د.عصام الكساسبة يكتب .. من يحاكم المسؤول: القانون أم العائلة؟!

في الدولة التي يحتكم فيها الجميع إلى القانون تُقاس قيمة المسؤول بمدى التزامه بواجباته الدستورية والقانونية وبمدى احترامه للمسؤولية التي قبلها طوعًا. فالمنصب العام ليس امتيازًا يسبغ الحصانة بل تكليفًا يخضع صاحبه لمبدأ المساءلة ولرقابة الرأي العام في حدود النقد المشروع ولرقابة القضاء بوصفه المرجع النهائي في الفصل والإنصاف.
ومن ثم يجب أن يظل أي نقاش بشأن أداء المسؤول محصورًا في أفعاله العامة وقراراته الرسمية لا أن ينحرف إلى أسرته أو عشيرته. فالأصل القانوني المستقر هو قرينة المسؤولية الفردية بمعنى أن كل شخص يُسأل عن فعله هو وحده ولا تُنسب إليه تبعات لم يرتكبها غيره ولا يجوز تحميل ذويه أو محيطه الاجتماعي نتائج قرار لم يكونوا طرفًا فيه. والعائلات والعشائر الأردنية مكوّن أصيل من نسيج الوطن ومكانتها الوطنية أسمى من أن تُستدرج إلى خصومة لا صلة لها بها. فالمسؤولية شخصية بطبيعتها ولا تنتقل بالقرابة ولا يجوز أن تتحول الروابط الاجتماعية إلى وسيلة لتعطيل المحاسبة أو الالتفاف عليها.
وفي المقابل فإن حق النقد لا يعني إطلاق اليد في التشهير أو الإساءة أو المساس بالحياة الخاصة أو الأعراض أو الكرامة الإنسانية. فهذه حدود يقررها الدستور ويحميها القانون ويقيد بها مبدأ حرية التعبير حتى لا ينقلب إلى اعتداء. والمطلوب أن يبقى النقاش منصبًا على القرار العام والسلوك الوظيفي وأثر الممارسة الرسمية لا على الشأن الشخصي أو العائلي لأن النقد المشروع يقوم على بيان الخطأ ومساءلة صاحبه لا على التجريح أو الانتقاص أو التحريض.
وعلى هذا الأساس تقوم دولة المؤسسات على قاعدة واضحة لا لبس فيها: كل مسؤول يتحمل نتائج قراراته وأفعاله بنفسه والقانون هو المرجع والقضاء هو الفيصل والمساءلة لا تُدار بمنطق الانفعال أو العصبية أو التعميم. فلا تنتقل المسؤولية إلى غير صاحبها ولا تُستبدل المحاسبة القانونية بمرافعات عائلية أو عشائرية لأن العدالة لا تعترف بوراثة الخطأ ولا تقبل توزيع المسؤولية على غير مرتكبها ولا تجيز تحويل الخصومة مع المسؤول إلى خصومة مع محيطه الاجتماعي.
وخلاصة القول: المسؤول لا تحاكمه العائلة ولا تحميه العشيرة بل يحاسبه القانون وحده على ما صدر عنه وحده في إطار من المساءلة القانونية والرقابة المشروعة. وأي محاولة لجرّ العائلة أو العشيرة إلى ساحة المحاسبة ليست دفاعًا عن الحق بل انحرافًا عن جوهر العدالة وتجاوزًا لحدود النقد المشروع. فالمسؤولية لا تُورَّث ولا تُوزَّع على الأقارب ولا تُدار بمنطق العصبية؛ إنها مسؤولية فردية خالصة ومرجعها القانون وحده والمحاسبة فيها قانونية لا عائلية.