الفرد بالانتماء، وهي حاجة تضعها النظريات النفسية ضمن الاحتياجات الاجتماعية الأساسية، كما يسهم في بناء الهوية وصورة الذات.
كما أن ذلك يمنح الأفراد شعورا بالمعنى والاستمرارية من خلال ارتباطهم بفريق أو شخصية أو قضية معينة، لافتة إلى أن نجاح الجهة التي يشجعها الفرد ينعكس عليه نفسيا ويمنحه إحساسا غير مباشر بالإنجاز والكفاءة.
التشجيع العاطفي يمتد لأكثر من مجال
ولكن، تنوه الرفايعة هنا إلى أن التشجيع العاطفي لا يقتصر على المجال الرياضي فقط، بل يمتد إلى الفن والثقافة والسياسة والقضايا المجتمعية، وحتى العلامات التجارية والعلاقات الشخصية.
وتبرر ذلك بأنه يعود إلى نظرية الهوية الاجتماعية، التي تفسر هذا السلوك من خلال اعتبار الانتماء الجماعي جزءا من هوية الفرد، وهو ما يعني استخدام المشجعين لعبارة "نحن فزنا" عند الانتصار، في مقابل الابتعاد عن الفريق أو الجماعة عند الإخفاق، لحماية صورة الذات.
ووفق الرفايعة، فإن التجارب الجماعية المرتبطة بالتشجيع تسهم في تعزيز مشاعر الترابط والانتماء والسعادة، نتيجة التفاعل الاجتماعي والعاطفي الذي يصاحبها، خاصة خلال الفعاليات الرياضية الكبرى والتجمعات الجماهيرية.
ولكن لكي يكون التشجيع صحيا، توضح الرفايعة أن ذلك يتحقق عندما يقوم على التوازن والمرونة وتقبل الاختلاف، وألا يطغى على جوانب الحياة الأخرى أو يؤثر سلبا في العلاقات والأولويات، مشيرة إلى أن التشجيع المتوازن قد يسهم في الحد من الشعور بالوحدة وتعزيز الصحة النفسية.
احترام المنافسين وتقبل النتائج
وحذرت الرفايعة من أن التشجيع قد يتحول إلى حالة نفسية واجتماعية عندما تؤثر نتائجه بصورة مبالغ فيها على الحالة المزاجية أو العلاقات الاجتماعية، أو عندما يقود إلى التعصب والعدوانية تجاه الآخرين، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على جودة الحياة والصحة النفسية والقدرة على التركيز والإنتاج.
وفي ذات السياق، يؤكد سرحان أن التشجيع الصحي يقوم على دعم الفريق أو الشخصية المفضلة، مع الحفاظ على احترام المنافسين وتقبل نتائج الفوز والخسارة، مشددا على أن الرياضة في جوهرها منافسة شريفة، وليست عداوة أو مسببا للكراهية.