حين تنتهي الرحلة خارج الطائرة


ليست كل الرحلات التي يخوضها الطيارون وأفراد الطواقم الجوية مسجلة في دفاتر الطيران، وليست كل المخاطر تبدأ عند الإقلاع أو تنتهي بعد الهبوط. أحيانًا تهبط الطائرة بسلام، وتُطفأ محركاتها، ويظن الجميع أن الرحلة انتهت؛ لكن القدر يكون قد كتب فصلًا آخر على طريقٍ بعيد عن المطار.

بقلوب يملؤها الحزن، تلقينا نبأ وفاة أحد أفراد طاقم الملكية الأردنية وإصابة عدد من زملائه، إثر انقلاب الحافلة التي كانت تقلهم من مطار جون إف. كينيدي في نيويورك إلى الفندق. لقد عبروا آلاف الأميال بين عمّان ونيويورك، واجتازوا السماء بسلام، إلا أن المأساة كانت تنتظرهم على الأرض، في المسافة القصيرة التي تفصل بين المطار ومكان الراحة.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: قد ينجو الإنسان من رحلة طويلة فوق المحيط، ثم يفقد حياته في طريق يبدو عاديًا وآمنًا. وكأن الحياة تذكّرنا بأن الخطر لا يقاس بطول المسافة، وأن الأمان ليس مكانًا نصل إليه، بل منظومة متكاملة من المسؤولية والانضباط والرقابة.

الطاقم الذي لا تنتهي مسؤوليته عند باب الطائرة

بوصفي طيارًا متقاعدًا أمضى سنوات طويلة في عالم الطيران، أعرف أن الرحلة لا تبدأ عند تحريك الطائرة، ولا تنتهي عند توقف المحركات. مسؤولية شركة الطيران تجاه طواقمها تمتد منذ مغادرتهم منازلهم وحتى وصولهم سالمين إلى مكان إقامتهم، ثم عودتهم إلى أسرهم.

فالطاقم بعد الرحلة لا يكون مجرد مجموعة من المسافرين العاديين. إنهم أشخاص أنهكهم اختلاف التوقيت، وضغط العمل، والساعات الطويلة، ومسؤولية أرواح المسافرين. وحين يغادرون الطائرة، فإنهم يحتاجون إلى وسيلة نقل تتمتع بمستوى من السلامة لا يقل عن مستوى السلامة الذي تلتزم به الطائرة نفسها.

لا يجوز أن يكون النقل الأرضي مجرد عقد خدمات ثانوي أو إجراء إداري روتيني، لأن الحافلة التي تحمل طاقمًا جويًا تصبح، من الناحية الإنسانية والمهنية، امتدادًا للرحلة ذاتها.

السلامة سلسلة لا تحتمل حلقة ضعيفة

في الطيران تعلمنا أن الحوادث الكبرى نادرًا ما تكون نتيجة خطأ واحد. غالبًا ما تبدأ بثغرة صغيرة، ثم تتبعها ثغرة أخرى، حتى تتكون سلسلة تنتهي بكارثة.

وقد يكون الدرس الأهم في هذه المأساة أن السلامة لا تتحقق بمجرد وجود رخصة سارية أو عقد قانوني أو شركة نقل معتمدة. الأوراق ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. فهناك فرق كبير بين استيفاء الحد الأدنى من المتطلبات، وبين بناء ثقافة حقيقية تحمي الإنسان.

إن المعلومات الإعلامية المتداولة بشأن التاريخ القانوني والمروري لسائق الحافلة تثير تساؤلات مشروعة، لكنها لا تمنحنا الحق في إصدار حكم مسبق قبل انتهاء التحقيق الرسمي. ومع ذلك، فإنها تدفعنا إلى مراجعة كيفية اختيار شركات النقل والسائقين، وآليات التحقق من سجلاتهم، وعدد ساعات عملهم، ومدى التزامهم بمعايير السلامة، وكفاءة المركبات التي يقودونها.

في عالم الطيران، لا نسلّم طائرة لقائد لمجرد أنه يحمل رخصة. بل تُراجع خبرته، وتدريباته، وسجلاته، ولياقته، وساعات عمله وراحته. فلماذا لا تطبق فلسفة مماثلة، بمستوى يتناسب مع طبيعة المهمة، على من تُسلَّم إليهم حياة الطواقم بعد هبوط الطائرة؟

ما الذي يجب أن يكون؟

ينبغي أن تدفع هذه المأساة شركات الطيران إلى مراجعة شاملة لجميع عقود النقل الأرضي في المحطات الخارجية، لا بهدف البحث عن مذنب فحسب، بل لمنع وقوع مأساة مشابهة في المستقبل.

يجب ألا يكون السعر الأقل هو المعيار الحاسم في اختيار شركة النقل، بل سجل السلامة، وكفاءة السائقين، وحالة المركبات، وأنظمة المراقبة، وساعات العمل والراحة، وسرعة الاستجابة للطوارئ.

كما يجب أن تتضمن العقود حق شركة الطيران في التدقيق المستمر على سجلات السائقين والمركبات، لا أن تكتفي بما تقدمه شركة النقل عند توقيع العقد. فالمعلومات التي كانت صحيحة بالأمس قد تتغير اليوم، والسلامة تحتاج إلى متابعة مستمرة، لا إلى موافقة تمنح مرة واحدة ثم تُنسى.

