سحاب تتصدر تجاوزات ملوثات الهواء.. و"الجسيمات" تخترق الحدود بالمدن الصناعية

ترسم نتائج أحدث دراسة رسمية لنوعية الهواء في المدن الصناعية صورة مقلقة لتباين مستويات التلوث من موقع إلى آخر، بعدما سجلت محطات الرصد تجاوزات متكررة لعدد من الملوثات في بعض المناطق، مقابل التزام نسبي بالحدود الوطنية في مناطق أخرى.

 
 

ويبرز هذا التباين بصورة أوضح في مدينة الملك عبد الله الثاني الصناعية في سحاب، التي استحوذت على النصيب الأكبر من تجاوزات غاز ثاني أكسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة، بينما اقتصرت التجاوزات في إربد والكرك على نطاق أضيق، مع استمرار ارتفاع المعدلات السنوية للجسيمات الدقيقة فوق الحدود المعتمدة في المواقع الثلاثة.
وتعكس النتائج، المستندة إلى برنامج رصد متواصل امتد طوال عام 2025، اختلافًا في طبيعة الضغوط البيئية المحيطة بكل مدينة صناعية، تبعًا لكثافة الأنشطة الصناعية، وحركة النقل، والظروف الجوية، الأمر الذي يفسر تفاوت مستويات الملوثات وعدد أيام تراجع جودة الهواء.
كما توضح البيانات، الواردة في الدراسة التي أعدها قسم دراسات الهواء في مركز المياه والبيئة والتغير المناخي في الجمعية العلمية الملكية لصالح وزارة البيئة، أن غاز ثاني أكسيد الكبريت وأول أكسيد الكربون بقيا ضمن الحدود المسموح بها في موقعي إربد وسحاب، مقابل استمرار الجسيمات الدقيقة بوصفها الملوث الأكثر حضورًا.
وتسلط الدراسة، الصادرة أول من أمس، الضوء على تحدٍّ بيئي يتجاوز مجرد تسجيل التجاوزات، إذ تكشف نتائج الرصد أن جودة الهواء في المدن الصناعية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأنماط الانبعاثات المحلية وكفاءة إجراءات الحد منها، بما يعزز الحاجة إلى مراجعة أدوات الرقابة على مصادر التلوث، والاستناد إلى بيانات الرصد المستمر عند صياغة السياسات البيئية والصحية الهادفة إلى خفض التعرض للملوثات، وحماية التجمعات السكانية القريبة من المناطق الصناعية.
وبينت النتائج أن المعدلات السنوية في موقع الرصد بإربد لغازات ثاني أكسيد الكبريت، وثاني أكسيد النيتروجين، وأول أكسيد الكربون قد انخفضت بشكل طفيف مقارنة بعام 2024.
وثاني أكسيد الكبريت غاز سام عديم اللون، له رائحة نفاذة، ويسبب تهيجًا في أغشية العين والجهاز التنفسي بدرجات متفاوتة، وقد يسبب أمراضًا مزمنة، مثل الربو والتهاب الشعب الرئوية.
أما الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، التي يقل قطرها عن أو يساوي 2.5 ميكرون (PM2.5)، فقد ارتفعت بشكل طفيف مقارنة بعام 2024.
وهناك عدة مصادر للجسيمات الدقيقة في الهواء المحيط؛ فبالإضافة إلى المصادر الطبيعية، تنبعث أيضًا من وسائل النقل، ولا سيما التي تعمل بالديزل، ومن الدخان المنبعث من مصادر الاحتراق المختلفة، والحرائق، واستخراج المعادن، وأعمال البناء، وغيرها.
وتظهر عادة آثار التعرض لهذه الجسيمات في صورة السعال وتهيج القصبة الهوائية والعينين. ولأن هذه الجسيمات صغيرة بما يكفي للتغلغل داخل الشعيبات الهوائية الدقيقة في الرئتين، فإنها تُعد من أخطر الملوثات على صحة الإنسان.
ويعد الأشخاص الذين يعانون من أمراض تنفسية مزمنة، مثل الربو، الأكثر حساسية للتعرض لهذه الجسيمات.
