مقهى بنيويورك يشعل غضب اللوبي الإسرائيلي
تحولت واقعة رفض مقهى "بويتيكا كوفي" في نيويورك يوم الاثنين الماضي، تقديم الخدمة للنائب الديمقراطي اليهودي دان غولدمان، على خلفية مواقفه المؤيدة لإسرائيل، إلى شرارة أشعلت حملة انتخابية وإعلامية واسعة، كاشفة عن انقسامات عميقة داخل المشهد السياسي الأمريكي، وتحديدا في نيويورك، بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ووجه المقهى الصغير في بروكلين، رسالة إلى غولدمان في منشور عبر صفحته بـ"فيسبوك" قائلا "مرحبا أيها النائب دان غولدمان، لاحظنا أنك مررت اليوم بمقهانا لتناول القهوة. هل أدركت الآن أنها لا تشبه "عصير الإبادة الجماعية" في طعمها؟ أم أنك ما زلت تجد صعوبة في التمييز بين الأمرين؟".
وأكد المقهى أنه لا يقدم الخدمة لمن وصفهم بـ"المساهمين في تمكين الإبادة الجماعية"، موضحا أنه أعاد مبلغ القهوة إلى حساب غولدمان لاعتباره قادم من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، على حد وصفه.
ولم تكن الحادثة مجرد خلاف فردي، بل جاءت في توقيت حساس قبيل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الدائرة العاشرة بولاية نيويورك، التي خسر فيها غولدمان لاحقا أمام براد لاندر، المرشح المدعوم من عمدة نيويورك التقدمي زهران ممداني، بناء على النتائج المعلنة في الساعات الأولى من صباح أمس الأربعاء.
هذا السياق منح الواقعة بعدا أوسع، محولا إياها إلى ساحة صراع بين تيارين متناقضين، انعكست أصداؤه على منصات التواصل الاجتماعي وفي أروقة السياسة والقانون.
واعتبرت حسابات ومنظمات مؤيدة لإسرائيل أن حادثة "بويتيكا كوفي" تمثل دليلا على تصاعد ما تصفه بتداخل الخطاب المناهض لإسرائيل مع استهداف سياسيين يهود أو مؤيدين لإسرائيل داخل الساحة السياسية الأمريكية، لا سيما في أوساط التيار التقدمي بالحزب الديمقراطي.
وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة عينة من المنشورات المتداولة على منصة "إكس"، لتكشف كيف استُخدمت الواقعة لإنتاج سردية سياسية أوسع تربط بين مناهضة إسرائيل ومعاداة السامية من جهة وبين صعود اليسار التقدمي في نيويورك من جهة أخرى، إلى جانب استهداف مباشر لشخصيات مثل ممداني وحلفائه.
منشور يتحول إلى اتهامات بالتمييز
بدأت موجة التفاعل الأولى كنقل مجرد للقصة وتفاصيلها، مع تبني كل طرف لروايته عن الحدث، حيث تصدرت كلمات النائب عن زيارته للمقهى مع ابنته ومجاملته للنادلة منشورات داعميه، في حين تصدر تعليق المقهى الحسابات المقابلة.
وكان في مقدمة الحسابات التي التقطت الواقعة، المنظمات المؤيدة لإسرائيل، وقدمتها بوصفها مثالا على انتقال الخطاب المناهض لإسرائيل من المجال السياسي إلى ممارسة تمييزية داخل أماكن الخدمة العامة.
وجاء في المقدمة حساب "أوقفوا معاداة السامية"، وهو حساب معروف باستهداف أي شخص أو مكان يفكر في معارضة إسرائيل، ومحاولة التشهير به، لإجباره على التراجع.
وكتب الحساب منشورا قال فيه إن من يدعم "وجود الدولة اليهودية الوحيدة في العالم" لن يُخدم في "بويتيكا كوفي"، مضيفا أن ذلك "يبدو غير قانوني".