ومن الضروري كذلك إنشاء نظام واضح يسمح لأفراد الطاقم بالإبلاغ الفوري عن أي سلوك غير آمن، مثل السرعة الزائدة، أو الإرهاق الظاهر على السائق، أو استخدام الهاتف، أو سوء حالة الحافلة، دون تردد أو خشية من تعطيل البرنامج التشغيلي.

ينبغي أيضًا ألا يسمح لضغط المواعيد أو الرغبة في الوصول السريع إلى الفندق بأن يتقدما على السلامة. فالتأخير لبضع دقائق أهون من خسارة إنسان لا يمكن أن تعيده كل جداول الرحلات.

المسؤولية ليست اتهامًا

الحديث عن المسؤولية بعد الحوادث لا يعني التسرع في الاتهام، ولا استغلال الألم لتصفية الحسابات. المسؤولية الحقيقية تبدأ بالهدوء، واحترام التحقيق، وحماية حقوق المتوفى والمصابين، ثم طرح الأسئلة الصعبة بشجاعة وشفافية.

لا بد من معرفة ما حدث فعلًا: هل كان السبب سرعة غير مناسبة؟ أم خطأ بشريًا؟ أم خللًا فنيًا؟ أم إرهاقًا؟ أم ظروفًا مرورية مفاجئة؟ أم اجتماع عدة عوامل في لحظة واحدة؟

إن التحقيق المهني لا يبحث عن شخص يحمل وزر المأساة وحده، بل يبحث عن كل ثغرة سمحت بوقوعها. وفي ثقافة السلامة، لا يكون الهدف أن نقول: «من أخطأ؟» فقط، بل أن نسأل أيضًا: «كيف سمح النظام لهذا الخطأ بأن يتحول إلى كارثة؟»

الإنسان خلف الزي الرسمي

حين نسمع عبارة «أحد أفراد الطاقم»، قد نتعامل معها بوصفها توصيفًا وظيفيًا، لكن خلف هذا الزي إنسان له بيت ينتظره، وأسرة تعد الأيام لعودته، وزملاء شاركوه الرحلات والتعب والضحكات العابرة في المطارات.

كان ذلك الزميل قد أنهى رحلة جوية، وربما أرسل إلى أسرته رسالة قصيرة يخبرهم فيها أنه وصل بسلام. لكنه لم يكن يعلم أن الطريق بين المطار والفندق سيكون رحلته الأخيرة.

وهنا يصبح الحزن أكبر من حدود الشركة والمهنة. إنه حزن أردني وإنساني؛ لأن أبناء الوطن حين يعملون بعيدًا عنه يحملون معهم اسمه وصورته وذكريات أهلهم. وحين يصاب أحدهم، يشعر الوطن كله بأن جزءًا منه قد تألم في أرض بعيدة.

الطيار يعرف أن النجاة ليست مصادفة

لقد علمتنا قمرة القيادة أن السلامة لا تُبنى على حسن النوايا، بل على الإجراءات، والتدريب، والتدقيق، والاستعداد لأسوأ الاحتمالات. الطيار لا يقول: «غالبًا لن يحدث شيء»، بل يسأل: «ماذا سأفعل إن حدث؟»

وهذه الفلسفة يجب ألا تبقى محصورة داخل الطائرة. ينبغي أن تمتد إلى الحافلة والفندق وجدول الراحة وكل مرحلة من مراحل المهمة. فالإنسان نفسه الذي نحميه في الجو يستحق الحماية ذاتها عندما يعود إلى الأرض.

إن أفضل تكريم لمن رحل ليس في كلمات الرثاء وحدها، على صدقها وضرورتها، بل في تحويل الحزن إلى مراجعة، والمراجعة إلى قرارات، والقرارات إلى إجراءات تمنع تكرار الألم.

موعظة الرحلة الأخيرة

في الحياة، لا أحد يعرف أين تنتهي رحلته. قد نخطط للمسافات البعيدة، ونستعد لعبور البحار والقارات، ثم يفاجئنا القدر في طريق قصير لم نحسب له حسابًا.

لكن الإيمان بالقدر لا يعني أن نتخلى عن المسؤولية. فالقدر سرّ الله، أما الوقاية فهي واجب الإنسان. ونحن مأمورون أن نأخذ بالأسباب، وأن نحمي الأرواح، وأن نتعلم من الألم بدل أن نكتفي بالبكاء عليه.

رحم الله زميلنا الذي رحل، وألهم أسرته ومحبيه وزملاءه الصبر والسلوان، وكتب الشفاء العاجل لجميع المصابين.

ولنتذكر دائمًا أن قيمة المؤسسات لا تُقاس بعدد الرحلات التي تشغّلها، بل بعدد الأرواح التي تحميها؛ وأن الإنسان ليس رقمًا في جدول الطاقم، ولا اسمًا في تقرير حادث، بل حياة كاملة لا يعوضها شيء.

قد تنتهي الرحلة في سجل العمليات، لكن مسؤولية الإنسان تجاه الإنسان لا ينبغي أن تنتهي أبدًا.