وفي موقع الرصد في سحاب، بينت النتائج أن المعدلات السنوية لفترة الرصد الحالية لغازي ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين قد انخفضت بشكل طفيف مقارنة بعام 2024.
وثاني أكسيد النيتروجين غاز بني مائل إلى الحمرة، ينتج عن احتراق الوقود، ويهاجم أنسجة الرئتين والجهاز التنفسي، كما يقلل من مقاومة الجسم للجراثيم حتى عند التعرض لتركيزات منخفضة.
ولدى التعرض لتركيزات مرتفعة، فإنه يضعف مقاومة الجسم للأمراض التنفسية، مثل التهاب الرئتين، وتشير الأبحاث إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر حساسية له.
أما بالنسبة إلى المعدلات السنوية لغاز أول أكسيد الكربون والجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، التي يقل قطرها عن أو يساوي 2.5 ميكرون (PM2.5)، فقد ارتفعت بشكل طفيف مقارنة بعام 2024.
وأول أكسيد الكربون غاز عديم اللون والرائحة، وهو أحد النواتج الجانبية للاحتراق غير التام للوقود. ولا يؤدي استنشاقه إلى ضرر ملحوظ في الرئتين، إلا أنه يقلل من قدرة الدم على حمل الأكسجين.
لذلك، فإن التعرض لتركيزات منخفضة منه يؤدي إلى الدوار، والغثيان، والصداع، وانخفاض القدرة على التركيز، وتراجع القدرة على الأداء وإنجاز المهام اليومية، بينما يؤدي التعرض لتركيزات عالية منه، ولا سيما في الأماكن المغلقة، إلى التسمم الحاد.
وفي موقع الرصد في الكرك، ارتفع المعدل السنوي للجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، التي يقل قطرها عن أو يساوي 2.5 ميكرون، في عام 2025 مقارنة بالعام السابق.
وهناك العديد من العوامل المختلفة والمتداخلة التي تؤدي دورًا مهمًا في مستويات الملوثات في الهواء المحيط، من بينها نوع الوقود المستخدم في الصناعات والمركبات وجودته، وغيرها من الأنشطة. فعلى سبيل المثال، تختلف نسبة الكبريت في الديزل باختلاف مصدره.
ومن بين العوامل أيضًا كفاءة حرق الوقود ودرجة حرارته، والتحكم في تركيز الملوثات في الانبعاثات الصادرة عن عمليات الحرق، وعدد المركبات وأنواعها التي تستخدم الطرق الرئيسة والفرعية في مناطق الرصد، وسرعة تحركها على الطرق غير المعبدة.
وتؤدي الظروف الجوية كذلك دورًا مهمًا في مدى انتشار الملوثات من مصادرها إلى المناطق المحيطة، وفي مستوياتها في الهواء المحيط، إذ تختلف من سنة إلى أخرى تبعًا لاتجاه الرياح وسرعتها، ودرجة الحرارة، واستقرار الهواء، ومستوى تغطية الغيوم، والرطوبة النسبية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن التغيرات التي يحدثها الإنسان في طبوغرافية المناطق القريبة من مصادر التلوث، وفي الأبنية المجاورة لها، فضلًا عن الأنشطة غير المتكررة سنويًا التي تنبعث منها الملوثات إلى الهواء المحيط، تسهم في التأثير في هذه العوامل.
ويرتبط بهذه العوامل أيضًا حجم الإنتاج في الصناعات الواقعة ضمن مناطق الرصد، إذ يؤثر في كمية الوقود والهواء المضغوط المستخدمين في عمليات الحرق، إلى جانب مستويات غاز الأوزون في الهواء المحيط، الذي يؤدي دورًا في أكسدة غاز أول أكسيد النيتروجين وتحويله إلى غاز ثاني أكسيد النيتروجين.
وتؤكد نتائج الدراسة الحالية الحاجة إلى تطبيق عدة توصيات، من بينها الاستمرار في مراقبة نوعية الهواء في مناطق الرصد الحالية، وتوسيع نطاق الرصد ليشمل المدن الصناعية القائمة حاليًا غير المشمولة بالرصد.
