مدى قدرة التطورات المتسارعة في أدوات السياسة النقدية على توازن الاقتصادات الدولية
ان الترابط بين النظام النقدي والنظام
الاقتصادي وثيق , وبخاصة منذ ازدياد المبادلات الداخلية والخارجية . وتشير الوقائع
التاريخية الحديثة الى أن التقدم الاقتصادي منوط بوجود نظام نقدي سليم يمشي
بانسجام مع التطورالاقتصادي . كما أن الاختلال في البناء الاقتصادي قد يكون مرده
في حالات كثيرة هو ما يطرأ على النظام النقدي من ضعف أو فساد .
ان التطورات المتسارعة على أدوات السياسة
النقدية تؤثر بشكل عميق في الاقتصادات الدولية , لان البنوك المركزية أصبحت تمتلك
وسائل أكثر تنوعا وتعقيدا عن التضخم والنمو والاستقرار المالي من خلال : -
-
زيادة فعالية مكافحة التضخم , فقد أصبحت البنوك المركزية
تستخدم أدوات متقدمة الى جانب أسعار الفائدة التقليدية , مثل برامج شراء الأوصول
والتوجيه المستقبلي للاسواق , وهذا يساعد على السيطرة على التضخم بشكل أسرع , لكنه
قد يؤدي أيضا الى تقلبات أكبر في الأسواق المالية عند تغيير السياسة بصورة مفاجئة
.
-
تأثير أقوى على تدفقات رؤوس الأموال , فعندما ترفع أو
تخفض البنوك الكبرى مثل Federal Reserve System أو European
Central Bank أسعار الفائدة , تتحرك رؤوس الأموال بين الدول بحثا عن عوائد أعلى ,
وقد يؤدي ذلك الى , ارتفاع قيمة بعض العملات وانخفاض أخرى , خروج رؤوس الأموال من
الاقتصادات الناشئة , وزيادة تقلبات أسواق الصرف .
-
تعزيز الترابط بين الاقتصادات العالمية , حيث أصبحت
قرارات السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى تنتقل آثارها بسرعة الى بقية العالم
عبر التجارة والاستثمار والأسواق المالية . لذلك فان أي تغيير في السياسة النقدية
لدولة كبرى قد يؤثر على النمو والتضخم في دول اخرى .
-
ارتفاع في مخاطرالدين , ففي فترات الفائدة المنخفضة تشجع
الحكومات والشركات والأفراد على الاقتراض , وعندما ترتفع الفائدة تزداد كلفة خدمة
عبء الدين , مما قد يسبب ضغوطا مالية ويؤثر على النمو الاقتصادي .
-
دعم الاستقرار المالي اثناء الأزمات , فخلال الأزمات
الاقتصادية أو المالية , تسمح الأدوات الحديثة للبنوك المركزية بتوفير السيولة
بسرعة للاسواق والمؤسسات المالية مما يقلل احتمالات الانهيارات المالية ويحافظ على
استمرارية النشاط الاقتصادي ,
-
ظهور تحديات جديدة مع التكنولوجيا المالية , من خلال
التوسع في المدفوعات الرقمية والعملات الرقمية للبنوك المركزية قد يغير آليات
تنفيذ السياسة النقدية ويزيد من سرعة انتقال تأثيراتها خلال الاقتصاد وعبر الحدود
.
لذلك أصبحت عملية التنسيق والمتابعة الدولية
للسياسات النقدية أكثر أهمية من أي وقت مضى . وليس بكاف أن يكون النظام النقدي
سليما في أحد الاقطار حتى يبقى نظامه الاقتصادي سليما أيضا . فلا بد لهذا الغرض من
توفر السلامة في الأنظمة النقدية الأخرى , وخاصة في الأقطار التي بينهما تبادل
واسع في السلع والخدمات والحقوق . وما من قطر يعيش بمعزل عن الأقطار الأخرى في
العالم . والتغيرات في نقود أحد الأقطار قد يكون لها أثار بعيدة في نقود الأقطار
الأخرى وفي اقتصادها .
وبالرغم مما
ذكر للنقود من أهمية واستعمالات كثيرة عديدة في الاقتصاد , فلا ينبغي المبالغة في
الاعتماد على النقود وحدها في معالجة الكثير من الأوضاع الاقتصادية . ويراد بذلك
أن السياسة النقدية مهما كانت ثورية أو حكيمة وسليمة فمن العسير أن تأتي بالعلاج
الكافي لما يطرأ من الاختلال في النظام الاقتصادي العالمي . وما الركود التضخمي الملازم
له منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي حتى أيامنا هذه وفي تزايد مستمر لم تفلح السياسات المالية والنقدية
التوازن بينها والاقتصاد العالمي .