وفي الاتجاه نفسه، نشر حساب "حركة مكافحة معاداة السامية"، وهي منظمة تدعي أنها تحارب معاداة السامية حول العالم، بيانا أدان فيه تصرف المقهى قائلا: "إن تحميل اليهود أو من يُنظر إليهم على أنهم مؤيدون لإسرائيل مسؤولية جماعية بسبب خلافات حول سياسات الشرق الأوسط هو تعريف معاداة السامية، وتحويل فنجان قهوة إلى اختبار لتحديد الهوية اليهودية يُعد انتهاكا للقانون ولقيم كل نيويوركي يرفض التمييز".
تحريض على ممداني
ولم تكتف المنظمات التابعة لإسرائيل باتهامات معاداة السامية، بل استغلت الحدث للتحريض على عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي يعدّ الهدف الأول للحملات الإسرائيلية داخل أمريكا في الوقت الحالي.
وكتبت منظمة "إنهاء كراهية اليهود"، أن "الخطر الحقيقي" لا يأتي ممن يدعمون إسرائيل، بل من شخصية سياسية قوية تسعى لقيادة أكبر مدينة أمريكية، وتعمل -بحسب تعبيرها- على "شيطنة مؤيدي الدولة اليهودية الوحيدة في العالم".
وربطت المنظمة بين ما جرى في المقهى وبين هجوم زهران ممداني على "أيباك"، معتبرة أن وصف عمدة نيويورك لأنصار إسرائيل أو "أيباك" بـ"الوحوش" يستدعي واحدة من أقدم الصور النمطية المعادية لليهود، وأن هذا الخطاب "يلهم التمييز".
وأعادت حسابات أخرى تكرار الصيغة نفسها، معتبرة أن ما حدث داخل المقهى ليس واقعة منفصلة، بل نتيجة لمناخ سياسي أوسع في نيويورك يسمح، في رأيها، بتحويل العداء لإسرائيل إلى عداء لليهود أو لمؤيدي إسرائيل.
من المنصات إلى الميدان
ويرصد تحليل وحدة المصادر المفتوحة، أن حساب منظمة "إنهاء كراهية اليهود" كان من أبرز الحسابات التي دفعت باتجاه تحويل الواقعة إلى تحرك ميداني. ودعت المنظمة إلى احتجاج أمام المقهى في 24 يونيو/حزيران، تحت عنوان "لنحتج على الكراهية التي يغذيها ممداني.. بويتيكا كوفي يميز ضد اليهود".
ولاحقا، نشرت المنظمة مشاهد من احتجاجها أمام المقهى في بروكلين، مؤكدة أنها حضرت لتقول لإدارة بويتيكا كوفي إنها "لن تقبل بالصمت على التمييز العنصري ضد اليهود".
كناري ميشن والتحقيق القانوني
ومن بين المنظمات الداعمة لإسرائيل، حضرت "كناري ميشن" على الخط، وهي مؤسسة معنية بملاحقة الطلاب والأكاديميين الذين ينتقدون إسرائيل تحت مزاعم "معاداة السامية"، إذ قالت المنظمة إنه "لا يمكن أن يمتنع عمل تجاري عام عن ضيافة شخص لأنه لم يعجب بهويته أو سياساته، أو علاقاته".
وأضافت: "الضيافة لا تعني شيئا إذا اختفت في اللحظة التي يدخل فيها يهودي أو شخصية عامة مؤيدة لإسرائيل من الباب"، مؤكدة أنها في انتظار تحقيقات وزارة العدل حول الحادثة.
تدخل وزارة العدل
وتعزز المسار القانوني في النقاش، بعد منشور من حساب المسؤولة في وزارة العدل الأمريكية، هارميت ديلون، قالت فيه إن قسم الحقوق المدنية على علم بما وصفته بواقعة رفض خدمة النائب دان غولدمان، وإن القانون الاتحادي يحظر على أماكن الخدمة العامة، مثل المقاهي، التمييز ضد الزبائن بناء على العرق أو الدين أو الأصل القومي.