وتأتي هذه الدعوة نظرًا لأهمية تحديد المناطق المعرضة لتلوث الهواء، ودراسة مصادر التلوث فيها، وتنفيذ الإجراءات الكفيلة بالحد من تجاوز تراكيز الملوثات للحدود المنصوص عليها في المواصفات الوطنية لنوعية الهواء المحيط، إلى جانب المحافظة على المناطق التي تتمتع بنوعية هواء تقع ضمن هذه الحدود ومنع تدهورها.
وتوصي الدراسة بتوسيع دائرة الرصد من حيث عدد الملوثات المرصودة، ولا سيما رصد مستويات الكربون الأسود في المناطق التي تشهد كثافة في حركة السير، والتي تُرصد فيها الجسيمات، إذ إن ذلك يساعد في تقدير مساهمة الانبعاثات الصادرة عن احتراق الوقود في المركبات في مستويات الجسيمات في الهواء المحيط.
ويُضاف إلى ذلك رصد مستويات الأوزون في المناطق التي تعاني من كثافة حركة السير وغيرها من مصادر انبعاث أكاسيد النيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة، مع توافر أشعة الشمس القوية، إذ تساعد هذه الظروف على تكوّن غاز الأوزون في الهواء المحيط، الذي يُعد مضرًا جدًا بالصحة العامة.
وأوصت الدراسة كذلك باستخدام النمذجة الرياضية لانتشار الملوثات في تحديد مواقع رصد نوعية الهواء المحيط، وهي من أنجح الوسائل لاختيار مواقع الرصد، إلا أن ذلك يتطلب جمع أكبر قدر ممكن من البيانات من الصناعات المحيطة بهذه المواقع.
وتضع هذه الدراسة، إلى جانب الدراسات الأخرى التي تهدف إلى رصد وتقييم نوعية الهواء المحيط، الأساس لإعداد الإستراتيجية الوطنية في المملكة، والتي تتطلب أيضًا تنفيذ العديد من الأبحاث، ولا تقتصر على المقترحات التالية، ومنها: تقييم العلاقة بين نوعية الهواء المحيط والصحة العامة.
ولا بد كذلك من تضمُّن الدراسات تقييم العلاقة بين نوعية الهواء المحيط والهواء الداخلي، واستخدام النمذجة الرياضية لانتشار الملوثات من المصادر الثابتة التابعة للمنشآت القائمة، لتقييم تأثيرها في نوعية الهواء المحيط.
ومن بين التوصيات أيضًا تنفيذ إستراتيجيات ومبادئ الاقتصاد الدائري، وكفاءة استهلاك الموارد في جميع القطاعات، ولا سيما النقل والصناعة ومعالجة النفايات، للحد من انبعاثات الملوثات من مصادرها.
وأكدت الدراسة أهمية التعاون مع الجهات البحثية والأكاديمية للاستفادة من قاعدة بيانات الرصد، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تصميم نماذج تساعد على التنبؤ بمستويات التلوث ونوعية الهواء.
وحثت على دراسة أسباب تلوث الهواء المحيط في موقع الرصد بسحاب بغاز ثاني أكسيد النيتروجين ومعالجتها، حيث سُجلت خلال فترة الدراسة الحالية عدة تجاوزات للحدين الساعي واليومي المنصوص عليهما في القاعدة الفنية المحلية.
ويبرز ذلك الحاجة إلى اتخاذ تدابير فعالة من قبل إدارة السير والبلديات لمراقبة كفاءة صيانة المركبات وتنظيم الحركة المرورية.
وأوصت، في هذا السياق، بمخاطبة وزارة النقل للاستثمار في بدائل التنقل العام الصديقة للبيئة، ووزارة العمل لوضع آليات تُمكّن من العمل عن بُعد، ووزارة التعليم العالي لتعزيز برامج التعليم والتدريب عن بُعد، بهدف الحد من التلوث الناتج عن كثافة حركة المركبات.