مالك حداد يكتب : الأردنيون في أمريكا عشقٌ لا تهزمه النتائج
من تابع المشهد جيداً من داخل ملعب ليفايز في سان فرانسيسكو وخارجه يعرف أن الحكاية الحقيقية لم تكن في لوحة النتائج بل في المدرجات التي ارتدت الأحمر والأسود والأبيض والأخضر وفي وجوه أردنيين عبروا قارة كاملة ليكونوا هناك في تلك اللحظة إلى جانب فريقهم.
الأردن يلعب كأس العالم لأول مرة في تاريخه وحين سجّل علوان هدف التعادل في الشوط الثاني لم يحتفل لنفسه بل رفع قميص زميله يزن النعيمات صانع التأهل الأول بثمانية أهداف في التصفيات والغائب عن المونديال بسبب إصابة قاسية.
تفصيلة صغيرة لكنها تختصر شيئاً كبيراً أن هذا الفريق لا يلعب لنفسه فقط بل لكل من ساهم في الوصول إلى هذه اللحظة وأن الجمهور الأردني أينما كان يفهم هذه اللغة جيداً.
وفي الأسابيع التي سبقت المباراة لم تكن الجاليات الأردنية في الولايات المتحدة بمعزل عن هذا الحدث التاريخي.
من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي تحوّلت لقاءات الجالية ومناسباتها إلى احتفالات مبكرة بهذا الإنجاز .
وفي يوم المباراة لم يكن المدرج في سان فرانسيسكو مجرد منشأة رياضية بل قطعة من عمّان والسلط وإربد والكرك انتقلت لساعات إلى الساحل الغربي الأمريكي يهتف فيها أبناء الوطن بلهجتهم ويرفعون علمهم بفخر لا تخفّفه المسافة.
هذه هي القصة التي تستحق أن تُروى ليس فوزاً أو خسارة بل أردنيون قرروا أن البُعد عن الوطن لا يُضعف الانتماء إليه بل يزيده وضوحاً وحدّة.
أناس بنوا حياتهم ومستقبلهم في بلد آخر أنجزوا وتفوّقوا في مجالاتهم لكنهم حين سُئلوا مع من تقف؟
لم يتأخروا لحظة في الجواب.
هذا النوع من الحب لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة بل بالقدرة على البقاء حاضراً ومتجدداً عبر الأجيال والمسافات وبالقدرة على تحويل خسارة على أرض الملعب إلى مناسبة للفخر والاحتفال بالهوية.
كانت هذه هي الرسالة الأعمق التي حملتها مباراة الافتتاح هو أن الوطن ليس مساحة جغرافية فقط بل شعور ينتقل مع الإنسان أينما حلّ ويتجدد في أصغر التفاصيل في نشيد يُعزف في صباح بعيد وفي قميص يُرفع تحية لغائب وفي صوت جماهير لم تجتمع من قبل فاجتمعت لأجل هذه اللحظة وحدها.
ولعل أجمل ما في القصة أنها لم تنتهِ بعد.
أمام النشامى موعدان آخران في دور المجموعات مواجهة عربية خالصة مع الشقيقة الجزائر ثم اختبار الكبار أمام حاملة اللقب الأرجنتين .
وأياً تكن النتائج فإن المكسب الحقيقي تحقق بالفعل جيلٌ كامل من الأردنيين في الداخل والمهجر اكتشف أن حب الوطن لا يحتاج إلى مناسبة كبرى ليظهر بل يكفيه قميص بألوان العلم ونشيد يُعزف في صباح باكر بتوقيت مدينة بعيدة ليتحول المدرج إلى وطن والغياب إلى حضور.
تحية إلى اهلنا في امريكا والعالم