اجتماع طارئ للجيش والشاباك والموساد.. صدمة في إسرائيل بعد فشل تهجير الفلسطينيين من غزة
أفادت المعطيات السياسية والميدانية في إسرائيل أن مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة يواجه عقبات جوهرية تحول دون تنفيذه حتى الآن.
وتبذل إسرائيل جهودا غير مسبوقة لتنفيذ تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، في إجراءات تعكس استمرار الرهانات الإسرائيلية على تقليص الوجود الفلسطيني في القطاع بعد أكثر من عامين ونصف العام من الحرب.
وكشفت صحيفة "هآرتس" العبرية أن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجديد، شموئيل بن عزرا، عقد اجتماعا طارئا ضم ممثلين عن الجيش ووزارة الأمن والموساد والشاباك لبحث ما يسمى "تشجيع الهجرة الطوعية" من قطاع غزة. إلا أن الاجتماع لم يسفر عن أي تقدم عملي، إذ أكد ممثلو جهاز الموساد خلاله أنهم لم ينجحوا في العثور على دول مستعدة لاستقبال سكان من غزة، وهو ما أعاد إلى الواجهة المعضلة الأساسية التي واجهت المشروع منذ طرحه لأول مرة.
غياب الدول المستعدة يستنزف المشروع
بحسب ما نقلته "هآرتس"، فإن أجهزة الأمن الإسرائيلية نفسها فوجئت بإعادة طرح الملف، خصوصا أن الفكرة نوقشت مرات عديدة خلال الأشهر الماضية من دون أن تتحول إلى خطة قابلة للتنفيذ. كما أبلغ ممثلو الموساد المشاركين في الاجتماع بعدم وجود دول توافق على استقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين القادمين من القطاع، ما يؤكد استمرار العزلة الدولية للمقترح الإسرائيلي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن إسرائيل، رغم القوة العسكرية الهائلة التي استخدمتها في الحرب، لم تتمكن من إيجاد البيئة السياسية والقانونية اللازمة لتحويل فكرة التهجير إلى واقع، في ظل الرفض الدولي والعربي الواسع لأي إجراءات تؤدي إلى إفراغ القطاع من سكانه.
موقف فلسطيني موحد: لا للتهجير
في المقابل، واجهت الدعوات الإسرائيلية إلى إخراج الفلسطينيين من غزة رفضا فلسطينيا قاطعا من مختلف القوى والمؤسسات الوطنية.
فقد أكدت منظمة التحرير الفلسطينية رفضها الكامل لجميع الدعوات الرامية إلى تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وشددت على أن الحل يكمن في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وليس في ترحيل السكان أو إعادة توزيعهم في دول أخرى.
كما تواصل الفصائل الفلسطينية والقوى الوطنية التأكيد على أن التهجير يمثل تكرارا لمأساة النكبة عام 1948، وأن الفلسطينيين يتمسكون بحقهم في البقاء على أرضهم رغم الدمار والخسائر الإنسانية الهائلة التي خلفتها الحرب.
لم يقتصر رفض مشروع التهجير على الفلسطينيين، بل تحول إلى موقف عربي وإسلامي شبه إجماعي.
فقد أكدت اللجنة الوزارية العربية الإسلامية الخاصة بغزة رفضها القاطع لأي تصريحات أو إجراءات إسرائيلية تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، معتبرة أن أي محاولة لاقتلاع السكان أو تغيير الواقع الديمغرافي تمثل انتهاكا للقانون الدولي.
كما شدد مجلس جامعة الدول العربية على رفض جميع أشكال تهجير الفلسطينيين من أراضيهم أو تغيير التركيبة السكانية لقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، واعتبر هذه السياسات تهديدا مباشرا لفرص تحقيق تسوية عادلة ودائمة. وكانت كل من مصر والأردن قد أعلنتا مرارا رفضهما استقبال الفلسطينيين كبديل عن بقائهم في أرضهم، مؤكدتين أن الحل السياسي يجب أن يقوم على إقامة الدولة الفلسطينية وليس على نقل السكان إلى دول أخرى.
أرقام المعابر تكشف فشل الرهان على الخروج الجماعي
وتظهر البيانات المتعلقة بحركة السفر عبر معبر رفح أن الرهان الإسرائيلي على خروج أعداد كبيرة من سكان غزة لم يتحقق عمليا.
فعلى سبيل المثال، ووفقا لبيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، غادر القطاع عبر معبر رفح 640 شخصا فقط خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 18 فبراير، مقابل عودة 508 فلسطينيين إلى القطاع خلال الفترة نفسها.
كما أكدت تقارير أممية ومصرية متطابقة أن معبر رفح استقبل دفعات متتالية من الفلسطينيين العائدين إلى غزة بعد إعادة فتحه جزئيا، وأن آلية العبور الجديدة خصصت أساسا لتمكين من غادروا القطاع أثناء الحرب من العودة إليه بعد الحصول على الموافقات اللازمة.
وأشارت الأمم المتحدة إلى استقبال مئات الفلسطينيين العائدين إلى القطاع فور إعادة تشغيل المعبر، فيما سمحت السلطات الإسرائيلية بعودة الأشخاص الذين غادروا غزة خلال الحرب بعد استكمال الإجراءات الأمنية المطلوبة.
العودة رغم الدمار
اللافت أن عودة الفلسطينيين جرت رغم المشاهد الكارثية التي خلفتها الحرب في معظم مناطق القطاع. فقد وثقت تقارير دولية وصول عائلات فلسطينية إلى غزة بعد سنوات من النزوح الخارجي لتجد منازلها مدمرة بالكامل، إلا أن ذلك لم يمنعها من العودة والاستقرار مجددا داخل القطاع.
ويعكس هذا السلوك الجماعي تمسكا واسعا بالأرض والهوية الوطنية، وهو ما يتناقض مع الافتراضات الإسرائيلية التي روجت لإمكانية دفع أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى مغادرة غزة بصورة دائمة.
عقبات سياسية وقانونية وأمنية
إلى جانب الرفض الفلسطيني والعربي، يواجه مشروع التهجير عقبات قانونية وسياسية معقدة، إذ يتطلب موافقة دول مستقبِلة وتنسيقا دوليا واسع النطاق، فضلا عن مواجهة اتهامات محتملة بارتكاب جريمة التهجير القسري المحظورة بموجب القانون الدولي.
كما أن استمرار عودة الفلسطينيين إلى القطاع عبر المعابر، رغم القيود المشددة والدمار الواسع، يقدم مؤشرا عمليا على محدودية فرص نجاح أي مشروع يهدف إلى إفراغ غزة من سكانها.
وفي المحصلة، تكشف إعادة طرح ملف "الهجرة الطوعية" داخل المؤسسات الإسرائيلية عن استمرار التفكير في حلول ديمغرافية للأزمة الفلسطينية، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم الفجوة بين الطموحات الإسرائيلية والواقع السياسي والميداني، حيث اصطدم المشروع حتى الآن بثلاثة جدران صلبة: رفض الفلسطينيين مغادرة أرضهم، ورفض الدول العربية والدولية استيعاب موجات تهجير جديدة، وعدم قدرة إسرائيل على إيجاد آلية عملية لتحويل هذه الأفكار إلى واقع قابل للتنفيذ.