وأشعل هذا المنشور موجة جديدة من التفاعل، إذ اعتبرته حسابات مؤيدة لإسرائيل مؤشرا على أن الواقعة لم تعد مجرد جدل على وسائل التواصل، بل دخلت نطاق المساءلة القانونية المحتملة.
وفي ظل الهجوم المستمر على المقهى، أقدم عضو مجلس ولاية نيويورك مايكل نوفاخوف على زيارة المقهى وتصويره، قائلا إنه دخل بصفته "يهوديا صهيونيا فخورا" ليسأل عما إذا كانوا سيقدمون له الخدمة.
وكتب أن "المواقف تتغير عندما تبدأ وزارة العدل في طرح الأسئلة"، معتبرا أن "معاداة السامية المتخفية في هيئة نشاط سياسي تظل معاداة للسامية".
وقال نوفاخوف إنه وجد داخل المقهى مواد انتخابية لمرشحة "شيوعية"، بينما كان الحي، بحسب وصفه، مليئا بدعاية مناهضة لإسرائيل ورسائل مناهضة للصهيونية، ليخلص إلى أن الأمر "ليس عن القهوة"، بل عن حركة سياسية "اختطفت الحزب الديمقراطي" وتزداد ارتياحا في شيطنة إسرائيل ومؤيديها.
وتكشف هذه المنشورات كيف تحولت واقعة واحدة داخل مقهى إلى مادة لبناء مشهد سياسي أوسع، يربط بين واقعة المقهى واليسار التقدمي وممداني ومعاداة إسرائيل.
دعوات إلى المقاطعة والعقاب الرقمي
إلى جانب الدعوة إلى الاحتجاج، ظهرت منشورات أكثر حدة طالبت بمعاقبة المقهى رقميا واقتصاديا، ودعت المستخدمين إلى البحث عن المقهى على غوغل ومنحه تقييما بنجمة واحدة، قائلة إن المقهى "يقدم الكراهية لا القهوة".
وتكشف هذه المنشورات أن التفاعل لم يبق في حدود الاعتراض السياسي، بل اتجه إلى محاولة الضغط على المقهى عبر الاحتجاجات والتقييمات السلبية والدعوات إلى المقاطعة.
كما يظهر التحليل، أن عددا من الحسابات استخدم الواقعة للانتقال إلى خطاب أوسع ضد المسلمين أو اليسار أو مناهضي إسرائيل. فقد نشر أحد المدونين، تغريدة استهدف فيها صاحب المقهى المسلم المهاجر من زاوية دينية وعرقية، وقدم اسمه وأصله بوصفهما جزءا من الاتهام، في خطاب يتجاوز نقد الواقعة إلى تعميمات معادية للمسلمين.
ماذا تكشف خريطة التفاعل؟
وتكشف خريطة التفاعل التي أعدتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أن واقعة بويتيكا كوفي لم تنتشر بوصفها حادثة محلية منفصلة، بل تحولت إلى شبكة تعبئة رقمية متداخلة قادتها حسابات مؤيدة لإسرائيل ومنظمات تصف نفسها بأنها "مناهضة لمعاداة السامية"، ودفعتها من مستوى منشور لمقهى في بروكلين إلى قضية سياسية وقانونية مرتبطة بانتخابات نيويورك.
وشملت العينة نحو 4431 تفاعلا، وأسفرت عن شبكة تضم 1363 حسابا و1613 علاقة تفاعل. وتُظهر الخريطة أن نحو 74.39% من الحسابات تركزت داخل كتلة كبرى واحدة، مما يعكس أن الجدل لم يكن مشتتا، بل دار داخل فضاء تفاعلي متقارب أعاد تدوير الرسائل نفسها مثل "غولدمان استُهدف لأنه يهودي ومؤيد لإسرائيل"، و"بويتيكا كوفي مارس تمييزا"، و"وزارة العدل مطالبة بالتدخل".
وبرزت حسابات هارميت ديلون و"إنهاء كراهية اليهود" و"أوقفوا معاداة السامية" و"كناري ميشن" و"جهاد ووتش آر إس" أكثر الحسابات تأثيرا داخل الشبكة. فقد منحت هارميت ديلون الجدل بعدا قانونيا عبر الإشارة إلى تحقيق وزارة العدل، بينما قاد "إنهاء كراهية اليهود" مسار التعبئة الميدانية والاحتجاج، وساهمت "أوقفوا معاداة السامية" و"كناري ميشن" في تثبيت رواية التمييز ضد نائب يهودي مؤيد لإسرائيل.
أما "جهاد ووتش آر إس" فدفع بالواقعة إلى خطاب يميني أوسع يربط بين اليسار ومعاداة إسرائيل والمسلمين.
كما ظهر حسابا دانيل إس غولدمان والنائب دان غولدمان ضمن الحسابات المركزية في الشبكة، بما يعكس أن غولدمان لم يكن مجرد طرف في واقعة رفض خدمة، بل كان عنصرا سياسيا وانتخابيا أساسيا في السردية.
فالحملة الرقمية لم تستهدف الدفاع عن زبون داخل مقهى فقط، بل أعادت تقديم الحادثة باعتبارها مؤشرا على صعود تيار تقدمي في نيويورك أكثر حدة تجاه إسرائيل و"أيباك"، وارتبطت مباشرة بمعركة غولدمان الانتخابية وخسارته لاحقا أمام مرشح مدعوم من ممداني.
رواية مقابلة
في المقابل، لم تكن الساحة الرقمية خاضعة لرواية واحدة. فقد ظهرت حسابات يسارية وتقدمية، بينها صحفيون وناشطون يهود مناهضون للصهيونية، أعادت تفسير الواقعة من زاوية مختلفة تماما، معتبرة أن ما جرى لم يكن استهدافا لغولدمان بسبب يهوديته، بل موقفا سياسيا من نائب مؤيد لإسرائيل ومدعوم من "أيباك"، في لحظة انتخابية كان يواجه فيها منافسة قوية داخل الحزب الديمقراطي.
وركز هذا الخطاب على الدفاع عن حق المقهى في التعبير السياسي والمقاطعة، واعتبار وصف غولدمان بـ"مُمكّن الإبادة" امتدادا للاحتجاج على حرب غزة لا استهدافا لهويته الدينية.
ومن أبرز النماذج، وصفت الصحفية اليسارية المستقلة تاليا جين الاحتجاج أمام المقهى بأنه "تجمع صهيوني صغير" نظمته "إنهاء كراهية اليهود"، التي وصفتها بأنها مجموعة يمينية، وقالت إن الحضور غلب عليه ناشطون من اليمين المتطرف.
كما أشارت في تغطيتها الميدانية إلى وجود تدفق من أشخاص دخلوا المقهى دعما له، وإلى أن الاحتجاج المضاد ضم أعضاء من جماعة ناتوري كارتا اليهودية الأرثوذكسية المناهضة للصهيونية، إلى جانب ناشطين مناهضين للإبادة.
أما الناشط اليهودي اليساري رافائيل شيمونوف، فربط الحادثة بالسياق الانتخابي، إذ اعتبر أن إدارة ترمب ووزارة العدل استخدمتا قصة بويتيكا كوفي لملاحقة مالك مهاجر وصاحب مشروع صغير، في محاولة أخيرة، بحسب تعبيره، لمساعدة دان غولدمان في حملته المتعثرة ضد براد لاندر. كما دافع عن المقهى ومالكه، وقدم الحملة ضده باعتبارها تشويها سياسيا يخدم غولدمان وحلفاءه المؤيدين لـ"أيباك".
يُعرف غولدمان بأنه من أبرز النواب الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل داخل الكونغرس إلا أن خسارته الانتخابات التمهيدية للحزب ستجعله يغادر منصبه مع انتهاء ولايته في يناير/كانون الثاني 2027، كما دعم المساعدات الأمريكية لإسرائيل بعد حرب غزة، وانتقد بعض الأصوات داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي التي تتبنى مواقف أكثر تشددا تجاه إسرائيل.